الخميس، ديسمبر 31، 2009

الوضع!

(1)

"مطاوع، حدثني عن الألفين وتسعة"..

قلتها وكان على وشك الخروج من الحمام. الباب مفتوح، وهو يقف بملابسه التي أتى بها من الشارع.

خلع فردة شرابه ويهم بخلع الأخرى، وسيلقي بها على ما أظن عندما يصل إلى باب الحمام، صانعاً من الشراب كرة قماشية.. ومصوباً تجاه صندوق بلاستيكي أخضر طلبت منه زوجته أن يضع به الملابس المتسخة التي يرغب في دخولها لدورة غسيل جديدة.

لاحظت أنني بمراقبتي له نسيت أن ألتقط حركة عادية يفعلها "مطاوع" كل مساء، فمع كل مرة يخلع فيها شرابه. يمسك الفردتين باهتمام. ويقربهما من أنفه.. ما الذي يتوقع مطاوع أن يجده في رائحة شراب يرتديه من الصباح إلى المساء؟.

لم يمر وقت طويل بين اللحظة التي ألقيت فيها سؤالي، وبين انتهاء "مطاوع" من تشمم رائحة شرابه الأبيض، هو يفضلها بيضاء أياً كان ما يلبسه..

توقعت أن أتلقى رداً.. لكنه أدار وجهه ناحيتي. وكانت يده وشرابه لا تزالا على مقربة من أنفه. وقال "نفسي أعرف ليه بحب أشم ريحة شرابي قبل ما أرميه في الغسيل"..

تجاوز باب الحمام، وضع يده على كتفي وبدأ يشرح نظريته.. قال أن هناك حركات عادية يفعلها بعض البشر دون مبرر. منها شم رائحة الشرابات، والنظر إلى فتحة المرحاض بعد القيام مباشرة وقبل الضغط على زر صندوق الصرف، والنظر باهتمام إلى طرف الصباع الذي خرج لتوه من فتحة الأنف محملاً ببعض المخاط. وتفحص ما خرج من الفم إلى المنديل بعد سعال قوي مصحوب ببلغم، وتأمل طرف الأنبوب البلاستيكي الأزرق الصغير ذو الأطراف القطنية، والذي يستخدم لتنظيف الأذن، والحملقة في المبولة أثناء التبول.. والتأكد من أن النظرة موجهة إلى المبولة، وليس إلى العضو، لا أحد يهتم بالنظر إلى عضوه أثناء التبول بل أثناء الانتصاب فقط.. لكن النظر للمبولة فعلاً أمر غريب..

"ولا إيه رأيك؟".. قالها مطاوع وقد أهمل الإجابة على سؤالي. وكنت على وشك الإصابة بنزلة برد، فعطست.. ووضعت يدي على أنفي.. وفور أن انتهيت.. فتحت كفي.. ونظرت.

(2)

"مطاوع، حدثني عن الألفين وتسعة"..

"حاجة وسخة".. قالها وهو يلقي بهاتفه المحمول على سطح مكتبه. كان واقفاً بجوار الكرسي، دخل الغرفة منذ دقائق، ويبدو أن إضاءة الشمس كانت جيدة بحيث قرر إجراء المكالمة بجوار الشباك.

وضع الهاتف على أذنه، وتابع بنظره حركة السيارات أسفل البناية. بدا وكأنه سينطلق في السباب فور أن يتلقى إجابة من الطرف الآخر. ويبدو أنه كان يتصل بشخص ما سعيد الحظ. بحيث لم يتلقى "مطاوع" أي رد. فألقى هاتفه. وردد "حاجة وسخة".

كانت الوقت الفاصل بين سؤالي وجملته لا يزال قصيراً بحيث توقعت أن أتلقى منه رداً. لكن يبدو أن عدم تلقيه هو على رد في اتصاله أزعجه بحيث تعكر مزاجه وارتسمت علامات الضيق على وجهه ونظر إلي.. أو بشكل أدق نظر إلى المكان الذي أجلس فيه، كانت نظرته واسعة بحيث اعتقدت أنه لا يراني أصلاً.

ثبت نظره لنصف دقيقة. ثم دس يده في درج جانب مكتبه، وأخرج علبة خشبية مستطيلة وطويلة. بها فتحات صغيرة ورسومات إسلامية على شكل مثلثات متداخلة. ويبدو أن أحد جوانبها يفتح باباً.

خمنت أنها علبة لحفظ المجوهرات أو الأقلام الغالية. لكنها كانت مبخرة، دس "مطاوع" يده الأخرى لأسفل لتعود إلى سطح المكتب وبها علبة ورقية كبيرة، صفراء، وعليها رقم 60 بحجم كبير، وكلمة "Lemon" ومليئة بأعواد البخور.. نظر جيداً لأطراف الأعواد، واختار عوداً بعناية. ثبته داخل المبخرة، وتراجع بكرسيه للخلف، بحيث يتمكن من فتح درج سحري في المكان الذي كانت تلتصق به بطنه. أخرج ولاعة صغيرة، وأشعل طرف العود. حمل المبخرة بيده وقربها من وجهه. شعر بسخونة اللهب. ثم قرر القضاء عليه بنفخة واحدة. أغلق باب المبخرة. وضعها جانباً وجلس يتأمل خيوط الدخان ترتفع لأعلى. نظر لي نفس النظرة الواسعة. ثم قال "حاجة وسخة فعلاً".. لكنها لم تكن إجابة على سؤالي.

(3)

"مطاوع، حدثني عن الألفين وتسعة"..

كنت بجواره في التاكسي الذي استقله من الدقي إلى أكتوبر. جلسنا متلاصقين. اثنين من البدناء أكبر من أن تتسع كنبة سيارة شاهين خلفية لهما. لكنها اتسعت.

في البداية ظن السائق أني أحدثه. لكن نظرة منه في المرآة لسماعات الموبايل في أذن "مطاوع" جعلته يفهم أن ثمة مكالمة تحدث.

وقد كانت هناك مكالمة بالفعل، لكن يبدو أن مطاوع لم يكترث لسؤالي بحيث لم يكلف نفسه عناء إخباري ولو بالإشارة أنه مشغول الآن في محادثة إحداهن. ما أعرفه عن مطاوع أنه يفضل أن تكون مكالماته بعد انتهاء أوقات العمل.. نسائية.

في هدوء القديسين والرهبان، نزع "مطاوع" فردة سماعة من أذنه اليسرى. وناولها لي. في دعوة صريحة للتنصت على ما يدور بينه وبين طرف آخر لا أعلمه.

"تمام تمام".. قالها لمحدثته في محاولة للتغطية على أية جلبة قد أصنعها أثناء تثبيت فردة السماعة في أذني. الآن أسمع أنا وهو.. وتتحدث هي.

"عارف.. ركوبك التاكسي ده دليل على أنانيتك.. أنت أناني قوي.. سايبني لوحدي استحمل كل حاجة.. أنا تعبت.. عارف بقالنا كام شهر على الحال ده. عارف؟ رد عليا، ولا ترد ليه... ما أنا الكلبة اللي بتهوهو.. أنا الجارية اللي أبوك جابهالك.. صح؟، طب عمرك فكرت فيا لحظة؟، عمرك تخيلت أنا تعبانة إزاي؟، عمرك؟ عمرك؟، عمرك؟.. يا أخي أنا ده عمري ما بشتكي.. عمري ما بخليك تاخد بالك من إني تعبانة وجبت آخري.. أنت أناني قوي.. سايبني لوحدي استحمل كل حاجة.. أنا تعبت"..

كان "مطاوع" يدير أصابعه في حركات دائرية رتيبة. فهمت أنه يلاحظ تكرارها لما قالته مرة أخرى.. ويبدو أنها لم تكن المرة الأولى التي تكرر فيها ما قالت.. فبهدوء دنياصوري قال "تمام تمام".. والتقط أنفاسه وأضاف "يلا سلام دلوقتي"..

كانت المدة الفاصلة بين سؤالي ونهاية المكالمة طويلة. بحيث لم أتوقع من "مطاوع" أي رد. والحقيقة أنه لم يخذلني.. سكت تماماً حتى وصلنا إلى ناصية الشارع الذي نسكن فيه. "أيوة هنا".. نزل ودفع.. ولم يكلف نفسه عناء إخباري بالسبب الذي قرر لأجله إنزالنا من التاكسي على مسافة بعيدة جداً عن المنزل.. قرر "مطاوع" أن يجرب المشي.. وأنا معه.. دون حتى أن يجيب على سؤالي.

(4)

"مطاوع، حدثني عن الألفين وتسعة"..

هل كان "مطاوع" يعلم أن اللمبة ستنفجر.

يقول "مطاوع" أن قلبه يحدثه بخصوص الأشياء المزعجة التي من الممكن أن تحدث له في الدقائق القادمة. لكنه لا ينصت عادة لقلبه. فهو صاحب قلب ثرثار، لا يتوقف عن الحديث، ثم أن الإستماع لقلب أمر قد يبدو مملاً، ويفتقد لكثير من الحكمة.. يقول "مطاوع" أنه لا يملك الوقت الممكن تضييعه في الأشياء التافهة.

يقول "مطاوع" أنه يشاهد الحوادث مرتين. مرة حين يتوقع حدوثها، ومرة بعدها بدقيقة حين تحدث بالفعل.

لم يقل "مطاوع" كل هذا حين انفجرت اللمبة. الحقيقة أن المرة الأخيرة التي سمعت فيها صوت "مطاوع" في حديث موجه إلي.. كانت منذ فترة طويلة، وبالتالي فإن ما يقوله "مطاوع" الآن، هو ما سبق أن قاله. وأنا كصديق أحاول أن أبدو مخلصاً، حفظت كلماته.. وصرت أرددها.

حين انفجرت اللمبة كانت الساعة قد جاوزت الثالثة صباحاً. وكنا سوياً على باب المطبخ. وشاهدت الشباك مفتوح بما يعني أن الهواء البارد مع السيراميك قد جعل من المطبخ ثلاجة كبيرة. وقليل من قوانين الفيزياء يؤكد أن لمبة تصلها الكهرباء في هذه الأجواء.. لابد أن تنفجر.

على ضوء شمعة لونها أحمر من تلك المخصصة للاحتفالات العاطفية، وقفت بجوار "مطاوع" أمام طاسة الزيت أراقب قطع البانية المجهزة سابقاً يتحول لونها في ميكانيكية من الأبيض للأصفر. غرز "مطاوع" الشوكة في بطن قطع البانية واحدة تلو الاخرى، وسحبها خارج الطاسة على طبق زجاجي فرش عليه منديل أبيض كبير من النوع الذي لا توجد به رائحة يمكن أن تختلط بالطعام فيفسد. رأيت المناديل تسحب الزيت.. ورأيت "مطاوع" يغرز الشوكة من جديد في بطن قطعة بانية ويقدمها لي قائلاً "بسم الله"..

(5)

حدثني عن الألفين وتسعة يا مطاوع.. حدثني من فضلك.

