صورة بعد الثلاثين
إذن، يمكن أن تعبر هذه الصورة عما أتخيله لنفسي بعد الثلاثين.
مفرط في البدانة، أسير بمساعدة عكاز رفيع، يكاد يفقد القدرة على صلب طوله نتيجة الضغط عليه..
أعيش في مدينة أوربية باردة، وحيداً، متعتي الأساسية تتلخص في شراء الوجبات السريعة وقضاء نصف النهار بين طرقات الهايبر ماركت.
أشعر بالبرد، أفقد القدرة على الإهتمام بملابسي، وألجأ لترزي متخصص في ملابس البدناء.. أفقد الاهتمام بالآخرين، الذين سيفقدون هم – بمرور الوقت – اهتمامهم بي.
لا أملك تليفون، ولا لاب توب، تنعدم علاقتي بالأشياء التي شكلت – لفترة طويلة – علاقاتي الأساسية بالعالم.
أبحث عن أصدقاء جدد، في الكنائس المهجورة، ومساجد الجالية الإسلامية، والمراكز الثقافية، والمسارح، والسينمات المتخصصة في عرض الأفلام الكلاسكية.
أبحث عن أشخاص مثلي، قضوا العقود الأولى من حياتهم يفعلون أشياء مميزة – أو هكذا قيل لهم – حتى إذا ما انتهى التميز، جلسوا قليلاً، ونظروا إلى ما فعلوا، فأدركوا أنه لم يكن ما تمنوه تماماً، فقرروا الرحيل.
نقرر الجلوس لسماع الموسيقى، سأصبح وقتها قادراً على امتلاك حس موسيقى خاص، سأصبح متذوقاً للفنون، للجمال، سأضيع ساعة كاملة من نهار السبت أمام لوحة فنان تشكيلي لا يزال يضع فيها اللمسات الأخيرة فيما يجلس وحيداً على الرصيف بانتظار حسنة.. لن أعطيه شيئاً، فقد أصبحت قادراً على فهم أن الفن لا يصنع لأجل مقابل من الآخرين، وأن المجتمع يساعد الفنان حين يحتقر أعماله بقوة، فيصنع هذا الفنان أعمالاً خالدة، يعرفها الناس فور رحيله.
سأتحدث مع أصدقائي بعدة لغات، سأتحدث عن القضايا الكبرى، سأقول وجهة نظر عميقة في نتائج انتخابات الدول الأخرى، وسأتحدث عن الأحوال في مصر وأقول أنه ربما لا يزال الوقت مبكراً للتغيير.
سأعرف أصدقاء آخريين عن طريق البريد، أرسل لهم أخباري، ويرسلون لي بطاقات بريدية ملونة، سنتحدث عن الحب، والجنس، والسياسة والدين، والأيام القديمة التي عشناها ولم نستمتع بها.
سأستمتع بكوني غير مزعج لأي أحد، مجرد بدين عربي في مدينة أوربية صغيرة.. لا يشرب الخمر، لا يقود السيارة بسرعة – فهو لا يملك واحدة، لا يملك وجهة نظر تجاه حكومة البلد التي يعيش فيها، ولا حكومة البلد التي أتى منها يوماً.
........
سأتصل بزوجتي السابقة من كابينة الهاتف بجوار المنزل، سأسمع صوت أبنائي مرة كل أسبوع، في ميعاد ثابت، ولمدة محددة، سأعرف أنهم لا زالوا قادرين عن العيش بدوني لعام آخر، أشكرهم على ذلك، ونتبادل جميعاً الأمنيات الطيبة.
ستخبرني زوجتي – السابقة التي اختارت ألا تتزوج بعدي – أن الأولاد يرغبون في زيارتي الصيف القادم، أقول أنها فكرة غير جيدة، فالأجواء متقلبة، كما أن المدينة هنا خالية من أي أشياء قادرة على صنع البهجة لأطفال لم يتجاوز أكبرهم العاشرة.
سأجعل عنواني معروفاً لعدد قليل من أصدقاء العشرينات، سيزورني بعضهم حين يمرون على المدينة الأوربية التي أسكنها، ستظهر شفقتهم حيال الوضع الذي اخترته لنفسي، سأضحك، وأدخن السجائر معهم، ثم أودعهم عند الباب بأمنيات طيبة، سيسألون عما إذا كنت أحتاج لأي شيء، سأجيب بأني سمعت عن بضعة كتب جديدة في القاهرة، وأحتاج إلى نسخ منها، سيخرج أحدهم ورقة، يكتب أسماء الكتب، ويعدني بارسالها.. وسأندهش بشدة بعد ذلك لأن الكتب ستصلني فعلاً.
سأخبر الجميع أنني قررت كتابة رواية، سيساعدني أحدهم ويجعل مدير أحد المكتبات يحدثني بخصوص نشرها، أقول له أنني لا زلت أحتاج إلى الكثير من الوقت حتى أنتهي من الكتابة، يقول أنه سيعاود الإتصال بي بعد شهر، لكنه لا يفعل.
....
إذن، يمكن أن تعبر هذه الصورة عن حالي بعد سبع سنوات، إذن.. يمكن أن أصبح سعيداً الآن، فلا زلت أملك بعض الوقت، كما أن النهاية غير مزعجة على الإطلاق.
