الاثنين، أكتوبر 12، 2009

لما بابا ينام!



(1)



إذن. لدينا "هيفاء وهبي" في أغنية أطفال جديدة. واسمها – في تكرار واضح – "بابا فين؟".

إذن أيضاً. لنؤجل الحديث عن هيفاء، ولنتحدث قليلاً عن أغاني الأطفال. مع العلم أن ذكر هيفاء والحديث عنها، ضرورة لا يجوز إهمالها.

في الأغنية المذكورة، نسمع صوت راوي يحدثنا عن بيت في قرية بعيدة. تحدث فيه كل يوم ذات القصة. والتكرار هنا للتشويق، ولإعطاء الحدث أهمية. والقصة باختصار عن طفل يعجز عن النوم وحده بسبب الكوابيس. فيطرق الباب على أمه النائمة بجوار أبيه يسألها سؤال منطقي وبديهي.. "بابا فين؟". فترد الأم – التي هي في مفاجأة سارة لأطفال الأرض "هيفاء وهبي" بشحمها ولحمها وقميص نومها الأخضر الستان رائع الجمال – "بابا نام".. فيتعجب الطفل وكأنه لا يصدق حقيقة أن أب ممكن أن ينام وفي سريره أم كهيفاء : "يا سلام". فتسأله الأم في رغبة واضحة لإنهاء الحوار : "عايز إيه؟"، فيجيب بحجة طفولية ساذجة، لا تخلو من إشارات، ومن إسقاط على نكات الطفولة التي تهتم باكتشاف الأعضاء التناسلية "عايز أدخل الحمام".

في الشريط المصور، الفيديو كليب بمعنى أدق، والذي تتجاوز مدته سبع دقائق، ويحمل توقيع "ليلى كنعان" مخرجة و"مصطفى كامل" كاتب للأغاني و"تومة" ملحناً. يمكن ملاحظة أن الطفل والأم لا يلتقيان طوال الأغنية، حيث يدور الحديث من خلف الأبواب. عدا مشهد أخير. ولعل في ذلك حكمة. أو معنى تربوي وديني، في وجوب منع الأطفال الذكور من دخول غرف نوم آبائهم بعد سن معين إلا بعد الإستئذان. وإن كنت أشك بالطبع أن هذا كان هدف فريق العمل.

أين الأب إذن؟، سؤال مشروع، بل أنه عنوان العمل كله "بابا فين؟"، ويمكن رؤية شخص يشتبه أنه الأب في جانب الصورة، ينام على جنبه ويعطي ظهره للأم – في إشارة واضحة أيضاً – ويتكلفت داخل بطانية، رغم أن الكليب يذاع في آخر شهور الصيف، ورغم أن الأم ترتدي ما يشير إلى أنه ثمة حر و"سخونة" في المكان.

غياب الأب يفتح الباب، أو يواربه لملاحظة شخصية، أرجو أن يتقبلها بعضكم باعتبارها شخصية ليس أكثر، فلا هي محاولة للتحليل أو الهجوم أو الدفاع، فقط مجرد ملاحظة يمكن تجاوزها أو تمريرها بحسب ما يعتقد كل منكم.

"بابا فين" ليست الأغنية الأولى التي تحمل الإسم نفسه. بل الثانية، ولنفس المؤلف. لا يزال البعض يذكر ثورة "بابا فين" الأولى. غناء فريق "free baby" وإنتاج "نصر محروس" وشركة "فري ميوزك". وهو ذات الشريط الذي يغني فيه "محروس" نفسه "حب بابا.. حب ماما.. على قد ما تقدر حب".. ويظهر في آخر الكليب يغني جملة بالإنجليزي يظن عدد من الأصدقاء أنها "fuck your father"..



بالعود لـ"بابا فين"، وللتذكير كانت تدور حول "عمو" الذي يتصل بالهاتف ليجيب عليه بعض الأطفال، يسألهم "بابا فين؟" فيتطوعون بحكي قصصهم الخاصة، وسؤاله ذات الأسئلة "أقوله مين.. قول له عمو.. عمو مين.. أقوله مين بيكلمه"..