أعرف أنك لا تريد أن تفعل. أعلم أنك لم تعد تطيق حديثي. صوتي. وجودي.

لكنها الظروف يا مطاوع الظروف. وجودنا سوياً قدر. عقوبة. قرار شخص آخر غيرنا.

تذكر يا مطاوع الأيام الجميلة. حين كنا نشكر الله أننا لسنا شخصاً واحداً.

كنت تباهي الناس أنك لست وحدك. أنا معك. وكنت أفعل الأمر ذاته. كنت أخبرهم عنك... حدثني مطاوع. أخبرني مطاوع. ذهبت مع مطاوع.

لكنك هذه المرة ترغب في الذهاب وحدك يا رفيقي. في الرحيل وحدك. ماذا أفعل دونك يا مطاوع وماذا تفعل دوني.

حالي لا يسرك. ولا يسر أحد. حديثي صار مملاً وأسئلتي كثيرة. كنت تسألني سابقاً فأجيب. الآن أسأل أنا فلا تنطق. أحدثك فلا تكترث لوجودي. خصامنا مستحيل يا مطاوع. لا تفارقني. حاول. جرب. اضغط على نفسك وابقى قليلاً. لا.. ابقى كثيراً فالرحيل واحد. سواء كان الآن.. أو بعد سنة.. حدثني عن السنة يا مطاوع.. عن الألفين وتسعة التي كان حديثنا قبلها مسموحاً. عن الأصدقاء الذين ماتوا. والأحباب الذين انتحروا.

حدثني عن الذين قتلناهم سوياً. حدثني عن الموتى. عن الرسائل الإليكترونية الطويلة (عديمة القيمة). عن مواقع الإنترنت الإباحية. عن المدونات. حدثني عن الفيس بوك. والتويتر الذي لم نفهمه. حدثني عن الكلام. الكلام يا مطاوع.. تذكره؟.

يا مطاوع لا تحزن. الحزن لا يليق بك. والصمت كذلك. مايكل جاكسون مات. لكن ألبوماته تبيع أكثر الآن. أعلم أنك تحزن لرحيله. كنت تحبه. تتمنى أن تصبح في حجمه ووزنه.. لكنها البدانة يا صديقي صفتك وصفتي.. والبدناء في الجنة.. لأن تعذيبهم في النار سيبدو مزعجاً. ولأنهم تعذبوا في الدنيا بما يكفي..

أضحك يا مطاوع على سخافاتي.. كنت تضحك سابقاً. ما الذي حدث. ما الذي فقدته.. وما الذي فقدناه سوياً؟.

...........

أصبح شعر مطاوع طويلاً. خرج لتوه من الحمام. ويرتدي "بورنس" لبني، وبعض البخار يتصاعد من حوله. وقفنا أمام المرآة. وضع الـ"جيل" على شعره وفركه جيداً. تناثرت قطعة جيل أخضر على سطح المرآة وتركت بقعة لزجة.. لم يكترث لها مطاوع إطلاقاً. بل أكمل محاولاته للسيطرة على خصلات شعره الطويلة.

تأكدنا سوياً أن مظهره لم يعد جيداً كما كان في بداية العام. وسجلت وحدي ملاحظة أن "مطاوع" بحاجة إلى "بورنس" جديد. وعلبة جيل. والذهاب إلى الحلاق، وإصلاح نظارته المكسورة. وشراء ملابس شتوية تلاءم زيادة وزنه الأخيرة. والبقاء لفترة أطول في الحمام للاستمتاع بالدش الساخن. والاستيقاظ في وقت يسمح لجسده المترهل بالحصول على حقه من الراحة. والنوم على مرتبة جديدة غير تلك التي اشتراها لأنها طبية، فاكتشف أنها ستجبره على الذهاب إلى الطبيب للعلاج من آلام المفاصل والفقرات.

سجلت بالنيابة عن "مطاوع" أنه سيكون بحاجة للجلوس مع زوجته في بداية العام الجديد. في محاولة أخيرة لللتفاوض حول حق المواطن في ركوب التاكسي. وحول عدد المرات التي سيسمح لها بتكرار كلماتها في المكالمات الليلية التي تسبق وصوله إلى المنزل.

وسيكون من حظي أن يجد مطاوع وقتاً يسمح له بالثرثرة معي.. أو على الأقل للتأكد من فكرة أننا لا زلنا شخصاً واحداً.

كان مطاوع قد تركني أسجل ملاحظاتي. وخرج من الغرفة إلى الشارع مباشرة. تاركاً ورقة صفراء صغيرة ملتصقة على سطح المرآة بجوار بقعة الـ"جيل" الخضراء اللزجة..

"غبي.. أو لم تفهم بعد؟". ويبدو أنها إجابة على سؤالي.

الأحد، ديسمبر 20، 2009

عبادة برجماتية

في حديث مع صديقتي التي لا تعتقد في وجودك. سألتني، لماذا يفضل الذين يؤمنون بالله – مثلك - الاعتقاد بأن إيمانهم ذكاء، وبأن إلحادنا غباء، وأرجوك لا تخبرني أن الكون لابد له من خالق، أريد إجابة منطقية مختلفة.

بصراحة، لم أكن لأجيب إجابة مماثلة، بشكل عام أكره الإجابات التي حصلت عليها في طفولتي. وقد كانت واحدة من إجابات أبي على سؤال مماثل.

فكرت. وكانت الأجواء التي التقيت فيها صديقتي تساعد على التفكير. صالة متسعة في بار قديم بوسط البلد. عجائز هنا وهناك، والكل يتحدث بصوت خفيض.

قلت : لو أن الله موجود فعلاً. فإنه سيغضب بالتأكيد من الذين عاشوا وماتوا وهم لا يصدقون فكرة وجوده. لكن إن كان وجود الله كذبة ابتكرها الآباء لتهذيب أولادهم. فإن أحداً لن يغضب لأن واحد أفنى عمره يعبد إله غير موجود. ثم أن الإلحاد لا ينكر وجود الله فقط. بل هو ينكر وجود كل الآلهة. وبحسب المعلومات المتوفرة، فإن العذاب مهمة تقوم بها الآلهة فقط بعد الموت، ومباحث أمن الدولة أثناء الحياة.

هل يمكن أن ترضيك إجابة كهذه؟. ممممم

"العبادة البرجماتية". سيكتبها أحدهم على مدونتي إن تجرأت ونشرت هذه السطور. بالإضافة إلى أن عدداً من المؤمنين بك وبدينك (مثلي)، سيتطوعون بـ"سب الدين" لي، باعتباري أكتب ما لا تجوز كتابته.

إذن، هل يمكن أن نعبدك، ونحن نملك أسباب منطقية لفعل ذلك؟

وهل يمكن أن تضايقنا بعض الحقائق، التي – حال كنا نعبدك – سنصبح ملتزمين بها. ومنصاعين لها.

يعني، مثلاً. لقد قررت أن زمن الأنبياء قد انتهى، صحيح؟. يعتقد بعض البشر أن في هذا ظلم للذين جاءوا إلى الدنيا وقد فاتهم أن يقابلوا نبياً. ومن ناحية أخرى، فاتهم أن يتم اختيارهم كأنبياء.

يفضل البعض أن تكون علاقتهم بك أقوى، وذات خصوصية. والأنبياء كانوا كذلك. لماذا إذن لا يمكن لمحسن أو سيد أو دعاء أن يكونوا أنبياء أيضاً؟. لماذا كتبت على البشر الذين جاءوا بعد نبيك الأخير أن يظلوا في مكانة معينة. هو حقك بالتأكيد. لكن.. أيمكن أن أعبدك، وفي قلبي نقطة حيرة. وتساؤل، مع العلم أن زمن الأنبياء إن كان ممتداً بالفعل، فإني لم أكن لأفضل أن أكون نبياً. كان سيكفيني أن أكون صحابي طيب، يموت في غزوة مهمة. ويحبه نبيك، ثم يطلق المؤمنون اسمه بعد ذلك على عدد من المساجد والشوارع الواسعة، وتكتب عنه بعض القصص، وتروى لأطفال المؤمنين.

أكان من الأفضل أن يظل الأنبياء متواجدين، على الأقل واحد فقط في العالم، يموت فيأتي غيره، بحيث ترحم عبادك من شيوخ الدين الذين يؤمنون بك لكنهم يعتقدون في الوقت ذاته أنهم يعرفون عنك ما لم تكتبه أنت في كتابك ولا بلغت به واحد من رسلك، فيحكمون باسمك، ويفتون بدينك. أكان وجود نبي واحد يخرسهم أمر صعب؟.

ثم، الغيرة يا رب الغيرة. أنت خلقتها وأنت تعلم كيف تعمل في القلب. أحدثك عن الغيرة وأنت تعلم ما سأقول.

يعني، مثلاً، نقف أمامك في صفوف طويلة متراصة كالبنيان المرصوص، رغم أن أبنيتنا الآن لم تعد مرصوصة، الأبنية تسقط لأن الأسمنت مغشوش، والحديد أغلى من أن يسمح المقاول باستخدام عدد أكبر من الأسياخ..

لكن في النهاية، أنت تحب أن يقف عبادك في الصلاة متجاورين، يسدوا الفرج فيما بينهم. بحيث لا يقف الشيطان فيها، مع أن أحداً لا يعلم لماذ قد يحب الشيطان أن يقف في مساحات فارغة بين أقدام بشر أثناء صلاتهم.

السؤال هو، وقد أطلت عليك فسامحني. لماذا لا أعبدك وحدي؟. لماذا يقتلني القلق في كل صلاة جماعة، أي المصلين أقرب إليك؟، وهل أنا أقرب من الإمام، وهل الإمام يخلص في الصلاة أم أن صلاته فاسدة، وهل فساد صلاته يفسد صلاتي، وكيف أثق في خشوع إمام وأنا لا أثق في خشوعي. ولماذا يسمحون بإضاءة المسجد أثناء الصلاة؟، الصلاة في الظلام أفضل، لماذا أعتقد أنا أن الظلام جزء من الخشوع؟.

أغار منهم. في ساعات القرب منك تؤلمني فكرة أن شخص آخر قريب. أرغب في مكانة مميزة. وحدي، لم يصلها أحد.. يمكن أن أسامح الأنبياء والرسل. لكن البشر العاديين. ما حجتهم. ماذا فعلوا أكثر. وكيف يمكن أن تكون صلاتهم الجماعية أفضل من صلاتي وحدي في غرفة مظلمة..

أكان يمكن للدعوة، أن تظل سرية، بحيث يظن كل بشري أنه يعبدك وحده، دوناً عن الآخريين. فكرة سخيفة ها.. طيب.. دعني أدونها وأفكر..

لماذا أخاف وأنا أكتب إليك؟، لا أخافك في الواقع، أثق في أنك ربي، وبما أنك خلقتني، فإنك بالتأكيد لن تسمح لي بفعل شيء متجاوز أكثر مما ينبغي. يعني، قد أرتكب بعض الذنوب، لكن حتى هذه الذنوب أنت خلقتها، وفي خلقك لها، إشارة إلى أنك ستسمح لها بالحدوث، وأن ارتكابها وإن كان يغضبك، إلا أن التوبة عنه ممكنة، وإلا ما كنت لتخلقه.

