‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكتابة بالصورة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكتابة بالصورة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، سبتمبر 07، 2009

حكايات الحفر

مفاتيح القراءة :

- جميع الأحداث لا تمت للواقع بصلة. وأي تشابه بينها وبين الواقع فهو من قبيل.. "إن راح منك يا عين.. هيروح من قلبي فين".

- نظراً لطول السطور التالية. يمكن التأكيد على أن البعض لن يفقد الكثير حال تجاوزها وعدم البدء في قراءتها.

- للقارئ ضعيف الملاحظة.. "العامل البدين".. هو أنا!

(1)
كانت لدينا ماكينة للحفر. وكنا جميعاً نعمل على ظهرها.

يحتاج المشهد إلى وصف تفصيلي.

الجبل السحري الضخم. الذي إذا انكسرت منه قطعة. يعود مكان الكسر كما كان، تعاوننا جميعاً. وحملنا ماكينة الحفر الجديدة لنضعها في مواجهة الجبل. ونبدأ العمل.

الحق يقال. "المعلم" هو صاحب الفكرة.. يمكن أن تقرأ الكلمة بشكلين. المعلم. المدرس الأستاذ القائد. والمعلم. صاحب المحل و"الأسطى" و"الصنايعي" الأكبر.

كنا ننظر إليه فنهدأ. نراقب حركاته وأفعاله فنتعلم. كان مشهد جلوسه على مقعد قيادة الماكينة، وإدارته للمحرك. خلاباً بما يكفي. ليقتل داخلنا أي شعور بالغيرة أو التطلع أو الحسد.

لم يكن "المعلم" قديساً ولا صوفياً زاهداً. كان معلماً بقدر ما يمكن لمعلم أن يكون. وكنا – عمال الحفر – نكره القديسين بطبعنا ولا نصدق أصحاب النفوس الزاهدة. ولعل هذا ما جعلنا جميعاً نؤكد، في البداية، أن العلاقة علاقة عمل، وأن الصداقة التي تربطنا بمعلمنا شيء. ومصلحة العمل شيء آخر. فرق كبير بين موقع حفر في مواجهة جبل، وموقع مقهى بجوار ترعة حيث نحب التدخين.

ما الذي يستحق أن يوصف في المشهد إذن؟. أقول لك. وأخبرك بداية أني العامل البدين، عادة ما تجدني جالساً على ظهر ماكينة الحفر، كانت مهمتي، الكبيرة الصغيرة، أن أواظب على مسح الزجاج الخلفي للماكينة من غبار الحفر، وفي بداية العمل، لا أخفي أني أبديت تذمري واعتراضي، حين نظرت لمهنتي كونها أبسط من أن يتفرغ لها بدين مثلي، لكن جلسة هادئة مع "معلمي" على المقهى، أخبرني فيها بأهمية موقعي وخصوصيته، غيرت نظرتي للأمور، وأكسبتني طموحاً واسعاً، في أن أكون مع الأيام أفضل من يمسح الزجاج الخلفي لماكينات الحفر. وهو أمر لم ولن يحدث.

يبدأ الحفر في منتصف اليوم. لم نكن عمالاً ناشطين. كان يروق لنا أن نأخذ قهوة صباحية في طريقنا للعمل. نتوقف قليلاً في الطريق بين بيوتنا في أطراف القرية، والجبل على ضفاف النيل قرب وسط المدينة. نشرب القهوة وندخن السجائر، نقرأ الجرائد ونتبادل أخبار الليلة الماضية، نناقش ما عرضته الفضائيات، ويمكن أن يأخذ كل عامل حظه في سرد أهم ما جاء بخناقته الليلية مع زوجته. كانت همومنا مشتركة، وأفراحنا أيضاً. كنا نتفق سريعاً – قبل القيام وإستئناف الطريق إلى العمل – على خطط السهرة. كنا نقدس السرمحة، ولا زلنا. لولا أن بعضنا سيكرهها حين يدرك – بمرور الوقت – أن عشقه للسرمحة في حقيقة الأمر كان عشقاً لصحبة العمال والمعلم. ويا لها من صحبة.

