‏إظهار الرسائل ذات التسميات ملاحظات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ملاحظات. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، أغسطس 18، 2009

هموم الحياة

لا شيء يكتب على الفيس بوك. لا جديد. فقدت كل الجمل قدرتها على الإبهار. ومعظم الإفيهات باتت قديمة مملة. كإفيهات "صعيدي في الجامعة الأمريكية" أو اسوأ قليلاً.

سيكون من المفيد إنشاء موقع أو خدمة. ترسل لزبائن الفيس بوك كل يوم جملة جديدة تصلح لوضعها مكان السؤال الذي يطرح نفسه عليك مع كل "ريفرش"... "What is on your mind?".

ثم أن الإنترنت بطيء. يومين ثلاثة لتنزيل فيلم جديد. وساعة لضرب ألبوم موسيقى لفرقة تونسية. كيف تستقيم الحياة مع الإنترنت البطيء. وأي "ADSL" هذا الذي لا يـ"AD" ولا يـ"SL" من جوع أو داونلود.

ربما سرعة خطك بطيئة عن باقي خطوط البشر. تذهب إلى سيلانترو.. جنة الله في كافيهات الأرض. تجلس. تفتح اللاب توب. تحاول أن "تدلف" إلى الإنترنت بسهولة وليونة. فتكتشف أن تحالف موبينيل وإتصالات وسيلانترو يقف أمامك. اطلب كارت. ادخل على الموقع. سجل. انتظر تفعيل الخدمة. ثم تصل للإنترنت بعد نصف ساعة لتكتشف أنك قد نسيت ما كنت تريده أساساً من الإنترنت وصفحاته.. فتغمغم في آداء كوميدي "يقطع النت ع اللي بينتتتوا عليه".. فتتذكر "طير أنت".. وتذكر نفسك بمأساة أخرى.. الأفلام الجيدة في تناقص.. ودخول أفلام مثل "العالمي" مغامرة غير مأمونة.

وعلى ذكر سيلانترو. هل ذهبت إلى هناك مؤخراً. هل لاحظت ضياع كل المميزات. هل اكتشفت أن الأسعار أصبحت مستفزة. وأن ابتسامة العاملين انطفأت. وأن ورقة الحساب أصبحت تأتي دون أن تطلبها. وأن الإسبرسو التي طلبتها منذ ربع ساعة جاءتك باردة. وأن تي شيرت مقدمها لم تغسل منذ أسبوع. أين راح سيلانترو الجميل. كيف يمكن أن تستمر الحياة بدونه؟. أين أشرب الـ"شيري كولا" بعد اليوم؟.

الكولا.. وما أدراك ما الكولا. على المحور يوجد إعلان عن الـ"سمارت كومبو". وهو عرض جديد من "كوك دور" عبارة عن ساندوتش وسط. وبطاطس وسط. وزجاجة كوكاكولا متوسطة الحجم، رشيقة تكاد تشربها دون أن تفتحها. فإن فتحتها. تكاد تدلقها حتى وأنت تمسكها بشكل مستقيم.

زجاجة الكوكا الجديدة مصممة بخطأ ما. يجعلها تفور بسرعة فور أن تفتحها. تاركة آثار جريمتك الـ"كوك دورية" في كل مكان. فإن نظفت آثارها. تركت قدر من "التلزيق" هنا وهناك. الحل أن تفتحها برفق. وبعناية فائقة. كأن بها "مية نار" أو "لبن عصفور". وهي طريقة نسبة نجاحها كبيرة. لكن توقع قدر من الفشل في بعض المرات.

وبذكر الكوكا. دعنا نتحدث عن علب الكولا المتسخة عند الحواف. تغسلها. تنظفها. تجلب منديلاً وتصنع منه طرفاً مدبباً. تدخله بين الحواف وتديره للوصول لأية شوائب متراكمة في الداخل. وتشرب. لكن ستظل أفكارك السوداء تلعب في عقلك.. هل أشرب كولا نقية.. هل نظفت العلبة جيداً.. أم أن أنفلونزا الـ"كانز" ستصيبني.. وسأتحول بمرور الوقت إلى فتاحة بيبسي تالفة.