والأب في الكليب ذاته غير موجود، مختفي تماماً. وسيمكن ملاحظة أيضاً أن الأم هي الأخرى اختفت في مكان ما، ولا يسأل عليها أحد. والخيال المريض هنا يسمح لصاحبه بتخيل أن الإختفاء المشترك يعني أن الأب والأم في ذات المكان. يفعلان فعلاً مشتركاً ويتركون الأطفال يلعبون بصديق الأب الذي اتصل في وقت غير مناسب كما هو واضح.

وسنضع في السياق ذاته أغنية ثالثة، تشترك مع ما سبق في كون الأب هو مركز الأغنية ومحور الأسئلة، وهي أغنية "بابا تليفون". وتنتمي المذكورة لتيار آخر من أغاني الأطفال، فهي من إنتاج قناة "طيور الجنة" الإسلامية الأردنية، لصاحبها ومطربها وممولها ومديرها ومذيعها خالد مقداد. وطفليه معتصم ووليد.

في الكليب يرن الهاتف، فيرد الطفل، فيجد صديق الأب يسأل، "بابا فين؟". فينادي الطفل أباه "بابا تليفون". فيشير له الأب "قوله مو هون". بمعنى أنه غير موجود، وأن المطلوب من الطفل الكذب على المتصل وإخباره أن الأب غير موجود. ويدور حوار شيق بين الأب والإبن، يطلب فيه الإبن من أبوه ألا يعلمه الكذب. فأطفال الإسلام لا يكذبون.



الأب في "بابا تليفون" موجود وظاهر، لكنه يتمنى لو كان بقدرته الإختفاء مثل باقي آباء الكليبات، وتختفي الأم لأسباب شرعية معروفة، وبالطبع يمكن تخيل "بابا تليفون" بلمسة "ليلى كنعان" بالتأكيد كنا سنرى أم هنا أو هناك، وغرفة نوم، وفعل مشترك. أو على الأقل كان اسم "ليلى" على الكليب سيمنح خيالنا المريض بعض البهارات، بتخيل أن الأب ينكر وجوده لأسباب تتعلق بالأم.

(2)

لماذا اختفى الأب؟. ولماذا تغني الأم وحدها هذه الأيام؟. يمكن ذكر كليب "نانسي عجرم" "شخبط شخابيط" الذي يضم عدة أغاني من الألبوم الذي يحمل نفس الإسم. والإعتراف بحقيقة أن العام الماضي شهد إطلاق ألبومين للأطفال لمطربات. فيما تجهز "شيرين" لألبوم ثالث.

يمكن للخيال المريض ذاته أن يترك لنفسه العنان، متحدثاً عن إرتباط صورة الأب بالسلطة. وغياب الأب غياب للسلطة. وغياب السلطة يعني في عقلية الأطفال الصغار (والكبار) أنه ثمة أشياء يمكن أن تحدث دون عقاب أو حساب.

وسيذكر البعض منكم مسرحية مثل "حزمني يا"، والتي حملت اسم "حزمني يا بابا" قبل أن تعترض الرقابة، التي قالت في مذكرة اعتراضها أن طلب مثل "حزمني" يتعارض مع صورة الأب الذهنية، فهو عادة غير متورط في الأفعال المشينة، ولا يجوز أن يكون على علم بما يحدث من مصائب وكوارث الأطفال.

يمكن هنا فتح فصل "التربية بالتغافل" في كتب التربية القديمة، والتي تحذر الآباء من التواجد في مكان يصنع فيه الأطفال أي شغب أو يقومون بأفعال غير سليمة، فوجود الأب بشكل عام في نفس المكان يعني موافقته على ما يحدث، وهو ما يعطي "شرعية" للشقاوة.

غياب الأب في أغاني الأطفال، يذكر بأشهر أغنية للأطفال في مصر وربما في العالم العربي، "النشيد الوطني للأطفال" كما يسميها "عمر طاهر"، "ماما زمانها جاية" للمطرب والملحن "محمد فوزي".



في "ماما زمانها جاية" يغني الأب، ويظهر في الصورة يهز المرجيحة، ويحدث الطفل عن "ماما" وكونها "جاية بعد شوية، جايبة لعب وحاجات". ثم يمضي باقي الأغنية في سرد قصص مؤثرة، "شفت الواد اللي اسمه عادل جه الدكتور وعمله إيه؟"..