وبما أني أكتب، فأنت خلقت عقلي، وسمحت لأفكاري الشريرة بالوجود، وهذا فضل منك بالتأكيد. تعلم أن أصحاب الأفكار الشريرة يفرحون بها قليلاً.

أخاف من الذين يعتقدون أنهم أقرب إليك للدرجة التي تسمح لهم بالحديث نيابة عنك، بإضافة تعاليم جديدة للتعاليم التي وضعتها أنت وحدك. بعض البشر في الأرض يا ربي يرغبون في أن يصبحوا أنبياء، على أن البعض الآخر فيما يبدو، يعتقدون في إمكانية تحويلهم إلى آلهة.

علي أن أشكرك بأي حال. شكراً لأنك موجود. شكراً لأنك أخبرتنا أنك بذاتك ستكون موجوداً ساعة الحساب. فكرة أن أحداً غيرك سيقوم بحساب البشر تبدو غاية في السخافة، ورغم أن هناك بشر عاديون يقومون بإجراءات الحساب الآن في الأرض. إلا أن قليل من الرحمة سيمنع بمشيئتك حدوث ذلك في السماء.

الاثنين، ديسمبر 07، 2009

عن السلاحف والأرانب

في البدء كانت السلاحف.

لكن أحداً لا يهتم لأمر سلحفاة. وحيث أن الأرانب جاءت بعد ذلك. فإن الكوكب يؤرخ للمسألة بشكل خاطئ، ويعتقد أنه في البدء كانت الأرانب.. على كل حال.. كانت هناك بداية. وكانت هناك سلاحف. وكانت هناك أرانب.. وكانت الحكاية.

تعرف القصة القديمة إذن.. دعنا نحكيها للذين درسوا في الخارج، أو للإخوة العرب المهتمين بقراءة المدونات المصرية.

في الصف الثاني أو الثالث. ربما الأول.. في صف من الصفوف الدراسية الأولى. كانت الحكاية تحكى بشكل درامي، عن سلحفاة مجنونة طلبت من أرنب أن يسابقها. وبعد مداولات واتفاقات. تم تحديد الزمان والمكان. وبدأ السباق.

الأرنب. ولأنه يعرف عن نفسه ما يجب أن يعرفه أرنب. دخل السباق دون اهتمام، للتسلية. وركز على جانبي الطريق، حيث توجد بعض زراعات الجزر.. يقف عند الأولى ويأكل. ويذكر نفسه بأن الأمر يحتاج إلى معجزة كي تصل السلحفاة قبله. فما تمشيه سلحفاة نشيطة في ساعة، يقطعه أرنب معاق في دقيقة. فليأكل إذن ويشبع. ثم يعود إلى السباق فيحظى بالحسنيين.. الفوز والجزر.

السلحفاة. ولأسباب ميكانيكية. لا تتمكن أبداً من النظر خلفها. فهي لا تدري لماذا وقف الأرنب أساساً. ولا تبصر الجزر على جانبي الطريق، حتى أنها لا تعرف لماذا يهتم أرنب لأمر "جزراية" ويترك السباق. أمام السلحفاة اختيار وحيد. مواصلة الزحف داخل صندوق ثقيل، ووضع احتمال ضئيل، بأن الأرنب ربما يكون قد تناول جزر مسمم ومات. وبالتالي فإنه يمكن الفوز بالسباق.

القصة تنتهي بأن السلحفاة تفوز، لأن الأرنب ينشغل بمسألة الجزر حتى النهاية، وحين ينتبه للسباق، يجد السلحفاة تضع خطوتها الأخيرة على خط النهاية.

بطريقة ما، أجد القصة تشير لمعنى أعمق. وأجدها ملاءمة للصف الثانوي الثالث، أو تستحق أن توضع في مناهج التنمية البشرية عديمة القيمة.

يمكن أن نفهم، أن السباق هو الحياة. طريق. ليس صعباً ليس سهلاً. بداية ونهاية. وعلى أطرافه جزر، ويسمح بالسير في جماعة. أي أنه يساعك أنت وغيرك. وبشكل أو بآخر فإن هناك تنافس بينكم حول ترتيب الوصول لخط النهاية.

والأرنب. هو أيقونة الموهبة. أبيض. بسيقان طويلة وأسنان جميلة. وجسد طري. هو بالبلدي "مزة" الحيوانات. وصاحب موهبة القفز، ورمز السرعة في انتخابات الغابة. ومدمن الجزر، رغم أنه لا يشاهد روتانا سينما. وفيلمه المفضل يحمل اسمه "أفواه وأرانب" حيث تبقى للأرنب موهبة التكاثر، فالأرانب لا تصاب بالعجز الجنسي.

والسلحفاة، أيقونة الدأب. جسد محشور داخل صندوق، ولدت كل سلحفاة بعيب خلقي غير قابل للعلاج. لم نرى سلحفاة دون صندوق إلا في أفلام الكارتون غير المنطقية. لا توجد مواهب لدى السلحفاة سوى الصبر. وهي موهبة لا تحظى بتقدير في الغابة. وهي لا تدمن شيء. وتأكل أوراق النباتات.

غير مسموح للسلاحف بالإفراط في الأكل. الصندوق يبقى بنفس الحجم. من الميلاد إلى الاستشهاد. ولا تتوافر أي معلومات عن قدرتها على التكاثر. لا يعرف أحد كيف يمكن ممارسة الجنس عبر صندوقين. لكن على ما يبدو فإن السلاحف لا تعاني من مشكلات جنسية.. حيث أن كل شيء لديها يأخذ وقت طويل وممتد.

إذن. ما الذي يمكن أن يحدث في الحياة التي هي السباق. بين موهوب وهو الأرنب. ودؤوب اسمه سلحفاة؟.

لأن "ربنا موجود". ولأن قليل من العدالة مطلوب. فإن الجزر ينمو بشكل "شيطاني" على جانبي الطريق. هنا وهناك. ينمو الجزر وتسقط آشعة الشمس على أوراقه فتنعكس الصورة في عين الأرنب فيتوقف قليلاً للأكل. وينسى أمر السباق. وفي المقابل، فإن السلحفاة تحظى بفرص جيدة للتقدم خطوات.

وهكذا، يمكن أن تستقيم الحياة. مع أن العيش في حياة تحمل صفة "مستقيمة" أمر لا يبدو مهماً للبعض.

إذن يا أولاد. على الأرانب منكم أن يفهموا الفكرة. يتوقفوا لأكل الجزر. ويملأوا بطونهم إلا قليل، وهذه ليست دعوة لعدم الإسراف أو محاولة للتخلص من الكروش. لكنها فقط ملحوظة، أنه طالما هناك مزيد من الجزر على طول الطريق، فلماذ نتوقف لأكل الكثير منه في مكان واحد.. كل حبة جزر واحدة. ثم اقفز قفزة. وهكذا يمكنك بمزيد من التركيز أن تصل للنهاية في توقيت ملاءم.

أما السلاحف، فلها كل تقدير. تسير في منتصف الطريق، تشكر الله عن نعمه. وعلى ما ابتلاها به من عجز وبطئ. وتواصل المسير. وهو مجهود يجب أن يحظى في نهاية السباق بشهادة تقدير أو جائزة شرفية. لكن من الظلم أن يفوز لاعب غير موهوب.

على السلاحف إذن أن تثق (قليلاً) في عدالة السماء، وتنظر على أطراف الطريق، وتتوقف قليلاً للأكل. أن تتمرد على قوانين اللعبة. التمرد يكسب الموهبة. والأرانب مشغولة هي الأخرى ولن تلتفت لأمر سلحفاة، والسلاحف شعورها بالوقت أدق وأقوى من شعور الأرانب. فتأكل كل سلحفاة وتشرب ولا تسرف. وتواصل المسير، ومن الممكن فعلاُ أن تفوز بالسباق، لكنها ستصل وهي موهوبة في أمر ما. فلن يعترض أحد على منح الجائزة للاعب داخل صندوق. بل سيتم منحة شهادة تقدير إضافية باعتباره من متحدي الإعاقة.

الأكل الجانبي، يملأ بطن الأرنب فيصيبه بمرض الموهوبين الأول.. الكسل. لكنه بالنسبة للسلحفاة. فإنه يعطيها بعض القوة. دفعة للأمام. يشحنها بطاقة لحمل الصندوق الثقيل ومواصلة المسير بسرعة أعلى قليلاً. سرعة ربما لا يلحظها أحد. لكنها متراكمة. ومتواصلة. ومستمرة..

إذن. دعنا من الأرانب والسلاحف والجزر. ولنتحدث قليلاً عن البشر. حكمة القصة يا أولاد أن الدؤوب يغلب الموهوب. وأن عليك أن تعرف عن نفسك إن كنت أرنب أو سلحفاة. ثم تضع الخطة الملاءمة. الأرانب يلزمها صندوق بعض الوقت. قليل من القيود لن يضر، والسلاحف تحتاج إلى تمرد، وإلى خيال، وإلى طرح أسئلة افتراضية.. مثلاُ "هل يمكن كسر الصندوق؟" وما الذي حدث لسلحفاة فقدت صندوقها في حادث دعس من فيل شرير، هل ماتت بالفعل، أم أنها أصبحت رشيقة وقادرة على القفز. لكن بالتأكيد دون موهبة الأرنب.

على الأرانب أن يكتسبوا قليل من التواضع. وأن يعلموا أن بعض الناس تكرهها. معظم البيوت المصرية مثلاً تعاني من وجود أب لا يطيق أكل الأرانب ويمنع دخولها للبيت. دون سبب معروف. لكن في المقابل الأرنب من الوجبات المفضلة لدى النساء.. هيت لك.

وعلى الجميع أن يعيشوا في سلام. ويواصلوا المسير. وعلى الحيوانات الأخرى التي لا تشترك في السباقات المماثلة أن يعلموا إنه.. "يا بختهم".

السبت، ديسمبر 05، 2009

فشنك

المشهد التقليدي..

(رجل يخرج من بيته. يتجه إلى سيارته. تظهر سيارة أخرى في عمق الشارع. تسير بجواره. ينزل زجاج خلفي ببطء. تظهر فوهة بندقية حديثة. تنطلق رصاصة بصوت مكتوم. يلتفت الرجل في بطء ليرى. تخترق الرصاصة جسده. فيسقط بهدوء. ويبدو أن الحي غير مسكون. بحيث لا نسمع أصوات أخرى سوى صرير عجلات سيارة مسرعة. وتمر دقيقة كاملة. قبل أن يطل أحدهم من شباك عمارة مجاورة. لمعرفة سبب الجلبة).

للرجل الميت بالطريقة السابقة مكانة في قلبي. ممممم، أو مكانتين في الحقيقة.