الكانز يجعلني أفكر في إعلان كبير على المحور. به ثلاثة علب كانز كبيرة مجسمة تدور طوال الوقت. أحفظ شكل اللوحة. حين أقف تحتها كل يوم نصف ساعة على الأقل. في سيارة بدون تكييف.. في المرة التي قررت فيها الكشف على تكييف السيارة.. أدخل الفني مفك كبير في أحشاء الموتور.. سمعت صوت هواء يندفع للخارج.. انتظر قليلاً حتى هدأ الصوت تماماً.. وقال "باشا.. العربية كدة مفيهاش فريون.. لازم تتشحن.. هنعوز 130 جنيه"..

وبذكر المحور والكولا معاً. تجدر الإشارة إلى برنامج "عيش صباحك مع كوكا كولا".. وهو فقرة إعلانية تبدأ في الثامنة.. وتنتهي في العاشرة. وهو برنامج مميز.. حيث تذاع تنويهات عنه طول اليوم على نجوم إف أم.. وفي التنويه تسمع المذيع يستيقظ في الخامسة صباحاً مكرهاً كي يصل للإذاعة في الموعد.. تسأل نفسك كل صباح.. ولماذا كل هذا العناء.. مذيع ومذيعة يستيقظان في الخامسة فقط لقول خمس أو ست جمل بين 250 إعلان متتتاليين. أي ظلم هذا.

تسأل نفسك. ما الذي يمكن تقديمه لدولة مثل مصر لتجيز عدد أكبر من إذاعات الترفيه على الراديو؟. ولأي مدة سيستمر أسرنا في نجوم إف أم. الجميلة الرائعة المتنوعة.. بالإعلانات وبرامج الرعاية.

أنزل من المحور. ميدان لبنان. أمرق سريعاً من الإشارة الأولى في شارع لبنان. هي أغبى إشارة في مصر بشهادة كل من وقفوا يوماً بها. أربعة عساكر وضابط.. دون أي سيطرة. انتهز فرصة فتح الإشارة للجري. لو قرر الضابط سؤالي عن رخصي. فسيقع على الأرض من الضحك.. رخصتي انتهت من عام.. وسحبت منذ تسعة أشهر.. ولم أجددها.. سيصنعون لي تمثالاُ في إدارة مرور شبرا.

في المسافة من شارع لبنان للمكتب. أقلب في شرائطي وأبحث عن شيء جدير بالإستماع.. وسط البلد.. الليلة الكبيرة.. أنغام.. فضل شاكر.. شيرين.. عبد الفتاح الجريني.. حفظت كل الأغاني والألحان.. اليوم أرسلت لعمرو عزت.. وهو شخص تدور حوله بعض الإشاعات والأقاويل.. مفادها أنه على إطلاع بجديد الموسيقى وحديثها.. أرسلت أرجوه.. "والنبي يا عمرو باشا.. أبوس إيد كل مواطن أمبابي.. تراكين مزيكا محترمين اسمعهم لحسن أنا وداني هتتسد من التكرار".. جاء رد عمرو الكريم بقائمة طويلة من الروابط التي حال تنزيل ما بها من ملفات، يمكن الوصول لموسيقى جيدة.. أجرب الضغط. وأعود لأكتشف أن سرعة الإنترنت ستجعلني أسمع أول أغنية بعد أسبوع.

وبذكر إمبابة.. لنتحدث عن البرنس. أجمل مطاعم الكبدة في العالم. وواحد من أفضل الأماكن التي يمكن أن تأكل منها وفيها. لكنك تذكر وأنت تأكل هناك.. أن أفضل المطاعم في مصر عشرة أو عشرين.. تكتشفها في عام. وتستمتع بها عام ثاني.. وتنتهي الحكاية. لتكتشف أن الطعم المدهش اختفى. وأنك عرفت الأماكن المميزة وحفظتها وأنه لا جديد فوق ترابيزة الأكل. فيتساوى كوك دور مع سبكترا وسمسمة مع أبو شعراوي والبرنس مع بلبع وإلخ.