نصل للجبل ويبدأ الحفر. لماذا كنا نحفر أصلاً؟. ستطرح هذا السؤال على العامل البدين حين ترانا نحفر بتراخي واستمتاع. ستدرك أن هذا لا يمكن أن يكون آداء عمال في محجر أو جبل حقيقي. ستفهم أن في الأمر خدعة ما. وسأجيبك بكلمة واحدة. "المعلم". هو وحده علمنا الحفر باستمتاع وانسجام وتلذذ. قال، فيما قال من حكم وأقوال ومواعظ طيبة، "يا شباب. العمال في العالم كله يحفرون ويكسبون قوت يومهم بما حفرت فئوسهم. لكنا يا شباب لسنا عمالاً عاديين. نحفر لأننا نحب الحفر، لا تفرحوا إن غادرتم الجبل وقد تركتم فيه حفرة واسعة. افرحوا فقط بالحفر الصغيرة الجميلة. الحفر الكبيرة سيئة المنظر وقبيحة. وهي تؤذي الجبل وتهدد بانهياره، احفروا برفق. ارفقوا بأنفسكم وبالجبل. وابتسموا حين الحفر. فإني أحب ضحكاتكم".

أخبرك بسر. بكيت بعد كلام "المعلم" بحرقة. وآمنت به، وبماكينة حفره. كانت لدي أمنياتي الخاصة، شأن كل البدناء. لكني، وبعد خطبتين أو ثلاثة من المعلم، تصالحت مع طموحي، واخترت أن أكون مجرد عامل بدين على ماكينة حفر تحمل اسم المعلم وصورته. تصالحت مع نفسي. ورضيت بأن أهب نجاحي لمعلمي. وقررت أن حياة كالتي رأيتها بين دموعي بعد الخطبة. تليق ببدين مثلي. ومسحت زجاج الماكينة باهتمام، واختلطت دموعي بغبار الجبل، وشممت رائحتها للمرة الأولى.

(2)

ينتهي الحفر عند الثامنة. هذا يعني أن ساعات العمل الرسمية كانت ستة أو سبعة. مع حساب استراحات الشاي وصلاتي العصر والمغرب.

يجتمع الجميع فور انتهاء العمل، يختار كل عامل منا قطعة من الحجارة المكسورة. ويعرضها على المعلم، فيقلبها المعلم بين يديه. ويبدي ملاحظاته القصيرة. طوال عملي مع المعلم لم يستحسن قطعة حجر أو يثني على عامل، لكن والحق يقال، فقد كان يمتنع عن إبداء الملاحظات السيئة أو توبيخ عامل على اختياره قطعة غير مناسبة. كان المعلم يرضى. وحدثنا في طريق نزولنا من الجبل، عن كون الرضا نعمة. وعن أحلامه، أن تصبح ماكينة الحفر واحدة واثنين وثلاثة. ويرى كل عامل منا يجلس على مقعد قيادة مثله. وكنا نفرح بالأحلام، ونتغذى عليها. كنا نأكل الأحلام والحجارة، فنشبع ونبتهج، لم نكن نرى في الحجارة خشونة ولا في الأحلام ميوعة. كنا نشبع، ونأخذ للبيت ما يكفي عيالنا. وصفت ماكينة حفرنا بالـ"جنة". وشبه أحدهم فريقنا بالنادي الأهلي. ورأينا جميعاً في المعلم شخص "أبو تريكة".

تعلمنا أشياء كثيرة. راقبنا ماكينات الحفر الأخرى، تمنينا لها التوفيق، لكنا سخرنا منها في الوقت ذاته. كنا نرى الجميع يحفرون بطريقة خاطئة. علمنا المعلم، وسنعرف بعد مرور الوقت قيمة ما تعلمناه، أن إبداء الملاحظات أمر مطلوب، وأن النقد نعمة مثل الرضا، وأن موهبة إلتقاط الزوايا والصور، هي ما يميز فريقنا المتماسك.

