هموم الحياة
سيكون من المفيد إنشاء موقع أو خدمة. ترسل لزبائن الفيس بوك كل يوم جملة جديدة تصلح لوضعها مكان السؤال الذي يطرح نفسه عليك مع كل "ريفرش"... "What is on your mind?".
ثم أن الإنترنت بطيء. يومين ثلاثة لتنزيل فيلم جديد. وساعة لضرب ألبوم موسيقى لفرقة تونسية. كيف تستقيم الحياة مع الإنترنت البطيء. وأي "ADSL" هذا الذي لا يـ"AD" ولا يـ"SL" من جوع أو داونلود.
ربما سرعة خطك بطيئة عن باقي خطوط البشر. تذهب إلى سيلانترو.. جنة الله في كافيهات الأرض. تجلس. تفتح اللاب توب. تحاول أن "تدلف" إلى الإنترنت بسهولة وليونة. فتكتشف أن تحالف موبينيل وإتصالات وسيلانترو يقف أمامك. اطلب كارت. ادخل على الموقع. سجل. انتظر تفعيل الخدمة. ثم تصل للإنترنت بعد نصف ساعة لتكتشف أنك قد نسيت ما كنت تريده أساساً من الإنترنت وصفحاته.. فتغمغم في آداء كوميدي "يقطع النت ع اللي بينتتتوا عليه".. فتتذكر "طير أنت".. وتذكر نفسك بمأساة أخرى.. الأفلام الجيدة في تناقص.. ودخول أفلام مثل "العالمي" مغامرة غير مأمونة.
وعلى ذكر سيلانترو. هل ذهبت إلى هناك مؤخراً. هل لاحظت ضياع كل المميزات. هل اكتشفت أن الأسعار أصبحت مستفزة. وأن ابتسامة العاملين انطفأت. وأن ورقة الحساب أصبحت تأتي دون أن تطلبها. وأن الإسبرسو التي طلبتها منذ ربع ساعة جاءتك باردة. وأن تي شيرت مقدمها لم تغسل منذ أسبوع. أين راح سيلانترو الجميل. كيف يمكن أن تستمر الحياة بدونه؟. أين أشرب الـ"شيري كولا" بعد اليوم؟.
الكولا.. وما أدراك ما الكولا. على المحور يوجد إعلان عن الـ"سمارت كومبو". وهو عرض جديد من "كوك دور" عبارة عن ساندوتش وسط. وبطاطس وسط. وزجاجة كوكاكولا متوسطة الحجم، رشيقة تكاد تشربها دون أن تفتحها. فإن فتحتها. تكاد تدلقها حتى وأنت تمسكها بشكل مستقيم.
زجاجة الكوكا الجديدة مصممة بخطأ ما. يجعلها تفور بسرعة فور أن تفتحها. تاركة آثار جريمتك الـ"كوك دورية" في كل مكان. فإن نظفت آثارها. تركت قدر من "التلزيق" هنا وهناك. الحل أن تفتحها برفق. وبعناية فائقة. كأن بها "مية نار" أو "لبن عصفور". وهي طريقة نسبة نجاحها كبيرة. لكن توقع قدر من الفشل في بعض المرات.
وبذكر الكوكا. دعنا نتحدث عن علب الكولا المتسخة عند الحواف. تغسلها. تنظفها. تجلب منديلاً وتصنع منه طرفاً مدبباً. تدخله بين الحواف وتديره للوصول لأية شوائب متراكمة في الداخل. وتشرب. لكن ستظل أفكارك السوداء تلعب في عقلك.. هل أشرب كولا نقية.. هل نظفت العلبة جيداً.. أم أن أنفلونزا الـ"كانز" ستصيبني.. وسأتحول بمرور الوقت إلى فتاحة بيبسي تالفة.
الكانز يجعلني أفكر في إعلان كبير على المحور. به ثلاثة علب كانز كبيرة مجسمة تدور طوال الوقت. أحفظ شكل اللوحة. حين أقف تحتها كل يوم نصف ساعة على الأقل. في سيارة بدون تكييف.. في المرة التي قررت فيها الكشف على تكييف السيارة.. أدخل الفني مفك كبير في أحشاء الموتور.. سمعت صوت هواء يندفع للخارج.. انتظر قليلاً حتى هدأ الصوت تماماً.. وقال "باشا.. العربية كدة مفيهاش فريون.. لازم تتشحن.. هنعوز 130 جنيه"..