تكتشف، بمرور الوقت، وبانتهاءك من كتابة الصفحتين السابقتين. أنك تافه أكثر مما ينبغي. فهموم حياتك أبسط من أن تكتب. لكنك في الوقت نفسه، تؤمن بها، وتتألم لها. وتنظر لهؤلاء الذين يتحدثون عن همومهم المعتادة. الفقر والمرض والفساد، باعتبارها "هموم حقيقية"، بأنهم أشخاص مدعين في مجملهم. وأن الهم الحقيقي. هو الذي يمنع صاحبه من "عيش اللحظة". ما الذي يمكن أن أستفيده بديموقراطية حقيقية في مصر، وأنا لا زلت أبحث عن جملة جديدة أضعها على الفيس بوك؟.

الثلاثاء، أبريل 21، 2009

حركات متناظرة متواترة

قبل القراءة : السطور القادمة ليست من تأليفي، والتعليق الذي يخصني يوجد في النهاية.

.......

أقام عزت القمحاوي روايته الجديدة "الحارس" على ثلاث أفكار لامعة.

أولها فكرة القامع / المقموع، ذلك أن الرواية العربية تعاملت، غالباً، مع شخصية القامع، دون أن تلمس، إلا نادراً، القمع الداخلي الذي يقع عليه.

وثانيها: الكيان السلطوي المتكلس، الذي تترجمه جملة حركات متناظرة متواترة، تجعل منه كياناً ميتاً، حتى لو بدا غير ذلك.

وثالث الأفكار يتجلى في معنى السلطة المستبدة، التي تحتاج الطقوس والإشارات والرموز، قبل أن تحتاج إلى البشر، كما لو كان لباس السلطان هو السلطان.

نسج القمحاوي هذه الأفكار متوسلاً، فنياً، عنصرين : تمايز الملامح الإنسانية قبل الوصول إلى السلطة، وتراجعها إلى حدود التلاشي، بعد الوصول إليها، ذلك أن ملامح الإنسان وحريته لا ينفصلان.

ولعل هذا التلاشي، الذي هو أثر للتكلس ومحصلة له، هو ما يجعل ملامح المستبدين متقاربة، كما لو كانت السلطة تعيد خلق البشر وتعطيهم أسماء جديدة. أما العنصر الثاني فيتكشف في سخرية لاذعة، هي وصف موضوعي للسلطة وتنديد بها في آن.

في رواية "الحارس" يطرح عزت القمحاوي أسئلة الرواية العربية في سياق جديد، يقضي بالبحث عن أشكال فنية مطابقة.

...........

ما سبق يحمل اسم "فيصل دراج"، وهو شخصية مجهولة بالنسبة لي بسبب جهلي وغبائي وقلة ثقافتي وضيق افقي وكسلي في الإطلاع، وقد كتبت تلك السطور بلون أسود، على خلفية صفراء فاقع لونها لا تسر الناظرين، هي ظهر غلاف رواية تحمل اسم "الحارس" لمؤلفها الذي يظهر اسمه بين السطور "عزت القمحاوي" وهو أديب وصحفي مصري بجريدة أخبار الأدب وله عدد من مقالات الرأي المنشورة في جرائد مصرية وعربية. وله شعبية وجمهور يحترم ما يكتبه، ولعلي واحد منهم.

الرواية من إصدار دار "العين" التي سأكون ممنوناً لأي شخص يذكر لي أهمية وجودها، وما خرج منها من مطبوعات يمكن أن يقرأها قارئ عادي مثلي.