هل قلت متماسك؟. أمنحني لحظة للتفكير... نعم متماسك. ومتماسك جداً. تحدثني عن خلافات العمال بينهم وبين بعض. تحدثني عن صوتي العالي الذي يتزامن مع الحفر. أنا أقول لك. كل العمال أخوة. والخلاف حول الحفر يا صديقي. حول تجويد العمل وتكسير عدد أكبر من الحجارة. ثم أسألك. هل علا صوتي على صوت الماكينة؟. هل توقف الحفر بسبب الخلاف. لم ولن يحدث.

كانت المقهى في المساء ساحة لقتل أي فتنة. لم تتشكل قلوبنا بأشكال الحجارة. تعرف. وهو سر سأخبرك به أنت وحدك.. تعاهدني.. تمام.. كنا جميعاً نبكي في لحظات الضيق. نبكي. نحن عمال الحفر الأشداء الأقوياء، نبكي كأطفال رضع. ونمسح دموع بعضنا. الحفر علمنا أن الحياة تستحق. وأن توقف الحفر لحظة. سيجعله قابلاً للتوقف دائماً.

(3)

وجاء من أقصى المدينة سيد يسعى..

نعرفه بهكذا اسم.. "السيد". برداء رسمي غامق اللون. وابتسامة صفراء مستمرة، وبكلمة "حبيبي" يلقيها على الجميع. وبأسماء دلع لكل الموجودين. جاء يسلم على المعلم لعلاقة صداقة قديمة بينهما. وتشاءمنا جميعاً لدخول رجل بملابس رسمية مكان الحفر. وجلوسه قرب ماكينتنا. وزاد تشاؤمنا حين اعتذر المعلم عن قهوة المساء وجلسة التدخين. فسيذهب مع صديقه القديم لمناقشة بعض الأفكار الخاصة بتطوير العمل.

صباح اليوم التالي كان المعلم يخبرنا بأن السيد سيصبح شريكاً له في مشروع استثماري كبير بجوار ماكينة الحفر، وأنه – المعلم – يشعر بقدر من التعب، وأن صديقه سيأتي لإضافة بعض الأفكار التطويرية على أسلوب حفرنا، للحصول على "أفضل إنتاج يومي". ونسينا جميعاً يومها كلام المعلم القديم عن الإستمتاع بالعمل، والتلذذ بالحفر لأجل الحفر. والترفق بالجبل وبانفسنا.

صباح يوم تالي، وبعد زيارات مستمرة من جانب السيد المحترم. كلها بالملابس الرسمية الغامقة. تم تحديد ليلة الخميس للجلوس في المكتب – وليس المقهى – لعرض ملاحظات السيد التطويرية. وسأخبرك بصراحة أني فكرت صباح الثلاثاء في مراجعة الطبيب النفسي بعد أن داهمتني كوابيس متتالية أرى فيها السيد يخلع رداءه الرسمي، يضربني بقوة ويهتك عرضي وهو يبتسم ذات ابتسامته الصفراء الواسعة، ويقول "يا حبيبي أنا بس بأطور آداءك".

(4)
وقوف العمال فوق ظهر الماكينة يلوث البيئة. ومهامهم بسيطة ولا تتناسب مع أجورهم. ويمكن للماكينة أن تعمل دون أن يكون زجاجها الخلفي ممسوحاً. وسيتم ربط الأجور بحجم ما يتم تكسيره من حجارة. لا توجد منحة شهرية ولا سنوية. ولا زيادة في الأجور. ممنوع الضحك أثناء العمل. ونحن في أزمة مالية عالمية. الكل مهدد بالرحيل. وآداء الجميع من سيء إلى أسوأ.

تلك ملاحظات السيد. فيما كان لديه قراراً واحداً. ينزل العمال من أعلى الماكينة. ويحضرون فئوساً من بيوتهم، ويحفر كل عامل بجوار الماكينة، وتحفر الماكينة أيضاً بحيث يتضاعف الإنتاج، ويصبح لكل عامل "ماكينة حفر صغيرة". تنتج قطعاً أكثر من الحجارة. ونقضي على تلوث البيئة.