(1)

أشفق عليه. فطريقة موته مؤلمة في الواقع. خاصة وأنه ربما ذهب ضحية لسبب مجهول. يبدو وكأنه غير مقصود شخصياً. كان يمكن أن يكون الميت شخص آخر غيره. لكنها المصادفة ولعبة القدر. جعلته يظهر في لحظة مرور الشباب الطائش الذي يحاول أن يفرض سيطرته على الحي الهادئ لأسباب غير معروفة.

(2)


أحسده. أتأمل حاله وأرى. أن الحظ السعيد للإنسان يمكن أن يظهر في صورة يد تحمل بندقية. وتتدخل في أحداث الحياة فجأة لتنهيها.

أحياناً. يكون من المناسب معرفة أن أحد سيناريوهات المستقبل الجيدة، هي أن يتم التخلص فجأة من كل شيء بكبسة زر – أو زناد – واحدة. وتتساوى الاحتمالات.

لن يكون مهماً أن تكون أنت صاحب الكبسة، أو أن يكون جسدك مستودع الرصاصة في النهاية.

الخيوط تشابكت. والأفكار تعقدت. وأصبح بإمكان الواحد أن يتصالح مع مصيره الأسود دون أن يبدو قلقاً. معتبراً أن شيء يمكن أن يحدث لن يكون بحال، أسوأ من الأشياء التي سبق وأن حدثت بالفعل.

أو كما قال زميل الدراسة الثانوية المجهول.. "مش عايز أسقط.. بس مش خايف"..

.......................

ملحوظة :

السطور السابقة، لا تعبر عن الإحباط.

الثلاثاء، ديسمبر 01، 2009

أسرة


بين كل الأفكار المدهشة، وأساليب استحضار المتعة. تبقى فكرة أن لديك "أسرة"، وأنك تملك القدرة على إسعادها.. أهم وأفضل من أي شيء.
............
* في الصورة :
مليكة تتأمل برتقالة بين يديها، تقشرها لنفسها وتأكل، تنظر إلي أبيها وتقول "بابا.. آنة.. تحها".. وهي ترجمة طفولية لجملة عربية تقول "أبي، هل يمكن أن تقشر لي ثمرة البرتقال هذه؟".

الخميس، نوفمبر 19، 2009

بخصوص الكلام البلبوص..

تصدير :

سأل أحدهم الدكتور عبد الوهاب المسيري الكاتب والمؤلف والمفكر المعروف، كيف تعتبر نفسك مفكر إسلامي وأنت ترتدي في يدك دبلة ذهبية؟، فرد الدكتور الراحل، الذي عرف عنه ذكاءه وعنايته بالتفاصيل، "أنتم الذين قلتم أني مفكر إسلامي، لكني شخصياً لا أعتبر نفسي كذلك، وبالتالي، فإن إرتدائي للدبلة يشكل مشكلة لك.. لكن.. ليس لي"..

وبدون مناسبة على الإطلاق، يؤكد "البراء أشرف"، صاحب مدونة "وأنا مالي" المغمورة، أنه ليس إسلامياً في أي شيء. لا في مدونته، ولا كتابته، ولا أي شيء على الإطلاق، هو كما يظهر في خانة الديانة ببطاقته الشخصية "مسلم"، والأذكياء يعرفون الفارق الكبير بين أن تعيش "مسلماً"، وأن تعيش "إسلامياً".

ويستنجد صاحب المدونة بأصحاب القلوب الرحيمة وبالمعلقين الكرام، وبالأصدقاء والصديقات والمعارف وأسرة البرنامج، أن يفركوا أعينهم جيداً، ويراجعوا أنفسهم، متى كان هذا الشخص يتحدث عن الأخلاق أو ينادي بها، ومتى اعتبر نفسه محترماً أو ملتزماً أو مشغولاً بفكرة الأدب ونشر الخير بين البشر؟.. وإذا كان قد وقع خطأ ما سابق بحيث تم اعتبار هذا الشخص يحمل الصفات السابقة.. فهل من المنصف محاسبة شخص على ما يعتقده أشخاص آخرون؟..

.......................

كان لافتاً أن تتلقى مدونتي 11 تعليق على تدوينتي الأخيرة "دقات الهاتف" في يوم واحد. بينها 6 تعليقات رافضة للتدوينة، و5 مؤيدة.

وكان صادماً أن التعليقات كلها، الرافضة والمؤيدة، تصل باسم "غير معرف".. عدا واحد قرر أن يعرفني بنفسه فكتب اسمه "محمد".. فقط.

وكان ملفتاً أن تصلني رسالتين، الأولى إليكترونية من زميل لي بالعمل يرفض ما كتبت ويطلب حذف الرابط الأخير – مؤقتاً – إلى أن أفكر في مسألة حذف التدوينة كلها، باعتبارها "تخصم من رصيدي"، والثانية رسالة قصيرة على الموبايل من زميل وصديق يطلب أيضاً حذف الرابط الأخير مؤكداً "أني لم أقصد بالتأكيد وضعه في نهاية التدونية".

وكان مسلياً أن أجد البعض يضع "like" على رابط التدوينة في الموقع السحري "google reader"، وكلهم أشخاص لا أعرفهم.

وسيكون ضرورياً أن أكتب لزوار هذه الصفحة حول "الكلام البلبوص" بشكل عام، وحول بعض الأفكار التي تحرك صاحب هذه المدونة وتجعله يكتب وينشر ويستقبل التعليقات ويتأملها.

و"الكلام البلبوص" هو وصف اعتاد صاحب هذه المدونة أن يطلقه على نوع من الكتابة الحرة، التي تتجاوز حدود الأدب، فتتحدث مرة عن الجنس، ومرة عن الدين، وثالثة عن الآباء والأمهات، هو الكلام الذي يمكن أن تهمس به وحدك أثناء الاستحمام، او واقفاً أمام مرآتك في لحظة اكتئاب حقيقية صادقة.

هي الكتابة التي لا تبدأ بـ"مما لا شك فيه".. أو "لست أدري كيف يمكن أن".. فيها من الحرية أكثر مما فيها من الأدب، ولا علاقة لها بالالتزام. "الكلام البلبوص" هو ما ينوي صاحب هذه المدونة أن يستمر في قوله، فلديه قلق كبير حول كتابته، يخشي أن يصبح كاتب للسلطة، والسلطة هنا تبدأ بالنظام السياسي، مروراً بمكتب الإرشاد مثلاً، نهاية بتعليقات القراء.

عموماً، أفضل أن تمر هذه السطور سريعاً. لذا سأكتفي مبدئياً بنقل إهداء رواية "إحدى عشر دقيقة"، للكاتب "باولو كويلهو". وهي كما يعرف بعضكم الرواية الجنسية الوحيدة لكاتب معروف عنه اهتمامه بالروحانيات والمشاعر والعواطف والعلاقة الطيبة بالله. يقول الإهداء..

كنت أقف فى ساحة الكنيسة عندما اتجه نحوى رجل يناهز السبعين وخاطبنى قائلا "هل تعرف أنك تشبه باولو كويليو؟".. أجبته بأننى أنا هو, عانقنى الرجل وقدم لى زوجته وحفيدته قال لى ان كتبى تحتل مكانة كبيرة فى حياته, ثم ختم كلامه بالقول "أنها تجعلنى أحلم".

غالبآ ما سمعت هذه الجملة وأدخلت المسرة الى قلبى لدى سماعها. لكني, مع ذلك شعرت فى تلك اللحظة بقلق عميق. كنت أعرف أن روايتى "11 دقيقة" تتناول موضوعآ حساسآ يحدث لدى القارئ صدمة عنيفة ومزعجة. مشيت الى الينبوع لأحصل على القليل من المياه العجائبية . ثم سألت الرجل عن مكان أقامته وسجلت اسمه فى مفكرتى.

موريس غرافلين هذا الكتاب مهدى اليك. لدي واجب تجاهك وتجاه زوجتك وحفيدتك وتجاه نفسي, التحدث عما يشغلني وليس عما يود الناس سماعه. ان بعض الكتب تجعلنا نحلم وبعضها الأخر يذكرنا بالواقع, لكن لا يمكن لأي كاتب أن يتنصل مما هو جوهري لكتابته, ألا وهو النزاهة التى يكتب بها.

انتهى الإهداء الذي يأتي في الصفحة الأولى من رواية يصفها البعض بجملة قصيرة "قصة حياة عاهرة"..

...............

ما أنا متأكد منه الآن أني "كاتب" ولست "خطيب جمعة". ومن المعلوم من الكتابة بالضرورة، أنها تستمد أهميتها من الأفكار الجديدة التي تطرحها. ومن المعلوم من الفن والإبداع، أنه تجربة لتجاوز المعقول والمعروف، تخطي الحدود، وتخيل أن العالم أوسع مما يعتقد الآخرون.

ومن المؤكد، أن كتابة ما يعتقد الناس أن عليك أن تكتبه، يمكن في جريدة "عقيدتي" إن كانت لا تزال تصدر، أما كتابة ما يريد الكاتب أن يكتبه، فالمدونات أولى بها، وبحسب معلوماتي فإن جريدة "عقيدتي" المحترمة لم تتفضل بنشر ما كتبت، وأن صفحات مدونتي فقط هي المكان المسموح لي بالنشر خلاله، وأن المدونة يتم تمويلها من جيب صاحبها، وأني لم أقم بنشر إعلانات في الطرقات العامة أو على صفحات الجرائد عن المدونة، ولم أطلب من أي شخص أياً كان أن يتفضل بقراءة ما كتبت.

حيث أني أكتب لنفسي، معتبراً المدونة بديلاً عن أجندة بنية أهدتها لي أمي ونصحتني بكتابة يومياتي، ولأن خطي سيئ بما يكفي، فقد تعلمت النقر على لوحة المفاتيح، ولأني أخشى أن تضيع الصفحات التي كتبتها، فقد نشرتها على هذه المدونة، ورأيت أنه سيكون من المفيد (لي)، مشاركة حضراتكم هذه الأفكار التي تخصني وحدي، وأنا فقط مسؤل عنها.

وبخصوص "الكلام البلبوص" يا أولاد، والكلام هنا للذين وجدوا أنفسهم مهتمين بقراءة السطور "الأبيحة" في تدوينتي الطويلة المملة التي يدور موضوعها حول "الجنس عبر الهاتف"، فدعونا نستمع لـ"زياد رحباني"
يعطي نصائحه في اسطوانته "نص الألف خمسمية" ويقول :

ليك: مش ضروري تظل تشرح شيء لناس معتبرين حالهم بيعرفوه.. لا بل.. بيعرفوا كل شيء..

مش ضروري تحاول تترجم لأشخاص موضوع.. مش هاممهم بلغته الأساسية.

مش ضروري تظل تعمل إشارات لعالم.. عم بيتطلعوا على غير محل يا خي..

ليك: مش ضروري تظل سهران على جماعة ناموا من زمان.. وبالعلامة في واحد منهم قشط راسو بصحن التبولة.

روح. ضهار، تمشّى..أستأجر بسكلات...


..........

هذا والله أعلم...