وقد لفتت سطور "دراج" نظري لسببين، الأول أن الكتاب ذاته هو واحد من ثلاث كتب، وضعت دون قصد في دولاب خشبي صغير، لم نجد له مكان في شقتنا فاستقر به الحال – بناء على رغبتي التي أقنعت بها زوجتي – في الحمام بجوار المكان المخصص للجلوس.

ودون إرادتي تمتد يدي كل مرة أجلس فيها لقراءة أي شيء، ولأني أعرف أن جلستي قصيرة، لا تكفي لقراءة فصل من رواية أو مقال كامل في جريدة، فقد ركزت على الكتابات القصيرة، وكانت سطور "دراج" واحدة منها.

أما السبب الثاني، فهو أسلوب الكاتب من ناحية، وتراكيبه من ناحية أخرى. فقط سأقول أني لم أفهم كلمة واحدة مما قرأت. وأني سأمتنع عن قراءة الرواية كنوع من الإحتجاج على ما وجدت في خلفيتها.

الأحد، أبريل 12، 2009

بعبعة.



السطور القادمة رسالة من قارئ مسيحي بمناسبة "أسبوع الآلام"، وقد رأيت نشرها هنا، بعد التأكيد على أن ما بها من آراء تخص المرسل وحده، وأن الأمثلة المذكورة لا علم لي بها على الإطلاق، وقد تدخلت بحذف اسمه ووضع اسمي حفاظاً على سرية شخصيته، وتضحية بحياتي الغالية.. وسيصبح من الصعب تفسير الموقف لزوجتي حال إصرار البعض منكم على التعليق بآراء إنفعالية تنتمي لنوعية البعبعة.

..............

يلفت نظري أن "الزواج" في المسيحية يوصف بكونه"سر" من أسرار الكنيسة السبعة.

لا أفهم المعنى على التحديد، لكن تبقى لفظة "سر" مناسبة أكثر من أي وصف آخر للصلة التي تنشأ بين رجل وإمرأة تجعلهما يسكنان بيتاً واحداً، ويتشاطران سريراً ضيقاً، وينجبان أطفالاً عدة، ويواجهان المجتمع كثنائي، رغم أن كلاً منهما فشل في المواجهة منفرداً، ورغم أنهما يدركان – بمرور الأيام – فشلهما الأكبر في مواجهة بعضهما.. أو حتى أنفسهما.

وقد تكونت لدي، بالتجربة، والملاحظة، عدة أفكار أساسية، تتعلق بالسر. يمكن تدوينها هنا، والإضافة عليها أو الحذف، بحسب ما يرى أصحاب التجارب والملاحظات الأخرى.

لاحظت، على سبيل المثال، أن الزوجات في العالم، لديهم شكاوى متشابهة، واحدة منهن تتعلق بالطريقة والتوقيت والأسلوب الذي يستيقظ به الرجل.

ترى المرأة في نفسها – بطريقة أو بأخرى – أنها "منبه" لزوجها، في حياته وبعد مماته ولأولاده من بعده وما بقي من ذريته إلى يوم الدين.. وأبسط واجبات التنبيه هي إيقاظه بالأساليب المتعارف عليها، واحد منها هو النداء باسمه بصوت مرتفع من الغرفة المجاورة أو الحمام أو المطبخ، وبالطريقة ذاتها التي يكره الرجل أن يناديه أحدهم بها، بنفس أسلوب اختصار المسافات الفاصلة بين الحروف في اسمه، فإن كان تعيس الحظ يحمل اسم "براء"، يتحول إلى "راء"، أو "آء"، أو "ءءءءءء".

والنداء يكون متكرر لعدد لا نهائي من المرات، لكن بدرجات متفاوتة من قوة الصوت والدلالات والإشارات التي تحملها الطريقة المختصرة للحروف، ولأن النداء المنتظم الرتيب لا يوقظ نائماً، تكسر الزوجة اللحن بعد فترة، وتفاجئه بالنداء مرتين متتاليتين، أو مرة واحدة بصوت عالي، أو ثلاث مرات ملحقات بجمل تعبيرية مثل "حرام بقى أنا زهقت"، "قوم يا شيخ قامت قيامتك"، أو "فز قوم عشان الشغل خلينا نلاقي ناكل آخر الشهر"، أو "خمس دقايق ونازلة وهاخد العربية".. وإلخ.