لعلمك. إن سألتني عن علاقة تلوث البيئة بوقوفنا السابق أعلى ماكينة الحفر، فسأزورك في أحلامك ليلاً. وأطور أداءك. طبعاً لا أعرف العلاقة. وظني أنه لا توجد علاقة أساساً. لكن السيد كان يأتي في الأيام الأولى وفي يده مجلد ضخم بغلاف أزرق، مكتوب بالإنجليزية. كان يفتحه ويقرأ. ثم يملي علينا قراراته. فهمنا وقتها أن الكتاب ربما يحوي نصائح إدارية مهمة. ثم أخبرنا عامل زميل، بعد شهور، أنه دخل لغرفة السيد خلسة. وفتح الكتاب، وأكتشف أنه دليل قديم لهواتف المدينة.

لم يعترض أحد.. ثواني، اسحب ابتسامتك الحمقاء. ستقول أن عدم اعتراضنا هو السبب. لا يا فالح. السبب هو اختيار يوم الخميس للإعلان عن كل هذا. ويوم الخميس إن لم أكن أخبرتك من قبل، هو موعد نزهتنا الأسبوعية برفقة المعلم. يولع السيد إذن وكتابه وقراراته وملاحظاته. ولنمنح قلوبنا قليل من الفرح والبهجة. وصباح الأحد ليس ببعيد.

(5)
"تعرف تعد لغاية كام؟".. سألني المعلم. فجذبت نفساً من سيجاري ونظرت له أخبره أني "مش هرد". يعلم المعلم أن لساني ينعقد أمامه. وأن كلامه أهم من أن يقاطعه عامل بدين مثلي.

كنا نجلس على المقهى صباح السبت. وهو يوم عطلة. حدثته عن قرارات السيد. وكان على علم بها. وسألني سؤاله عن العد. ثم أضاف "أنت عارف السيد بيوفر لي كام في الشهر بقراراته دي؟". ثم قال رقماً كبيراً.. أكبر من أن أستوعبه. ثم سحب عدة أنفاس متتالية من سيجارته. وقال كلاماً كثيراً مفاده النهائي أن علي أن أنصرف مبكراً من مكان جلوسنا. فالسيد على وشك الوصول. ويفضل ألا يراني. كما أن علي أن أنام مبكراً بعد أن أجهز فأسي لأن "الحفر الفردي" سيبدأ في الصباح.

بمرور الأسبوع الأول حدث التالي. توقفت عن التدخين. وصرت أنام مبكراً ففقدت سهرات المعلم. وتم تسريح عشرة من العمال. وبناء كشك خشبي للسيد وحصل على لقب مدير الموقع. ازداد شكل قطع الحجارة سوءاً، لكن المعلم. الذي كان يحفر بالماكينة وحده. كان سعيداً أكثر، وقد حاولت الإستمرار أكثر لرؤيته أكثر سعادة.

صوت الماكينة كان أهدأ. ولأول مرة. سيعلو صوتنا على صوتها.

بنهاية يوم الخميس. أدركت أن طموحي القديم بدأ يؤلمني. وأني لست سجيناً كي أحفر بهذه الطريقة. وسمعت تغير في صوت محرك ماكينة المعلم. وتداخلت الأصوات والصور في رأسي. سقطت على الأرض. وكان السيد قد أوقف التعامل مع شركة التأمين الصحي توفيراً للنفقات. وسيكتشف المعلم. أن ما حدث مع شركة التأمين جرى مع ورشة صيانة الماكينة.

(6)

في سحور رمضاني يسألني عامل سابق. لماذا توقفت عن الحفر؟ فأجيبه بأني لم أخلق لأحفر بهذه الطريقة. وأني فقدت متعتي. يقول، ولماذا توقف المعلم رغم أن لديه ماكينته. أخبره أن الماكينة كانت تأنس لوجودنا على ظهرها. وأن محركها كان ضعيفاً وكان حملنا الثقيل يمنعه من التوقف. وأن المعلم نفسه أخبرني ذات مرة. حين اعترضت على تفاهة دوري. بعيب خطير في المحرك يجعل لوقوفي في مكاني وأنا البدين الثقيل أهمية خاصة.