وبذكر المحور والكولا معاً. تجدر الإشارة إلى برنامج "عيش صباحك مع كوكا كولا".. وهو فقرة إعلانية تبدأ في الثامنة.. وتنتهي في العاشرة. وهو برنامج مميز.. حيث تذاع تنويهات عنه طول اليوم على نجوم إف أم.. وفي التنويه تسمع المذيع يستيقظ في الخامسة صباحاً مكرهاً كي يصل للإذاعة في الموعد.. تسأل نفسك كل صباح.. ولماذا كل هذا العناء.. مذيع ومذيعة يستيقظان في الخامسة فقط لقول خمس أو ست جمل بين 250 إعلان متتتاليين. أي ظلم هذا.
تسأل نفسك. ما الذي يمكن تقديمه لدولة مثل مصر لتجيز عدد أكبر من إذاعات الترفيه على الراديو؟. ولأي مدة سيستمر أسرنا في نجوم إف أم. الجميلة الرائعة المتنوعة.. بالإعلانات وبرامج الرعاية.
أنزل من المحور. ميدان لبنان. أمرق سريعاً من الإشارة الأولى في شارع لبنان. هي أغبى إشارة في مصر بشهادة كل من وقفوا يوماً بها. أربعة عساكر وضابط.. دون أي سيطرة. انتهز فرصة فتح الإشارة للجري. لو قرر الضابط سؤالي عن رخصي. فسيقع على الأرض من الضحك.. رخصتي انتهت من عام.. وسحبت منذ تسعة أشهر.. ولم أجددها.. سيصنعون لي تمثالاُ في إدارة مرور شبرا.
في المسافة من شارع لبنان للمكتب. أقلب في شرائطي وأبحث عن شيء جدير بالإستماع.. وسط البلد.. الليلة الكبيرة.. أنغام.. فضل شاكر.. شيرين.. عبد الفتاح الجريني.. حفظت كل الأغاني والألحان.. اليوم أرسلت لعمرو عزت.. وهو شخص تدور حوله بعض الإشاعات والأقاويل.. مفادها أنه على إطلاع بجديد الموسيقى وحديثها.. أرسلت أرجوه.. "والنبي يا عمرو باشا.. أبوس إيد كل مواطن أمبابي.. تراكين مزيكا محترمين اسمعهم لحسن أنا وداني هتتسد من التكرار".. جاء رد عمرو الكريم بقائمة طويلة من الروابط التي حال تنزيل ما بها من ملفات، يمكن الوصول لموسيقى جيدة.. أجرب الضغط. وأعود لأكتشف أن سرعة الإنترنت ستجعلني أسمع أول أغنية بعد أسبوع.
وبذكر إمبابة.. لنتحدث عن البرنس. أجمل مطاعم الكبدة في العالم. وواحد من أفضل الأماكن التي يمكن أن تأكل منها وفيها. لكنك تذكر وأنت تأكل هناك.. أن أفضل المطاعم في مصر عشرة أو عشرين.. تكتشفها في عام. وتستمتع بها عام ثاني.. وتنتهي الحكاية. لتكتشف أن الطعم المدهش اختفى. وأنك عرفت الأماكن المميزة وحفظتها وأنه لا جديد فوق ترابيزة الأكل. فيتساوى كوك دور مع سبكترا وسمسمة مع أبو شعراوي والبرنس مع بلبع وإلخ.
تكتشف، بمرور الوقت، وبانتهاءك من كتابة الصفحتين السابقتين. أنك تافه أكثر مما ينبغي. فهموم حياتك أبسط من أن تكتب. لكنك في الوقت نفسه، تؤمن بها، وتتألم لها. وتنظر لهؤلاء الذين يتحدثون عن همومهم المعتادة. الفقر والمرض والفساد، باعتبارها "هموم حقيقية"، بأنهم أشخاص مدعين في مجملهم. وأن الهم الحقيقي. هو الذي يمنع صاحبه من "عيش اللحظة". ما الذي يمكن أن أستفيده بديموقراطية حقيقية في مصر، وأنا لا زلت أبحث عن جملة جديدة أضعها على الفيس بوك؟.