الزوجة، تشبه قائد معسكر الكشافة، تنام بعد أن ينام الجميع، وتستيقظ قبلهم، وسط حيرة باقي أفراد المعسكر، وسؤالهم عن القدرة الخارقة للقائد الذي لا يراه أحد نائماً.

جربت مرة الإحساس، وفعلت ما يتوجب على قائد أن يفعل، وفهمت، أن "متعة القيادة"، تمنح القائد شعوراً بالراحة، والسكينة والهدوء، ما يجعله قادر على فعل العجائب، التي يستغرب لأمرها "الرعية" البسطاء.

وجربت كقائد، أن أراقب للحظات، مظهر الرجال نائمين، وشعرت تجاههم بعدوانية شديدة، لعل أحد أسبابها رغبتي في النوم مثلهم، أو اقتناعي بأنهم مجموعة من الكسالى عديمي الفائدة، وقد ظهرت عدوانيتي فور استيقاظهم، وكذلك تفعل الزوجات.. حين تختار أسوأ الأخبار، لإعلانها، أو التذكير بأغبى ما في اليوم من إلتزامات، بحيث يشعر الزوج بأنه يكذب حين يتلو دعاء الصباح "الحمد لله الذي أحيانا بعد أن أماتنا"، وإن كان وحده الله يحمد على المكروهات.

لكن ما هو أهم وأخطر، أنني جربت كزوج، أن استيقظ قبل زوجتي، وكنت أمر بوعكة صحية جعلتني ألازم السرير أياماً، ومنحتني القدرة على الإستيقاظ في أي وقت فقد نمت ما لم أنمه في حياتي من قبل، ورأيت زوجتي تنام إلى جواري في سكينة وهدوء، وتبدو مرهقة – بحق – من أعمال المنزل وعملها الخاص وأمور الطفلة الصغيرة، تنام كما ينام عامل أدى واجباته كلها، ويتنظر المزيد من الواجبات في الصباح، نظرت طويلاً لزوجتي، ولم أشعر بأي عدوانية، لكن انهالت الأسئلة في رأسي وقلبي، الأسئلة المنطقية لرجل يمر بوعكة صحية.. من هذه السيدة؟، وما الذي تفعله إلى جواري؟، ولماذا ترتسم تلك المشاعر الغاضبة على وجهها؟، وإن كانت زوجتي حقاً، فلماذا تزوجتها؟، وكيف؟، وأين؟، ومتى؟، وما هي الأسباب والدوافع؟، وهل كنت عاقلاً بما يكفي؟، ناضجاً بما يكفي؟، غبياً بما يكفي؟..

أدركت، بعد دقائق، أن الأسئلة السابقة كلها بلا إجابة، الأمر الوحيد الذي علمته، أن استيقاظ الزوجة أولاً أمر جميل ورائع، وأن الإعتراض على الأسلوب رفاهية لا داعي لهاولا مبرر.

لنترك الإستيقاظ جانباً، ونلاحظ أمراً آخر. رجال الكوكب الحمقى، يرون بطريقة أو بأخرى، أن مناداة الزوجة بكلمة "ماما" أمر جميل لطيف محبب لقلب الزوجة.

كنت أزور مصدراً مهماً الأسبوع الماضي، رجل في السبعين، ودخلت سيدة تماثله في العمر، قدمها لنا، "المدام"، ثم شرع يناديها "ماما.. تعرفي بابا إتدفن فين"، "ماما.. تعلميلنا شاي وحياتك".. وهكذا.. وخرجت وأنا لا إعلم إن كانت السيدة أمه فعلاً، أم أنها "مدام" والده، حيث كانت المقابلة في الأساس بخصوص الأب.. لازلت لا أعرف إجابة.