مفرط في البدانة، أسير بمساعدة عكاز رفيع، يكاد يفقد القدرة على صلب طوله نتيجة الضغط عليه..
أعيش في مدينة أوربية باردة، وحيداً، متعتي الأساسية تتلخص في شراء الوجبات السريعة وقضاء نصف النهار بين طرقات الهايبر ماركت.
أشعر بالبرد، أفقد القدرة على الإهتمام بملابسي، وألجأ لترزي متخصص في ملابس البدناء.. أفقد الاهتمام بالآخرين، الذين سيفقدون هم – بمرور الوقت – اهتمامهم بي.
لا أملك تليفون، ولا لاب توب، تنعدم علاقتي بالأشياء التي شكلت – لفترة طويلة – علاقاتي الأساسية بالعالم.
أبحث عن أصدقاء جدد، في الكنائس المهجورة، ومساجد الجالية الإسلامية، والمراكز الثقافية، والمسارح، والسينمات المتخصصة في عرض الأفلام الكلاسكية.
أبحث عن أشخاص مثلي، قضوا العقود الأولى من حياتهم يفعلون أشياء مميزة – أو هكذا قيل لهم – حتى إذا ما انتهى التميز، جلسوا قليلاً، ونظروا إلى ما فعلوا، فأدركوا أنه لم يكن ما تمنوه تماماً، فقرروا الرحيل.
نقرر الجلوس لسماع الموسيقى، سأصبح وقتها قادراً على امتلاك حس موسيقى خاص، سأصبح متذوقاً للفنون، للجمال، سأضيع ساعة كاملة من نهار السبت أمام لوحة فنان تشكيلي لا يزال يضع فيها اللمسات الأخيرة فيما يجلس وحيداً على الرصيف بانتظار حسنة.. لن أعطيه شيئاً، فقد أصبحت قادراً على فهم أن الفن لا يصنع لأجل مقابل من الآخرين، وأن المجتمع يساعد الفنان حين يحتقر أعماله بقوة، فيصنع هذا الفنان أعمالاً خالدة، يعرفها الناس فور رحيله.
سأتحدث مع أصدقائي بعدة لغات، سأتحدث عن القضايا الكبرى، سأقول وجهة نظر عميقة في نتائج انتخابات الدول الأخرى، وسأتحدث عن الأحوال في مصر وأقول أنه ربما لا يزال الوقت مبكراً للتغيير.
سأعرف أصدقاء آخريين عن طريق البريد، أرسل لهم أخباري، ويرسلون لي بطاقات بريدية ملونة، سنتحدث عن الحب، والجنس، والسياسة والدين، والأيام القديمة التي عشناها ولم نستمتع بها.
سأستمتع بكوني غير مزعج لأي أحد، مجرد بدين عربي في مدينة أوربية صغيرة.. لا يشرب الخمر، لا يقود السيارة بسرعة – فهو لا يملك واحدة، لا يملك وجهة نظر تجاه حكومة البلد التي يعيش فيها، ولا حكومة البلد التي أتى منها يوماً.
........
سأتصل بزوجتي السابقة من كابينة الهاتف بجوار المنزل، سأسمع صوت أبنائي مرة كل أسبوع، في ميعاد ثابت، ولمدة محددة، سأعرف أنهم لا زالوا قادرين عن العيش بدوني لعام آخر، أشكرهم على ذلك، ونتبادل جميعاً الأمنيات الطيبة.
ستخبرني زوجتي – السابقة التي اختارت ألا تتزوج بعدي – أن الأولاد يرغبون في زيارتي الصيف القادم، أقول أنها فكرة غير جيدة، فالأجواء متقلبة، كما أن المدينة هنا خالية من أي أشياء قادرة على صنع البهجة لأطفال لم يتجاوز أكبرهم العاشرة.
سأجعل عنواني معروفاً لعدد قليل من أصدقاء العشرينات، سيزورني بعضهم حين يمرون على المدينة الأوربية التي أسكنها، ستظهر شفقتهم حيال الوضع الذي اخترته لنفسي، سأضحك، وأدخن السجائر معهم، ثم أودعهم عند الباب بأمنيات طيبة، سيسألون عما إذا كنت أحتاج لأي شيء، سأجيب بأني سمعت عن بضعة كتب جديدة في القاهرة، وأحتاج إلى نسخ منها، سيخرج أحدهم ورقة، يكتب أسماء الكتب، ويعدني بارسالها.. وسأندهش بشدة بعد ذلك لأن الكتب ستصلني فعلاً.
سأخبر الجميع أنني قررت كتابة رواية، سيساعدني أحدهم ويجعل مدير أحد المكتبات يحدثني بخصوص نشرها، أقول له أنني لا زلت أحتاج إلى الكثير من الوقت حتى أنتهي من الكتابة، يقول أنه سيعاود الإتصال بي بعد شهر، لكنه لا يفعل.
....
إذن، يمكن أن تعبر هذه الصورة عن حالي بعد سبع سنوات، إذن.. يمكن أن أصبح سعيداً الآن، فلا زلت أملك بعض الوقت، كما أن النهاية غير مزعجة على الإطلاق.