أفتح علبة الزبادي وأفرغ ما بها من مياة في طبق مجاور. ثم أضيف "كنا نعمل معه.. فأصبحنا نعمل لديه.. لم يفهم أن حبنا له.. هو ما جعلنا نحتمل"..

ينظر زميلي في ساعته ويتأكد من أن الوقت لازال مبكراً قبل آذان الفجر. ويسأل : أخبار ماكينتك الجديدة إيه؟. يعلم أني اشتريت واحدة وأقودها بنفسي.

أخلع نظارتي. أفرك عيوني من التعب. أجذب شعرة بيضاء ظهرت بين خصلات شعري. أقول "لسه بدري على ما أكون معلم.. المعلم معلم يا صديقي"..

كان الفجر قد أذن. وافترقنا أنا والعامل السابق صديقي. مررت على الجبل قبل الذهاب للمنزل. لمست ماكينة الحفر القديمة. صعدت وجلست مكان وقوفي القديم.. مسحت الزجاج الخلفي.. بكيت. وأخبرتها بسري الخاص..

"المعلم وحشني قوي".

(7)

توقف الحفر.

فجلسنا جميعاً نحافظ على البيئة.

الأحد، أغسطس 30، 2009

عما جرى فـ "وسط البلد".


(1)

في الأيام المنطقية. تلك التي انقرضت، فلم نعد نحيا بها ولا تحيا بنا. كانوا الذين هداهم الرب يسكنون بيوته، يصلون، يؤلفون أدعية جديدة، من بينها أن ينزل الله الهداية على القوم المفسدين، الذين حرموا أنفسهم من متعة الإلتزام.

خارج بيوت الله. كانوا الآخرين. الفاسدين الذين يعلمون بينهم وبين أنفسهم أن الله موجود بالفعل، وأن الإلتزام جميل "أوي"، وأن الصياعة مكروهة في معظم الأحوال. يمارسون فسادهم دون توقف، وإن كانوا على علم أيضاً، أن إخوة لهم في الإنسانية. يسكنون بيوت الله، يدعون لهم بالهداية..

لكن فاسد ابن فاسد وقف ذات ليلة في مقهى البورصة، وقال : "إنهم يدعون للمفسدين.. ونحن لسنا كذلك.. نحن فاسدين فقط، فسادنا يسكن داخلنا، فلا ندعو له، ولا نبشر به.. لماذا نكرههم إذن؟".

في الوقت ذاته، وقف واحد من أبناء الرب، في مسجد بجوار ساقية الصاوي، وأمسك المنبر بيمينه، وفي يساره الجدول الشهري للساقية (يونيو 2004). وقال : "يا إخواني.. إن الله أمرنا أن نشيع الحب بين الناس كافة، الفاسدين ليسوا مفسدين.. يلا نلعب سوا".

(2)

على غير المعتاد، وفي ليلة صيفية اشتبك فيها الحر مع المطر والبرق، خرجت الدعوة الجديدة، وتعالت في وسط البلد أصوات أجراس الكنائس تتشابك مع صوت إمام يصلي العشاء بمسجد قريب من البورصة، يتلو بصوت ناعم.. "قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا".. فيما شدت فرقة الورشة في حفل لها بالـ"تاون هاوس" تزامن مع الصلاة والأجراس "البحر زعلان مبيضحكش.. أصل الحكاية متضحكش"..


ويقال. أن الساوند سيستم في الـ"تاون هاوس" كان جيداً في تلك الليلة، بحيث تجاوز صوت الغناء مقهى التكعيبة وشارع شامبليون مروراً بميدان طلعت حرب وتمثاله، فمكتبة الشروق ومطعم "القزاز"، فممر البورصة، والمسجد في آخره.. بحيث قرر بعض الإخوة الخروج بعد الصلاة، والتوجه إلى "التاون"، لقضاء السهرة.