لكن ما بدأت أفهمه، أننا – رجال الكوكب – نمارس عادة علنية بشعة، نحول زوجاتنا إلى أمهاتنا، وما هن أمهاتنا، إن أمهاتنا إلا اللاتي ولدتنا.. ولأن الزوجة كائن عرف عنه – في الكوكب – الرقة والدقة. ولأن الأمومة شعور غريزي عند كل إمرأة، ولأن الجنة تحت أقدام الأمهات، تصدق الزوجة الفكرة، وتشرع في التنفيذ.

"شيل هدومك بعد ما تقلعها"، "ماتسبش الصابونة في المية عشان ما تبوش"، "عايز تشتري هدوم، بص على دولابك وشوف الأول الهدوم دي، وأنا واثقة إنك هتلاقي هدوم كويسة وإنت ناسيها ومش بتلبسها"، "العربية بتصرف بنزين كتير"، "ليه تدفع اتنين جنيه بقشيش للدليفري، المطعم ده بيحسب جنيه خدمة توصيل"، "إقلع الشبشب قبل ما تدخل ع السجادة"، "إقلع الجزمة قبل ما تدخل من باب الشقة"، "قفلت باب الشقة قبل ما تدخل تنام"، "إفرش الملاية كويس قبل ما تنام، أنا عمري ما شفت حد بيبهدل الملاية كدة وهونايم عليها"، "خد طبقك في إيدك، ويا سلام لو تغسله"، "وطي التليفزيون شوية، إنت ليه بتحب تتفرج وصوته عالي، وبعدين ده فيلم أجنبي يعني بتقرأ الترجمة مش محتاج صوت"، "براحة شوية وإنت سايق"، "قوم صلي"، "تصلي إزاي وأنت مش متوضي"، "لحقت تصلي"، "مين بيكلمك"، "عايزك في إيه"، "إنتوا مش كنتوا لسه مع بعض"، "مفيش نزول، إنت خلاص دخلت البيت والساعة بقت حداشر"، "ما أصل البيت بقى اللوكاندة الخصوصي بتاعتك يا بيه"، "أنا صارفة لحد دلوقتي 600 جنيه في مصروف البيت"، "حسبي الله ونعم الوكيل"، "الفيلم ده شفناه ألف مرة قبل كدة"، "إقلب من على القرف ده".

لكن، إن توقف الرجال عن الإحساس بأنهم أطفال، هل تتوقف النساء عن الإستمرار في كونهن أمهات؟. تعرف أنت الإجابة، إن كنت توقفت، لكني لا أعرفها كوني لم أتوقف.

ما أعرفه، أني تركت بيت أبي وأمي، لأنال الإستقلال، والحرية، وإمكانية صناعة الفرح والتمرد والجموح، واخترت زوجة تشبه أمي، فصارت أمي، وصارت أيضاً عاجزة على فهم خطورة تحول الزوجة إلى أم، وقد أخبرتها، أنها بمرور الأيام ستفقدني، كما تفقد الأم ابنها حين يكبر قليلاً ويخرج عن طوعها إلى طوع "إمرأة أخرى" فقالت.. "عايز تفهمني إنك مضايق من الحياة الرائعة اللي إحنا عايشينها، وإن تضحياتي الكتيرة مش عاملة فرق، بص، إنت بس أكيد عندك مشاكل في الشغل ومحتاج تبعبع شوية، وأنا مش هرد على أي حاجة أنت قلتها وهعتبرها مجرد بعبعة".

هنا تبرز ملاحظتي الثالثة والأهم، قدرتهن على الإختزال والإختصار وإدراك الغيبيات والوصول للسبب الأصلي للمشكلة، وعدم الإكتراث، والتواءم، والمرور بأضيق الممرات، وقتل الأسئلة، تدهشني تلك القدرة. لا تزال تدهشني، بحيث استمر في الإستيقاظ بعد زوجتي، ومنادتها بماما، والبعبعة دون أن أدرك أنه لا جدوى من ذلك على الإطلاق.