ملحوظة :

خلال الشهر القادم تنشر هذه المدونة عدداً من التدوينات الجاري تحضيرها، الأولى بعنوان "ستة أسباب للحنين إلى روبي" وهي كما يظهر في العنوان عن الفنانة المصرية المحترمة روبي. والثانية بعنوان "أديان رخيصة". ويتناول فكرة أشار لها الدكتور "عبد الوهاب المسيري" في مذكراته حول حقوق الملكية الفكرية للنصوص الدينية. أما الثالثة فبعنوان "الله يبارك في البارات"، والحقيقة أني لا أعلم موضوعها على التحديد، لكن العنوان اقتباس لأغنية لبنانية تغنيها "ياسمين حمدان"، ويبدو أن التدوينات ستحمل كلاماً بلبوصاً جداً، لذا فنصيحتي المخلصة أن يتم إهمال زيارة المدونة خلال الفترة القادمة حتى يعود الكاتب إلى رشده، ويبدأ في كتابة ما يرغب السادة القراء به..

حقائق علمية :


- شهرياً، يصلني تقرير من الموقع المستضيف للمدونة، به بعض الإحصاءات حول زوار صفحاتها. ومنذ بدأت الكتابة، فإن أكثر من ثلثي زوار المدونة يأتون من خلال البحث على موقع "جوجل"، وكلمات البحث الأساسية هي "سكس"، "روايات جنسية".

- بخصوص سؤال السادة المعلقين حول شعور زوجتي تجاه ما أكتبه، وشعوري إن قرات ابنتي يوماً مثل هذا الكلام العابث، فلهم أن يعلموا أن زوجتي من زوار المدونة الدائمين، وحال نشر أي كلام "بلبوص" يتم أخذ رأيها أولاً، لأنها الوحيدة في هذا العالم التي أخشى أن تؤذيها كلماتي.. أما ابنتي، فهذا موضوع آخر، حيث أفضل ألا أتحدث عن بنت جميلة اسمها "مليكة"، في تدوينة اسمها "كلام بلبوص".. وتصبحوا على خير.


- الصور من هنا

الثلاثاء، نوفمبر 17، 2009

دقات الهاتف

إرشادات القراءة :


- تحفظ هذه التدوينة بعيدة عن متناول الأطفال.
- تقدم باردة.
- ترج جيداً قبل الاستخدام.
- برجاء التأكد من تاريخ الصلاحية.
- اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا.. وبسم الله أول وآخر.
.............

الليلة يا أولاد، أحدثكم عن الجنس عبر الهاتف.

شخص ما اخترعه، لا توجد في الأثر إشارة إلى أول من ابتكر ممارسة الجنس عن بعد عبر سماعتين وأسلاك طويلة. لكن اكتشافه على ما يبدو، جاء بعد اكتشاف الهاتف نفسه. على كل حال.. ما المفيد في معرفة اسم صاحب الإختراع؟. المهم هو الإختراع ذاته. فإلى التفاصيل.

هذه السطور مجرد وصف لما يمكن أن يميز جنس الهاتف دوناً عن أنواع الجنس الأخرى. ويمكن اعتبارها مذكرة تفاهم مع وزارة التربية والتعليم، حول تخصيص فصل خاص لجنس الهاتف في
مادة التربية الجنسية الحميدة. وهي مادة ستدرس للأطفال بالتأكيد، في عهد وزير تعليم اسمه "الجمل".

أوك. ما المميز في جنس الهاتف إذن؟!

واحد : "هزيها براحة براحة.. تفضلي على طول مرتاحة" :

دوناً عن أنواع الجنس المنتشرة بين البشر، فإن جنس الهاتف يستغني عن شرطين أساسيين في أي ممارسة جنسية معروفة.. القدرة.. والإتاحة.

لا يحتاج جنس الهاتف إلى فياجرا، أو انتصاب، بل أنه لا يحتاج إلى عضو جنسي أساساً. فقط حاستي السمع والكلام، وقدر قليل من الإحساس.

وبالتالي، فهو متاح للكبار والصغار، الشيوخ والأطفال، السيدات بعد سن اليأس، وكل من يجيد استخدام الهاتف على كوكب الأرض.

ثم أنه لا يحتاج إلى غرفة خالية، أو طرقة منزوية، ولا إلى ساعة حظ يكون البواب فيها نائماً، والجيران غافلون. فقط يمكن الاكتفاء بكابينة ميناتل، أو موبايل بكارت شحن قابل للاستخدام، وبه عدد قليل من الدقائق. وبالنسبة للفتيات، فالحيل لا تنتهي.. وبشكل عام تميل الفتيات بعد البلوغ للعزلة والخجل والجلوس في غرف مغلقة، يصادف أن يكون بها هاتف.

يمكن ممارسته في السيارة، أثناء القيادة حتى، في العمل، في الحمام، في فراش الزوجية وبجوار زوجة نائمة (للزوجات الكادحات اللاتي لا يوقظهن صوت محادثة ساخنة تجري بجوارهن).

جنس الهاتف كالعادة السرية، فقط يتفوق على العادة في كونه ليس سرياً بالمعنى الحرفي للكلمة، فهناك طرف ثاني، وفي بلد مثل مصر، يكون هناك غالباً طرف ثالث
باعتراف وزير الداخلية. وبالتالي فهو "جنس" حيث أن هناك آخر. وهو "عادة" حيث أن تكراره مغري وسهل، وهو "سري" حيث أن الإتصال من مكان مزدحم بالبشر لا يعتبر فكرة جيدة.

إتنين : "علي صوتك.. بالغنا" :

الذين حرموا انفسهم من متعة ممارسة الجنس عبر الهاتف، فاتهم أن يدركوا القيمة الذهبية للحنجرة. والدور المهم الذي يمكن أن تلعبه حنجرة مرنة في ممارسة جنسية هاتفية ليلية ملتهبة.

الحنجرة بشكل عام مهمة، مممم. بل الرقبة كلها. أعرف أشخاص لا يتخيلوا الجنس دون رقبة بيضاء طويلة ممتلئة، على كل حال. وكون جنس الهاتف يعتمد على الحنجرة في الأساس. فإنه يصبح بمرور الدقائق، وبتكرار المكالمات، تدريب عملي فعال، على استخدام الحنجرة ساعة الجد. وإدراك لقيمتها الهامة.

للأسف، لا يزال البعض يعتقد أن الأعضاء الجنسية هي ما يوجد في المكان الذي عرفنا اسمه صغاراً بأنه "الحتة اللي بتموت". لي أصدقاء يتعاملون مع الأعضاء كلها باعتبارها جنسية في المقام الأول، ثم تظهر لها استخدامات أخرى خلال الحياة. كالكف واللسان والأقدام والركبة والسرة.. بشكل عام.. يمكن للكائن البشري العادي، تحويل أي عضو عادي إلى أداة جنسية مهمة. والحنجرة عضو.. وطريقة التحويل.. هي جنس الهاتف.

لا تتوقف سلسلة الإدراكات في جنس الهاتف عند الرقبة، بل تتجاوزها، لتصبح كل منطقة مستقلة بذاتها، لها أسلوب معين في التعامل معها.. يكفي أنك بعد التجارب الأولى، سكتشف أن القبلة التي تعرفها ليست قبلة على الإطلاق، وأنها موضوع كبير، له بداية ووسط ونهاية.. بل أنك ستضطر إلى تقبيل أشياء ومناطق، لم تتخخيل لحظة إمكانية وصول فم إنسان لديها..

يمكن استبدال حصص العلوم عن أعضاء جسم الإنسان بمكالمتين، وذلك في إطار المزج بين التعليم والترفيه.

ثلاثة : الليلة دي سبني أقول وأحب فيك :

ميزة جنس الهاتف، أنه يكتسب إثارته بمرور المكالمات من الإضافات الإبداعية من الطرفين. ومن التفاصيل، وغني عن الذكر أن الشيطان – بنفسه – يكمن في التفاصيل.

في المرة الأولى، ستفعل ما تعتقد أنه من المهم أن تفعله. وفي المرة الثانية. ستفعل ما تعتقد أنك تحب أن تفعله، وفي المرة الثالثة. ستدرك أنك وصلت للمستوى المطلوب، وستبدأ الاكتشاف.

في الهاتف، يمكن اختيار المكان، الزمان، الألوان، الملابس، الموسيقى، الإضاءة، درجة الحرارة، حجم الأعضاء، مدة الممارسة، طريقة البداية والنهاية، لحظات الذروة، لغة المحادثة، يمكن أن يتم اعتبار جنس الهاتف أول ظهور لفكرة
المجتمع الإفتراضي، فهو بالتأكيد ظهر قبل الإنترنت. على أنه استخدم آليات الشبكة قبل إختراعها أو التفكير في وجودها أصلاً.

الخيال، والعناية الفائقة بالتفاصيل، تلفت النظر بمرور الوقت، إلى الحاجة الدائمة المتجددة، لاكتشاف تفاصيل أكثر وابتكار أفكار أفضل، خوفاً من الملل أو الرتابة، وهو ما يمكن اعتباره، بنظرة واسعة وشاملة، تدريب عملي فعال، للذين لم يوفقهم الله إلى ممارسة الجنس في الواقع، بسبب
البطالة وغلاء الأسعار والمبالغة في المهور.

أربعة : "ألو ألو.. إحنا هنا" :


على البدناء والدميمات أن يشكروا الله على نعمة الهاتف، ويمتنوا للعقل البشري الذي اخترع جنس الهاتف..

كيف يمكن لبدين في مدرسة ثانوي مشتركة أن يحلم بممارسة الجنس مع فتاة ترغب في اكتشاف طعم القبلة الأولى. وكيف يمكن لدميمة أن تمنع نفسها من الرغبة في فارس أحلام يأتي على "توك توك" أسود وبخلفية موسيقية تنطلق من سماعاته "مش كل وزة لابسة كات تبقى موزة".

هذه
الأحلام، التي تقتلها حقيقة أن البقاء للـ"مزز". يمكن تحقيقها بسهولة في ظل جنس الهاتف. خاصة، وأن ربنا يقطع من هنا ليصل من هناك. البدناء عادة من أصحاب الخيال الواسع، والدميمات صوتهن لا يقاوم عبر الهاتف. ويالها من "مليطة".

إجمالاً، وبقليل من "slow motion" يمكن اعتبار جنس الهاتف فرصة لتحدي الإعاقة.

خمسة : "خسارة خسارة.. فراقك يا جارة" :

لا خسائر في جنس الهاتف. على الإطلاق. لا صور. لا مداهمات، ولا أخ يمكن أن يكون هو الآخر يستخدم ذات الحديقة. فقط يمكن تسجيل بعض المكالمات، وهو ما يمكن التغلب عليه بحيلة شهيرة يستخدمها في مصر رجال الأعمال والمذيعين والوزراء... الصوت تم تركيبه، وأطالب بالفحص الفني.