بحسب الشهود، فإن ما جرى ليلتها يعتبر المرة الأولى التي يحدث فيها اختراق بين الجانبين، ودارت إشاعات، أن السهرة امتدت للفجر، حتى أن بعض الإخوة فاتتهم الصلاة، في حين شوهد راقص من فرقة الورشة يصلي في خلفية المسرح.

صار بعضهم أصدقاء لبعض. الكل يسهر في وسط البلد. لأسباب أو لأخرى. العمل السياسي لا يزال مسموحاً، والليل يطوي من الأسرار ما يطوي، أسرار شباب الدعوة القديمة الجديدة، وأسرار عشاق "أفتر إيت".. والفجر في القاهرة، وسط مدينتها بالتحديد، لا يزال ساحراً، بحيث يلتقي الصديقان، فينسى كلاهما أن يسأل الآخر.. "جاي منين كدة؟".

تستمر العلاقات، يتحول بعضها إلى صداقة حقيقية، صلبة، تسمح لكل طرف أن يسحب الآخر في جولة سريعة داخل عالمه، لكن.. العمل السياسي سيصير ممنوعاً، فينغلق عالم أحدهم السري، ويتسع عالم الآخر، ومع سخونة 2005، قرر الطرفان أن.. "مصر يا رأفت". حيث كان أحدهما اسمه رأفت.

و"العمل المشترك سبيل الجميع إلى الخلاص".. كانت هذه الجملة ملخص مقال نشر وقتها في مجلة "البوصلة" التي تعبر عن اليسار الديموقراطي فيما يقرأها شباب الإسلاميين، المقال نقلته جريدة "الدستور" والتي لم يكن أحد يعلم، لأي تيار تنتمي. العدد الأول من الإصدار الثاني ملأت صفحته الأخيرة صورة "جيفارا"، فيما كتب في الصفحة الأولى تحت اسم الجريدة "استعنا ع الشقا بالله".

ويذكر التاريخ أن إخوة جامعة القاهرة اختاروا لعامهم الدراسي شعار "قوم يا مصري". في إشارة إلى أن "خيبر خيبر" لم تعد شعاراً مناسباً، وفي يقين تكون عند البعض منهم، أن القضية تخص "مصر" الآن، وداخل مصر، يوجد كل السهرانين في وسط البلد.. حتى مطلع الفجر.

ويذكر التاريخ، في هامشه، أن افتتاح سلسلة مواقع "يوتيوب" و"فيس بوك" و"بلوجر"، سمح لأبناء وسط البلد غير الأشقاء، بتبادل الأفكار والكتب والموسيقى والأفلام والمقالات والصور. مع العلم، أنه مع مطلع الألفية، كان بعض الإخوة قد تراجعوا عن "تحريم" الأشياء السابقة، وظهرت فتاوى تجيز الفرجة والسمع. وتؤكد أن يوتيوب ليس موقعاً إباحياً. رغم أنه سيصبح كذلك بعد قليل.

(3)

علماء الجغرافيا الإجتماعية، وهو علم يمكن حال اكتشاف القارئ أنه غير موجود، أن يعتبره صار موجوداً منذ اللحظة، هؤلاء، أعلنوا حيرتهم في تصنيف بضعة أماكن.

"سيلانترو" مثلاً، "كوستا" و"بينوس"، "باكري" و"كلومبوس"، "سينابون". ساقية الصاوي ومسرح روابط، التكعيبة والبورصة والـ"خن" و"منه فيه" والندوة الثقافية. مسرح الجنينة، "مكان"، "كونست"، المركز الثقافي الفرنسي، "سيداج". الهناجر، الأوبرا ومركز الإدباع، الأماكن التي نعرف أنها من الممكن أن توضع في ذات القائمة..