.........

انتهت رسالة القارئ، ونحن بدورنا نهنئه بالأعياد، ونعده بتوصيل صوته إلى المسئولين.. المحرر.

الاثنين، أبريل 06، 2009

الدين في يد الجميع.


يمكن تسجيل هذه الملاحظات حول استخدام الدين المفرط هذه الأيام، وهو أمر، يمكن لشخص آخر غيري أن يقول إن كان إيجابياً أو سلبياً.

نهاية الأسبوع الماضي قام عدد من الأهالي في قرية من قرى سوهاج بحرق منازل يسكنها بعض البهائيين، وذلك بعد أن ظهر أحدهم في برنامج الحقيقة على قناة دريم، ومسؤل من الحزب الوطني بالمحافظة يفخر بأنه طرد جميع البهائيين حتى الأطفال الرضع، وكان شباب الإسلام منفذي عمليتي الحرق والطرد، يهتفون بـ"الله أكبر" و"لا إله إلا الله.. البهائي عدو الله" أثناء تنفيذ المهمة الربانية.. ولم ترد أنباء عن إذا ما كانت جموع الملائكة المنزلة من السماء قد ساعدت في عملية الحرق، أو حتى في عملية إطفاء ما تم حرقه.

ثم صباح السبت حكمت المحكمة بالسجن سبع سنوات لزوج، وثلاثة لزوجة، كانا يقومان بتنظيم عمليات تبادل للزوجات، الزوج في العقد السادس من العمر وهو موظف متقاعد، والزوجة مدرسة في العقد الخامس، وهي تظهر في الصورة المنشورة لها بجوار زوجها ترتدي ما بات يعرف في مصر في السنوات الأخيرة بالإسدال، وهو أطول من الخمار وأقصر من الجلباب، ويتم إرتداءه قطعة واحدة، ويشبه الشوال إلى حد كبير ويمكن تخويف الأطفال به، وشكله مقيت، والسطر الأخير رأيي الشخصي الذي لا يعتبر ملاحظة جديرة بالإهتمام.

ومساء السبت كنت أشتري كيس شيبسي لزوجتي وباكو بسكويت لطفلتي، ودخلت إلى السوبر ماركت، ووجدت قناة "الرحمة" مستمرة في البث، وهي القناة التي ترعى السوبر ماركت أو يرعاها هو، هناك علاقة مريبة على كل حال، تربط بين الجهتين.

وعند دخولي المحل كان شخص ما على الشاشة يتلو آيات من القرآن، وكان صوته جميلاً، وأنهى ما كان يتلوه، ودار بينه وبين المذيع حديث طويل، بدأ بأن قال المذيع، "فتح الله عليك"، ثم أضاف "هل يجوز يا شيخ أن أقول لك فتح الله عليك، أم أن الأصح أن أقول فتح الله لك؟".. ورد عليه الشيخ وأستمر الجدل الفقهي الهام، ودفعت أنا ما طلبه البائع، وكان لا يزال متابعاً للمناظرة الفقهية التي ستنقذ الأمة وتقتل الكفار وتعلي راية الإسلام، أخذت الباقي ونظرت في وجهه، وانتظرت حتى يلاحظني وتلتقي أعيننا فقلت "ربنايفتحها في وشك".. وانصرفت.

فجائتني هذا المساء رسالة هاتفية يقول نصها "للتقرب من الله وتحميل أقوى برنامج للأذكار والتسبيح ارسل 110075 لـ9450 = 4 ج". وهو ما يعني أن تكلفة التقرب إلى الله عبر الهاتف أصبحت 4 جنيه مصري، وهو تأثر واضح بالأزمة العالمية التي شاع فيها الكساد، وبارت فيها السلع، حتى رأت جهة ما أن تقوم بالتسويق لفكرة التقرب من المولى القدير، عبر الهاتف بتكلفة أقل من دولار واحد لسكان المحروسة.