لم يذكر أن فتاة فقدت عذريتها أثناء ممارسة الجنس بالهاتف، إلا إن كانت وضعت السماعة في غير المكان المخصص لوضعها، بمعنى أنها استبدلت الجنس (عبر) الهاتف، للجنس (مع) الهاتف، كما أن الأمراض الجنسية وغير الجنسية الشائعة لا تنتقل عبر الأسلاك. إلا بعض أعراض الصمم، التي ظهرت في جنوب أفريقيا حيث يفضلون الصراخ بقوة في لحظات المتعة الهاتفية.

إذن، يمكن النظر لجنس الهاتف باعتباره بديل المستقبل، في وقت تنتشر فيه دعوات للحد من القبلات والأحضان، فإنه ومع تحريم اللقاءات الجنسية تماماً حين تنتشر أنفلوانزا الأسماك. يمكن ممارسة الجنس بالسماعات دون قلق. لأجل حياة أفضل، مع غسل الأيادي والسماعات قبل وبعد، وهو شيء يحدث في كل الأحوال.

ستة : قال ليه بيداري كده.. ولا هو داري كده :

بين كل الكلمات والرموز التي اخترعها البشر، تبقى كلمة "كده" خالدة الذكر، متعددة الاستخدام، رائعة الأثر. وعندي قناعة شخصية أن اول من ابتكر كلمة "كده" كان يبحث عن كلمة مختصرة يسأل بها رفيقته عبر الهاتف، عن إذا ما كانت تتخيل أثر الحركات التي يتخيل هو أنه يفعلها بجسدها.. ولأن السؤال طويل، وخير الكلام ما قل ودل. تم ابتكار "كده؟".. وتنطق بشكل استفهامي..

يمكن أن تتخيل مكالمة واحدة مدتها عشر دقائق تنطق فيها كلمة "كدة" ألف مرة. وبسرعات متفاوتة... مرة "كــــده.. كــــــده"، ومرة "كده كده كده".. وأخيراً.. "كــــــــــــــــــــــــــده ه ه ه".. وبالطبع فإن السرعة تحدد ما يمكن أن تعنيه الكلمة وتحتويه من خيال وأفكار وطرق. ولدى بعض المتمرسين. يمكن أن يصل الإحساس الحقيقي عبر "كده" واحدة. وإن كان الأمر يحتاج إلى تدريب طويل ومتكرر.

والمبدعات يعلمن، أن أفضل رد على سؤال "كده". ليس "آه" جميلة وحقيقية. بل أن "كده" يمكن استخدامها للتأكيد. فتكون "كده" رد على "كده؟".. وفي التكرار توكيد لفظي.. وعلى الهاتف.. لا نملك غير الألفاظ.

سبعة : متحاولش تبقى حد تاني غير نفسك :

كيف يمكن أن تكتشف أنك سادي؟، أو مازوخي؟، كيف يمكن أن تعرف الفرق في المتعة بين الحركة المعتادة رقم 1 والحركة رقم 3 التي لا تحظى بالشعبية ولا تزال بعض الزوجات يرفضن القيام بها؟. كيف تكتشف ذاتك يا فتى، وتعرف طريقتك الخاصة الأصيلة التي تعبر في كل لمسة وهمسة عنك، لا عن ثقافتك السرية في مشاهدة أفلام البورنو عديمة القيمة.. إنه.. وللمرة المليون.. جنس الهاتف.

في الهاتف، يمكن أن تستأذن رفيقتك في فعل أي شيء. والسبب أن رفيقتك لا تملك القدرة الكاملة على الرفض، لا أحد
يرفض الخيال، إنها لو تعلم فرصة ذهبية لأن تكتشف ذاتك. لأن تتخيل كل شيء وتقرر أي من الحركات يناسبك أكثر.

في الهاتف، ستجرب كل الأفعال، الحلال منها
والحرام، صعب أن تواجهك إحداهن بأن "لأ لأ كدة حرام".. حيث أنه من المعلوم من الجنس بالضرورة أن "حلاله" مسموح فقط بين الأزواج، وعلى حد علمي فإن طريقة علاج البرود الجنسي بين الأزواج عن طريق الهاتف غير منتشرة بعد في بلادنا. وبالتالي.. لا تتوقع أن تسمع "حرام" في سماعتك. وإن كان صديق لي سمعها، وكان فقط يطلب بوسة في مكان معروف.

في الهاتف، ستكتشف متعة التفوه بألفاظ خارجة أثناء الممارسة. لتدرك أن وصف الشريكة بكونها فتاة "سيئة الأخلاق". أمر غير مشين على الإطلاق.. إطلاق العنان للسانك، أمر يصعب فعله دون المرور بممر الجنس الهاتفي السحري.

في الهاتف، افعل ما شئت.. كما تدين تدان، تلك فرصتك الحقيقية لاكتشاف ذاتك. ولمعرفة ما تريده حقاً. وتلك أيضاً تجربتك الأولى الافتراضية.. في التعبير عن غاياتك ورغباتك القذرة.. خد فطيرك وارحل يا فتى..

ثمانية : الدنيا دي فيها كام بيلياشو؟ :

من يهتم لأمر علم الفيزياء في مكالمة هاتفية؟. رغم أن الهاتف نفسه أحد نتائج هذا العلم. فإن مكالمات الجنس الافتراضية لا تهتم كثيراً لقواعد الفيزياء وأصولها. وتبالغ في التجاوز خلال الممارسة عن أبسط وأسهل قوانينه.

يمكن أن تجد أحدهم يطلب من شريكته وضع يدها في ثلاثة أماكن في الوقت ذاته، أو الالتواء والتحول إلى كرة. أو الممارسة وقوفاً فوق لوح خشبي رفيع، هذا بالطبع فضلاً عن الأخطاء البسيطة المتعلقة بالقبلات في بعض الأماكن المعروفة. بحيث يعتقد أحدهم إمكانية الجمع بين مكانين في قبلة واحدة، أو القيام بفعلين في الوقت ذاته هما في الواقع عكس بعضهما.

ونظراً لأن معظمنا حصل على معلوماته الجنسية الأولى عن طريق أفلام البورنو، ولأنها في الواقع أفلام استعراضية، تشبه ألعاب السيرك. فإن محاولة تطبيق ما تراه، وتحويله إلى ما يمكن سماعه، يشبه في الواقع التعليق على مباراة كرة قدم حامية. لكن هذا لا يعني أنك تلعب.. أنت في الواقع تعلق.. وتبالغ في الوصف.. وهنا يستمتع الجمهور.

خلاصة الحكاية، أن الهاتف يتجاوز الكثير من القيود، خاصة تلك التي تتعلق بالكتل. الأطوال والأحجام والبروز والعضلات والمفاصل والإلتواءات. الجسد البشري يكتسب مرونة ولياقة كبيرة في الهاتف.. علم الإنسان ما لم يعلم.

تسعة : أمن الدولة :

ويمكن اختصار هذه النقطة في حقيقة علمية واحدة.. خلال القرن الماضي، ورغم الإفراط في استخدام التليفون في مصر، لم يتم القبض على شخص واحد بتهمة ممارسة الجنس عبر الهاتف. ولا تمت مساومة أحد المناضلين على السكوت مقابل حصوله على النسخ الأصلية من تسجيلات مكالماته.

لكن، وفي المقابل، فإن حقيقة أخرى تقول أن التليفونات تتم مراقبتها. إذن. فرصتك عزيزي المناضل سانحة، لإثبات أنك لا تنتمي إلى تنظيم القاعدة.
مارس الجنس وافرح.. فأعضاء التنظيمات الأصولية المسلحة لا يمارسونه عبر الهاتف.. الواقع موجود.. ونساءهم حلال لنا.. والله أكبر.

عشرة : صابر ع اللي بيجرالي :

جنس الهاتف كما الصيد. يعلم الصبر. والشجاعة والجرأة. يكسب المرء قدر من البساطة والتوازن. يعلم التنفس بهدوء، والتحدث بصوت خفيض، والدخول المبكر للفراش، وتناول المشروبات الدافئة، بعض خبراء التسويق اكتشفوا انفسهم في مكالمات هاتفية ماجنة. الهاتف يعلم الإدارة. والحكمة. يفهم الواحد منا في شبابه أن الأشياء لا تحدث دفعة واحدة.

الجنس عبر الهاتف. يعلم المتصل كيف يمكن أن يعيش، دون أن يستأذن أحد. يمنحه الفرصة في فعل ما يريد. ما يريد فقط. وفي الحصول على جزيرة معزولة دون أي بشر. ونظراً لأن الجزيرة حلم مشترك لكل سكان الكوكب، وهو حلم مستحيل في ظل الاحتباس الحراري وإمكانية اختفاء دول ومناطق، يظهر جنس الهاتف ليعطي كل ذي حق حقه. كل ما تحتاجه خط، وسماعة وسلك. وحنجرة، ورفيقة مرحة. وهي أشياء تعلم في باطنك.. أنها متاحة للجميع..


أعراض جانبية.. (يا تشوفلك حل في حكايتنا.. يا تعزل وتسييب حتتنا):


- دقيقة المحمول لا تزال غير رخيصة. جنس الهاتف مكلف. اتكلم أرضي يا ابن بلدي.
- ظاهرة تداخل الخطوط الأرضية لا تزال موجودة، وجنس الهاتف لا يمكن أن يتم بين أكثر من طرفين.
- بعض العلاقات الهاتفية تتحول إلى علاقات عاطفية.
- الهوس بجنس الهاتف يجعلك تجرب جنس الماسينجر المكتوب دون كاميرات، وهذه كارثة.
- معظم هواتف المنزل ملحق بها جهاز الكشف عن رقم الطالب.
- الزوجات بشكل عام يفضلن العبث بهواتف أزواجهن.
- بمرور الوقت، وبالاستمرار والتكرار، ظهرت أعراض تأنيب الضمير على بعض المتصلين.
......

لكن، جنس الهاتف مغامرة، وقيمة المغامرة الحقيقية فيما يلازمها من أخطار، حكمة السطور السابقة هي أن.. "تلعبوا مع بعض".

الأحد، نوفمبر 15، 2009

تمام..



( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ).. [النساء:150 ،151].



الأربعاء، أكتوبر 14، 2009

عن الطفل الذي تبول في زجاجة الفنيك!

إن تدهورت صحتي الجنسية يوماً، فسيكون الفنيك هو السبب. وإن تحسنت فجأة. فسيكون الفنيك أيضاً. وسأنافس بحبات الفنيك المجفف أقراص الفياجرا عديمة القيمة.

والفنيك. للذين سيدعون عدم معرفتهم به، هو منظف قوي الرائحة، أسود اللون داخل الزجاجة. حتى إذا ألقيت بقطرات منه داخل الماء، ابيض لونه وظهرت رائحته، وسيمكن لأقوياء الملاحظة معرفة أنه يستخدم عادة في الحمامات الرخيصة والعامة، أو تلك التي يدخلها عدد أكبر من المفترض.