هل يمكن وصف "سيلانترو" باعتباره مقهى متحرر يجمع الشباب الحر الليبرالي، الذي يقرأ الإنجليزية، ويعرف "ميلان كونديرا" ويحمل اللاب توب، ويرتدي بناطيلاً ساقطة، ويصاحب فتيات غير محجبة؟.

وهل يمكن اعتبار ساقية الصاوي مسرح للفنون الحرة، التي لا تقومها رقابة، أو تمنعها إدارة؟. وما علاقة مسرح للفنون بـ"طارق سويدان" الداعية الإسلامي الذي يقيم فيه لقاءاً سنوياً مع الشباب. وعلى خطاه يسير مصطفى حسني ومعز مسعود وغيرهم من الدعاة الجدد.

وهل مقاهي وسط البلد مكان يخص الشيوعيين وحدهم؟، على الأقل تلك هي الصورة التي يعرفها البعض، منذ افتتاح قهوة "ريش"، حتى إذاعة فيلم "الكرنك" على روتانا سينما في 2005 أيضاً.

بالطبع حين نذكر "الشيوعيين"، فإننا نقصد الأبناء الشرعيين لوسط البلد إجمالاً. نعلم جميعاً أن "شيوعي" هو الوصف الذي يستحقه كل يساري مصري، بغض النظر عن التيار الذي قرر الإنتماء إليه. فالشعب المصري خلقه أضيق من أن يعرف الفرق بين الناصري والتجمعي. ولنا في "فوزية البرجوازية" عبرة، لمن لم يعتبر حتى الآن.

يمكن أيضاً في 2005، وما حولها من أعوام، التأريخ لميلاد بعض الحركات السياسية غريبة الأطوار. مثلاً بدأ البعض يدعو لمناهضة "العولمة". وتم تدشين "مؤتمر القاهرة" وهو تكتل لمناهضي "الإمبريالية العالمية" و"العنصرية". وسوف يستخدم لاحقاً، للتعبير عن رفض ممارسات النظام ضد الإخوان، وبالتحديد المحاكمات العسكرية 2007.

سيمارس المدونون هواياتهم في مسح كل خط فاصل، وسيصبح وسط البلد بمرور الوقت يشبه علامة مد. تمتد يميناً ويساراً دون أن يعترض أحدهم. وسيمر أحد الأجانب. وكان قد سافر للخارج عشر سنوات ماضية. سيمر صدفة أمام التكعيبة. وسيرى الأخ بجوار الرفيق. والمحجبة تدخن السجائر. وسيفهم وحده أن "مسرح الشارع" صار متسعاً للجميع. وأنها مسرحية جديدة تنتمي لنوعية "الخيال العلمي". وسيبوح لصديقه بأنها "بايخة قوي". صديقه هذا ينتمي لتنظيم "30 فبراير" وسيكون اسمه موجوداً بالطبع في دعوة الإضراب على الفيس بوك إبريل 2007.

بعض الأجانب صاروا يقابلون شباب الملتزمين في المركز الثقافي البريطاني. وسيسافر بعضهم لتركيا وفرنسا والدنمارك وألمانيا. وسيظهر "ملتقى الشباب العربي" وستطبع الدستور صورة حسن نصر الله في بوستر منفصل لدعم المقاومة اللبنانية. في حرب تموز 2006.

يلتقي المدونون في إفطار جماعي كل رمضان. ويعتبر البعض الإفطار دليل على أن الكل صائم، ويسجد أبناء الرب شكراً. على استجابة الدعاء القديم.

وستكون هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها علماء "جغرافيا المكان" عن "العولمة".
(4)

أمر في وسط البلد. فأجهل المكان. أتوه. وأنا العالم بمواطن جغرافيتها القديمة.
أتجاوز التكعيبة. وأخشى مقابلة أحدهم.
أجلس في ركن ضيق بمقهى مهجور. وأطلب من صديقة مخلصة أن تروي لي حكايات وسط البلد. وأكتفي بمراقبة الموقف من الخارج.
فلم أعد أعرف. إلى أين يجب أن ننتمي؟
"العيال الأخلاقية" في كل مكان.