والإعلان عن أن الله موجود ويمكن التقرب منه لا يتوقف عند رسائل الموبايل، فالدعوة عالمية بإذن الله، والمؤمن كيس فطن، واطلبوا العلم ولو في الصين وادعوا إلى الله ولو على الفيس بوك، تصلني الرسالة التالية من جروب اسمه "نداء الفجر"، وعنوان الرسالة "هنصلي كل صلاة في وقتها" دون أن يظهر من سيصلي، وما هي علاقة هذا الذي سيصلي بالشخص الذي سيتلقى الرسالة الذي هو أنا.

والرسالة تقول " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بتحب ربنا ؟ وعايز تقرب منه أكتر وأكتر وأكتر ؟

أكيد طبعا

طيب تعرف ايه احب الاعمال لربنا ؟؟

اه طبعا الحج عشان بيغفر الذنوب كلها وبترجع من الحج كما ولدتك امك

اه طبعا الحج زي مانتا بتقول من أحب الأعمال لله ... لكن مش هوه أحب الأعمال لله

اه ... يبقا قصدك بر الوالدين وكده صح ؟

لا يا سيدي برضه

امال ايه بس ؟؟؟؟؟
................

حابب تعرف أحب الأعمال إلي الله والي تقربك منه دايما.. ادخل على اللينك ده"..

وعلى الراديو، إذاعة نجوم إف إم، يوجد شخص اسمه أحمد يونس، يقدم برنامج يستمر لثلاث ساعات متواصلة في منتصف الليل، اسمه "ع القهوة"، وهو برنامج يساهم بشكل فعال في تحسين ثقافتي الإنجليزية كوني أحول المحطة فور ظهور المذيع العجيب، الذي يقضي الليل متحدثاً عن فضل يوم اليتيم وعن الشباب المسلم الذي يجيد تنظيم وقته، ويمارس الرياضة، ويستيقظ مبكراً وينجح بتفوق في الثانوية العامة، دون أن يعطل نفسه بالحب والكلام الفارغ، أو يشغل باله بأمر "كذبة إبريل" التي هي بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، أرشح البرنامج لإذاعة القرآن الكريم، وأرشح لرعايته جريدة "عقيدتي" إن كانت لا تزال مستمرة في الصدور، وأرشح أحمد يونس للبقاء في إذاعة صوتكم على الإنترنت والتي يمكن أن يتم عمل "بلوك" لها عكس إذاعة نجوم إف إم التي ترتكب غلطة عمرها بالسماح للبرنامج بالإستمرار.

وفي المساء المتأخر لاحظت أن عملية شراء السجائر أصبحت تزداد صعوبة، بعد أن قرر أصحاب المحلات الإمتناع عن بيعها لسبب ما، ومقابلة السائل عنها بتكشيرة تلاءم فتوى المفتى بكون شربها حرام وشاربها هيدخل النار، ويمكن هنا لشخص عابث مثلي أن يعقد مقارنة بين رواج سلعة مثل "التقرب من الله"، واختفاء أخرى مثل السجائر، مما يدل على أن راية المؤمنين هي الأعلى، وأن الإسلام سينتصر في النهاية، كما انتصر في البداية على أهل الدين البهائي أبو شرطة بعد أن قررت المحكمة في النهاية أنه يمكن للكافر البهائي وضع شرطة في البطاقة في خانة الديانة.

الدين، على ما يبدو، أصبح في يد الجميع، كما المحمول والساعة والولاعة والحظاظة والدبلة وأشياء أخرى. وتحول إلى سلعة رائجة، لا تعطلها بورصة ولا أزمة، وإن استمر الحال على ما هو عليه، فمن المتوقع أن... مممممم لا أعرف، قلت أني سأتوقف عند الملاحظة، وقد تدخلت ببعض السخرية التي لم استطع أن أمنعها.