ولا تحتاج إلى ذكاء إضافي لمعرفة أن الحمام مغسول بالفنيك منذ ساعات، فالرائحة أقوى من أن تتم إزالتها. ولم تشكل رائحة الفنيك لي وأنا طفل أية مشكلة. إلا أنني أسمع عن أشخاص ينزعجون منها، كما أن هناك أزواج منعوا دخول زجاجات الفنيك والخمر لبيوتهم. بإعتبار الإثنين من المحرمات.

ولا أعلم تحديداً إن كان الفنيك يستخدم لتنظيف الحمام فقط، أم الأرضيات بشكل عام. لكني أذكر جيداً إني دخلت الحمام يومها فوجدت زجاجة بجوار القاعدة. وبما أني أتبول عادة واقفاً خاصة في الحمامات العامة. حيث لا يمكن أن تأمن على نفسك عواقب الجلوس مكان أحدهم. فقد تمكنت خلال فتحي لـ"سوستة" بنطلوني أن ألمح زجاجة فنيك نصف ممتلئة. وقادني شيطاني إلى خلط البول بالفنيك، ومعرفة ما يمكن أن يحدث.

كل خيالاتي كانت مركزة تجاه ما يمكن أن يحدث للفنيك. (فكرت أن ثمة تفاعل كيميائي سيحدث وستنفجر الزجاجة بعدها بفترة). لم أتخيل أن ثمة مكروه يمكن أن يصيبني. فأي إحتمال لوقوع ضرر كان سيمنعني بالتأكيد من التضحية والمغامرة بأعز وأغلى ما أملك (وقتها والآن).. عضوي التناسلي الحبيب.

كنت في سنوات الإعدادية الأولى. وكانت فكرة الخروج من الفصل أثناء الدرس خلابة، تجعل طالب فاشل مثلي يدخل الحمام في كل الحصص بلا توقف. ومظهري البدين كان يمنع المدرسين من الإعتراض. خشية أن يكون الطالب – الذي هو أنا - يعاني من مرض ما يمكن مع منعه من الذهاب للحمام أن تسوء حالته ويصبح أكثر بدانة.

وقد استخدمت بدانتي – في حالات كثيرة هذه واحدة منها – أسوأ إستغلال. يمكن فقط أن تعرف أني كنت أقضي في زيارة الحمام الواحدة عشر دقائق أو يزيد. ما أتاح لي فرصة التفكير بعمق داخل الغرفة الصغيرة المغسولة بالفنيك. وإبتكار بعض الألعاب. منها التبول داخل زجاجة.
سأجيب عن السؤال إذن وأختصر السطور، لا داعي لمزيد من الوصف، ما الذي حدث حال إحتكاك طرف عضو تناسلي صغير، مع فوهة زجاجة فنيك نصف ممتلئة؟.

لأسباب ما، تكون الأجزاء غير المكشوفة في الجسم أكثر حساسية تجاه الكحوليات، وسأعلم بمرور الوقت وبمزيد من البحث، أن الفنيك ينتمي لهذه الطائفة من السوائل، يساوي زجاجة عطر خمس خمسات التي استخدمها صديق بدين لي للتخلص من آلام التسلخات، فكان أن لزم بيته يومين يقاوم الحرقان والنار بين فخديه.

لكن للحرقان في مقدمة العضو إحساس لا يمكن وصفه ولا ينصح بتجربته، الخبراء فقط، أصحاب تجربة ممارسة الجنس أكثر من مرتين أو ثلاثة بشكل متتالي، أو أيام الثانوي حين كانت العادة السرية لعبة لطيفة لقتل الملل. هؤلاء يعرفون شيئاً بسيطاً عما يمكن أن يصيب فوهة العضو. لكن يبقى للفنيك تأثير قاتل. يكفي أن تعلم أنك ستعيش أسبوعك التالي في قلق وكوابيس، تتلخص في إمكانية أن يختفي عضوك أو يتلاشي بتأثير المادة الكحولية السوداء القادرة للتحول لللون الأبيض حال إختلاطها بالماء، أو البول في مثل هذه الحالة.

الصورة التي يمكن أن تتخيلها فتتألم، لأني بصراحة أحاول أن أؤلمك فلست من أنصار التألم وحدي فيما أصف لك حالتي. الصورة تشبه وضع قلم بلاستيك في النار، ورؤية البلاستيك الصلب يتحول إلى سائل مع إنبعاث رائحة كريهة سريعة الإنتشار. لعلك مارست لعبة حرق الأقلام خلال مرحلة لعبك خلف المكتب للهروب من المذاكرة أيام الثانوي. على كل حال ضع عضوك مكان القلم، وتخيله يسيح أسفل شمعة بريئة تقف على سطح مكتبك.

رأيت وجهي للمرة الأولى أحمر، لم يكن محمراً أو يملأه الدم. بل كان أحمر.. لا يوجد وصف مناسب أكثر من ذكر اسم اللون. الدم الساخن انتشر في كل مكان داخل جسدي، وأمسكت عضوي جيداً للتأكد من أن الدم لا يخرج منه. يمكن أن أعترف أنها اسوأ لحظات خوفي على الإطلاق. كانت فكرة عودتي للفصل دون عضو (ثم استكمال الحياة بهذا الشكل) أسوأ من أن يحتملها خيال طفل مثلي.

عدت للفصل بعد إنتهاء الحصة، أو قبل نهايتها بقليل، وبررت للمدرس غيابي بإسهال أو إمساك. وساعد مظهري العام ووجهي المجهد، في إقناعه بأني لست بخير. وأمضيت باقي اليوم بأرجل مفتوحة، أفكر في غبائي وجنوني، وأذكر نفسي بمشهد سابق قريب، حين أردت أن أفهم معنى كلمة "كهرباء" فوضع أصبعي بين طرفي فيشة المكواة، ووضعت الفيشة في الفتحة، وتركت أقدامي دون حذاء، وفهمت معنى الكلمة مرتين. مرة بالتجربة، ومرة بشرح عملي من أبي خلال علقة تالية.

في العام التالي، وبعد تجاوز أزمة الفنيك بسلام. وبقاء فقط بعض الهواجس. وحين كنت قلقاً من تأخر بلوغي. رغم أن أقراني لم يبلغوا بعد. فقد كان مشهد الفنيك حاضراً. خاصة وأنه مع فصل الجهاز التناسلي في منهج العلوم في السنة الإعدادية الثالثة. شرح لي المدرس مواصفات السائل المنوي، وكونه أبيض لزج. ولأن التجربة أحد أسس "البحث العلمي" فقد لاحظت أن السائل لدي شفاف وكأنه مياة.. ودار حديث طويل بعد حصة علوم بيني وبين المدرس. هل كلمة أبيض تعني أبيض، أم إنه أبيض شفاف؟. وبررت حيرتي بأن أحد الزملاء حاول تضليلي وتشكيكي في لون السائل.. لكن المدرس فهم وحده وقتها أنه أمام طفل إختار ممارسة العادة السرية حتى قبل البلوغ.

وبالطبع مع التأكيد على إنه "أبيض" صريح، كما "اللبن". وأنه لزج. وباعتبار الأوصاف المذكورة لا تظهر في تجاربي، فهذا يعني أمرين. إما أن بالتجربة شيء خاطئ، أو أن الفنيك يضرب من جديد وأني أصبحت عاجز جنسياً بسبب التهور والتبول في زجاجة نصف ممتلئة بسائل أسود أفقد سائلي بياضه الذي هو مهم طبعاً أهمية غير قابلة للنقاش. كل ما كان موجوداً في كتاب العلوم كان مهماً في هذا العام.

لم يكن إحتمال أني لم أبلغ بعد مطروحاً. وظلت صورة الزجاجة في يدي لحظة التبول حاضرة. تطارد أحلامي، وتهدد مستقبلي، إلى أن أبيض السائل وحده. وأضفت إلى معلوماتي ما سيمكن تسميته بعد قليل بالـ"عادة السرية".

حكمة القصة أنه من المفيد أن تمتنع عن اللعب مع عضوك، وأن تكتفي باللعب به. هذا والله أعلم.

الاثنين، أكتوبر 12، 2009

لما بابا ينام!



(1)



إذن. لدينا "هيفاء وهبي" في أغنية أطفال جديدة. واسمها – في تكرار واضح – "بابا فين؟".

إذن أيضاً. لنؤجل الحديث عن هيفاء، ولنتحدث قليلاً عن أغاني الأطفال. مع العلم أن ذكر هيفاء والحديث عنها، ضرورة لا يجوز إهمالها.

في الأغنية المذكورة، نسمع صوت راوي يحدثنا عن بيت في قرية بعيدة. تحدث فيه كل يوم ذات القصة. والتكرار هنا للتشويق، ولإعطاء الحدث أهمية. والقصة باختصار عن طفل يعجز عن النوم وحده بسبب الكوابيس. فيطرق الباب على أمه النائمة بجوار أبيه يسألها سؤال منطقي وبديهي.. "بابا فين؟". فترد الأم – التي هي في مفاجأة سارة لأطفال الأرض "هيفاء وهبي" بشحمها ولحمها وقميص نومها الأخضر الستان رائع الجمال – "بابا نام".. فيتعجب الطفل وكأنه لا يصدق حقيقة أن أب ممكن أن ينام وفي سريره أم كهيفاء : "يا سلام". فتسأله الأم في رغبة واضحة لإنهاء الحوار : "عايز إيه؟"، فيجيب بحجة طفولية ساذجة، لا تخلو من إشارات، ومن إسقاط على نكات الطفولة التي تهتم باكتشاف الأعضاء التناسلية "عايز أدخل الحمام".

في الشريط المصور، الفيديو كليب بمعنى أدق، والذي تتجاوز مدته سبع دقائق، ويحمل توقيع "ليلى كنعان" مخرجة و"مصطفى كامل" كاتب للأغاني و"تومة" ملحناً. يمكن ملاحظة أن الطفل والأم لا يلتقيان طوال الأغنية، حيث يدور الحديث من خلف الأبواب. عدا مشهد أخير. ولعل في ذلك حكمة. أو معنى تربوي وديني، في وجوب منع الأطفال الذكور من دخول غرف نوم آبائهم بعد سن معين إلا بعد الإستئذان. وإن كنت أشك بالطبع أن هذا كان هدف فريق العمل.

أين الأب إذن؟، سؤال مشروع، بل أنه عنوان العمل كله "بابا فين؟"، ويمكن رؤية شخص يشتبه أنه الأب في جانب الصورة، ينام على جنبه ويعطي ظهره للأم – في إشارة واضحة أيضاً – ويتكلفت داخل بطانية، رغم أن الكليب يذاع في آخر شهور الصيف، ورغم أن الأم ترتدي ما يشير إلى أنه ثمة حر و"سخونة" في المكان.

غياب الأب يفتح الباب، أو يواربه لملاحظة شخصية، أرجو أن يتقبلها بعضكم باعتبارها شخصية ليس أكثر، فلا هي محاولة للتحليل أو الهجوم أو الدفاع، فقط مجرد ملاحظة يمكن تجاوزها أو تمريرها بحسب ما يعتقد كل منكم.

"بابا فين" ليست الأغنية الأولى التي تحمل الإسم نفسه. بل الثانية، ولنفس المؤلف. لا يزال البعض يذكر ثورة "بابا فين" الأولى. غناء فريق "free baby" وإنتاج "نصر محروس" وشركة "فري ميوزك". وهو ذات الشريط الذي يغني فيه "محروس" نفسه "حب بابا.. حب ماما.. على قد ما تقدر حب".. ويظهر في آخر الكليب يغني جملة بالإنجليزي يظن عدد من الأصدقاء أنها "fuck your father"..



بالعود لـ"بابا فين"، وللتذكير كانت تدور حول "عمو" الذي يتصل بالهاتف ليجيب عليه بعض الأطفال، يسألهم "بابا فين؟" فيتطوعون بحكي قصصهم الخاصة، وسؤاله ذات الأسئلة "أقوله مين.. قول له عمو.. عمو مين.. أقوله مين بيكلمه"..



والأب في الكليب ذاته غير موجود، مختفي تماماً. وسيمكن ملاحظة أيضاً أن الأم هي الأخرى اختفت في مكان ما، ولا يسأل عليها أحد. والخيال المريض هنا يسمح لصاحبه بتخيل أن الإختفاء المشترك يعني أن الأب والأم في ذات المكان. يفعلان فعلاً مشتركاً ويتركون الأطفال يلعبون بصديق الأب الذي اتصل في وقت غير مناسب كما هو واضح.

وسنضع في السياق ذاته أغنية ثالثة، تشترك مع ما سبق في كون الأب هو مركز الأغنية ومحور الأسئلة، وهي أغنية "بابا تليفون". وتنتمي المذكورة لتيار آخر من أغاني الأطفال، فهي من إنتاج قناة "طيور الجنة" الإسلامية الأردنية، لصاحبها ومطربها وممولها ومديرها ومذيعها خالد مقداد. وطفليه معتصم ووليد.

في الكليب يرن الهاتف، فيرد الطفل، فيجد صديق الأب يسأل، "بابا فين؟". فينادي الطفل أباه "بابا تليفون". فيشير له الأب "قوله مو هون". بمعنى أنه غير موجود، وأن المطلوب من الطفل الكذب على المتصل وإخباره أن الأب غير موجود. ويدور حوار شيق بين الأب والإبن، يطلب فيه الإبن من أبوه ألا يعلمه الكذب. فأطفال الإسلام لا يكذبون.



الأب في "بابا تليفون" موجود وظاهر، لكنه يتمنى لو كان بقدرته الإختفاء مثل باقي آباء الكليبات، وتختفي الأم لأسباب شرعية معروفة، وبالطبع يمكن تخيل "بابا تليفون" بلمسة "ليلى كنعان" بالتأكيد كنا سنرى أم هنا أو هناك، وغرفة نوم، وفعل مشترك. أو على الأقل كان اسم "ليلى" على الكليب سيمنح خيالنا المريض بعض البهارات، بتخيل أن الأب ينكر وجوده لأسباب تتعلق بالأم.

(2)

لماذا اختفى الأب؟. ولماذا تغني الأم وحدها هذه الأيام؟. يمكن ذكر كليب "نانسي عجرم" "شخبط شخابيط" الذي يضم عدة أغاني من الألبوم الذي يحمل نفس الإسم. والإعتراف بحقيقة أن العام الماضي شهد إطلاق ألبومين للأطفال لمطربات. فيما تجهز "شيرين" لألبوم ثالث.

يمكن للخيال المريض ذاته أن يترك لنفسه العنان، متحدثاً عن إرتباط صورة الأب بالسلطة. وغياب الأب غياب للسلطة. وغياب السلطة يعني في عقلية الأطفال الصغار (والكبار) أنه ثمة أشياء يمكن أن تحدث دون عقاب أو حساب.

وسيذكر البعض منكم مسرحية مثل "حزمني يا"، والتي حملت اسم "حزمني يا بابا" قبل أن تعترض الرقابة، التي قالت في مذكرة اعتراضها أن طلب مثل "حزمني" يتعارض مع صورة الأب الذهنية، فهو عادة غير متورط في الأفعال المشينة، ولا يجوز أن يكون على علم بما يحدث من مصائب وكوارث الأطفال.

يمكن هنا فتح فصل "التربية بالتغافل" في كتب التربية القديمة، والتي تحذر الآباء من التواجد في مكان يصنع فيه الأطفال أي شغب أو يقومون بأفعال غير سليمة، فوجود الأب بشكل عام في نفس المكان يعني موافقته على ما يحدث، وهو ما يعطي "شرعية" للشقاوة.

غياب الأب في أغاني الأطفال، يذكر بأشهر أغنية للأطفال في مصر وربما في العالم العربي، "النشيد الوطني للأطفال" كما يسميها "عمر طاهر"، "ماما زمانها جاية" للمطرب والملحن "محمد فوزي".



في "ماما زمانها جاية" يغني الأب، ويظهر في الصورة يهز المرجيحة، ويحدث الطفل عن "ماما" وكونها "جاية بعد شوية، جايبة لعب وحاجات". ثم يمضي باقي الأغنية في سرد قصص مؤثرة، "شفت الواد اللي اسمه عادل جه الدكتور وعمله إيه؟"..

ما يجعل أغنية مثل هذه غير قابلة للتكرار في زمن مثل هذا، عدة أسباب، منها على الأقل عدم وجود مطرب يصلح لدور الأب. كما أن الأب هذه الأيام مشغول لدرجة أن فكرة الغناء للطفل وهز المرجيحة فكرة أسخف من أن تكون قابلة للتنفيذ.

لكن، وبذكر الماضي يمكن أن نلاحظ أن أغنية مشهورة مثل "ذهب الليل طلع الفجر"، كان يغنيها أب أيضاً. لكن القصة داخل الأغنية عن أم. "ماما قالتله سيب القطة وخليها في حالها، ساب مدرسته ورما كراسته وراح جر شكلها، راحت القطة مخربشة إيده لما مسك ديلها، وآدي جزاء اللي ميسمعش كلمة ماما تقولها".. لكن نلاحظ هنا أن الأم تمثل "السلطة" بشكل واضح، فهي هنا لا تلعب الدور المسلي الظريف الذي يظهر في الحوار بين هيفاء وطفلها في "بابا فين". بل تبدو مشغولة بطبيخ ما أو بحديث مع جارتها. باعتبارها اكتفت بأن "قالتله سيب القطة.."، فيما كانت ستجذبه من يده بقوة وتبعده عن القطة إن كانت متفرغة له أو قريبة منه.

ومن باب الإنصاف، يمكن ذكر أغاني أطفال معاصرة كان للأب حضور بها، "محمد هنيدي" في فيلم "عندليب الدقي" في أغنية "مين حبيب بابا" للمؤلف "أيمن بهجت قمر". و"بابا أوبح" لمجموعة من الأطفال من تأليف نجم كلمات الأغاني "عنتر هلال". ويمكن وصف التجربتين بـ"الأغنية الكارتونية". فالأولى يغنيها هنيدي أشهر شخصية كارتونية في السينما المصرية. والثانية مليئة بكلمات غير مفهومة أعتاد الجمهور عليها من فنان مثل "عنتر" كما في أغنيته "أمي الحبيبة" لـ"هشام عباس" حين يقول "سلميلي يا أمه.. على البالي بالك".

(3)

إذن، هل كل هذا مدبر؟. هل اجتمع كتاب الأغاني مع ممثلي الصهيونية العالمية وتم الإتفاق على إزاحة الأب من أغاني الأطفال حتى ينشأ الأطفال وهم مفتقدين لشخص يردعهم وبالتالي يتكون جيل فاسد صايع وضايع عاجز عن تحرير الأرض المحتلة.

بالطبع لا. ما سبق كله مجرد ملاحظات هامشية تماماً. وحين نتحدث عن التدبير والمؤامرة. يصبح من الضروري الإنتقال لخالدة الذكر، صاحبة قميص النوم الأخضر، والعيون الملونة، وأطوال رموش لواحدة من أبناء جنس "الثدييات". ربة الصون والعفاف، الأم المدرسة التي إن أعددتها تبقى واد كفاءة. هيفاء وهبي فتح الله عليها في صدرها أكثر وأكثر، وللناس المسرة.

هيفاء في الكليب تطرح على الطفل سؤال وجيه، تقول "وهو ده وقته؟". وبالتركيز في كلمات الأغنية تعلم من سياق الحوار أن لحظة غناء الأغنية هي مساء الخميس. حين تسأل هيفاء "حبيبي عمل الواجب ولا اتنسى؟" فيرد "يا ماما بكرة الجمعة مفيش مدرسة". فتبادر الأم للإعتذار. فيجيب الطفل بكلمات إنجليزية منها "سوري" و"دونت وري".

هنا يمكن أن نفهم رغبة الأم في صرف الإبن بأي طريقة، كما نلاحظ "لغة الجسد" (Body language) التي يعبر بها الأب عن رغبته في النوم، وضيقه مما يحدث. وعيون هيفاء التي تركز "ليلى كنعان" عليها في كلوز آب جميل (الدقيقة 3:45)، مليئة بمعاني متضاربة، قلب الأم وحبها لطفلها بالخارج، وجسد الزوجة ووالواجب المقدس مع الزوج النائم.

بمرور الوقت، سينادي الطفل بقوة أكثر "ماما" فتقوم الأم وتفتح الباب، فيسأل ذات السؤال وقد رأى – أخيراً - قميصها الأخضر للمرة الأولى، "بابا فين؟.. بابا نام.. يا سلام!.. عايز إيه؟.. عايز أضرب له سلام". في تشجيع واضح من الأجيال الجديدة السهرانة، للجيل القديم النائم المتكلفت بالبطانية، وفي رضا من الإبن عن أبوه الذي قام بواجبات الأبوة تجاهه. وأولها.. اختيار الأم.

وأخيراً، سيكون من المهم هنا أن نذكر التشابه الواضح بين بطل كليب "بابا فين" لهيفاء، مع بطلي قناة "طيور الجنة" الأردنية "معتصم" و"وليد". في محاولة لإستخدام شعبية الطفلين الكبيرة، والتي ظهرت في العديد من الأشياء، لعل أقلها وجود ماركة شيبسي في بعض الدول العربية تحمل اسم "بابا تليفون".

ثم يبقى السؤال الأخير. إذا كان الأب سيغيب وينام. فيما تبقى أم مثل هيفاء مع الطفل. هل يمثل هذا أي مشكلة؟. باعتباري أب حالي وطفل سابق (وحالي أيضاً) لا أعتقد على الإطلاق. بالعكس "الأطراف" كلها ستكون سعيدة.

(4)

نظرة مختلفة للأمور :

الفنان الجميل "ياسر فوزي" يعيد تقديم أغنية "بابا أوبح" بلسان مشاهير الغناء المصري.



ثم فنان الإستعراض "عاطف أحمد" يستخدم صوت "ياسر فوزي" ويعيد تقديم شريط الصوت بآداء خاص.



فعلاً.. وجود الأب يفرق.