ما يجعل أغنية مثل هذه غير قابلة للتكرار في زمن مثل هذا، عدة أسباب، منها على الأقل عدم وجود مطرب يصلح لدور الأب. كما أن الأب هذه الأيام مشغول لدرجة أن فكرة الغناء للطفل وهز المرجيحة فكرة أسخف من أن تكون قابلة للتنفيذ.

لكن، وبذكر الماضي يمكن أن نلاحظ أن أغنية مشهورة مثل "ذهب الليل طلع الفجر"، كان يغنيها أب أيضاً. لكن القصة داخل الأغنية عن أم. "ماما قالتله سيب القطة وخليها في حالها، ساب مدرسته ورما كراسته وراح جر شكلها، راحت القطة مخربشة إيده لما مسك ديلها، وآدي جزاء اللي ميسمعش كلمة ماما تقولها".. لكن نلاحظ هنا أن الأم تمثل "السلطة" بشكل واضح، فهي هنا لا تلعب الدور المسلي الظريف الذي يظهر في الحوار بين هيفاء وطفلها في "بابا فين". بل تبدو مشغولة بطبيخ ما أو بحديث مع جارتها. باعتبارها اكتفت بأن "قالتله سيب القطة.."، فيما كانت ستجذبه من يده بقوة وتبعده عن القطة إن كانت متفرغة له أو قريبة منه.

ومن باب الإنصاف، يمكن ذكر أغاني أطفال معاصرة كان للأب حضور بها، "محمد هنيدي" في فيلم "عندليب الدقي" في أغنية "مين حبيب بابا" للمؤلف "أيمن بهجت قمر". و"بابا أوبح" لمجموعة من الأطفال من تأليف نجم كلمات الأغاني "عنتر هلال". ويمكن وصف التجربتين بـ"الأغنية الكارتونية". فالأولى يغنيها هنيدي أشهر شخصية كارتونية في السينما المصرية. والثانية مليئة بكلمات غير مفهومة أعتاد الجمهور عليها من فنان مثل "عنتر" كما في أغنيته "أمي الحبيبة" لـ"هشام عباس" حين يقول "سلميلي يا أمه.. على البالي بالك".

(3)

إذن، هل كل هذا مدبر؟. هل اجتمع كتاب الأغاني مع ممثلي الصهيونية العالمية وتم الإتفاق على إزاحة الأب من أغاني الأطفال حتى ينشأ الأطفال وهم مفتقدين لشخص يردعهم وبالتالي يتكون جيل فاسد صايع وضايع عاجز عن تحرير الأرض المحتلة.

بالطبع لا. ما سبق كله مجرد ملاحظات هامشية تماماً. وحين نتحدث عن التدبير والمؤامرة. يصبح من الضروري الإنتقال لخالدة الذكر، صاحبة قميص النوم الأخضر، والعيون الملونة، وأطوال رموش لواحدة من أبناء جنس "الثدييات". ربة الصون والعفاف، الأم المدرسة التي إن أعددتها تبقى واد كفاءة. هيفاء وهبي فتح الله عليها في صدرها أكثر وأكثر، وللناس المسرة.

هيفاء في الكليب تطرح على الطفل سؤال وجيه، تقول "وهو ده وقته؟". وبالتركيز في كلمات الأغنية تعلم من سياق الحوار أن لحظة غناء الأغنية هي مساء الخميس. حين تسأل هيفاء "حبيبي عمل الواجب ولا اتنسى؟" فيرد "يا ماما بكرة الجمعة مفيش مدرسة". فتبادر الأم للإعتذار. فيجيب الطفل بكلمات إنجليزية منها "سوري" و"دونت وري".

هنا يمكن أن نفهم رغبة الأم في صرف الإبن بأي طريقة، كما نلاحظ "لغة الجسد" (Body language) التي يعبر بها الأب عن رغبته في النوم، وضيقه مما يحدث. وعيون هيفاء التي تركز "ليلى كنعان" عليها في كلوز آب جميل (الدقيقة 3:45)، مليئة بمعاني متضاربة، قلب الأم وحبها لطفلها بالخارج، وجسد الزوجة ووالواجب المقدس مع الزوج النائم.

بمرور الوقت، سينادي الطفل بقوة أكثر "ماما" فتقوم الأم وتفتح الباب، فيسأل ذات السؤال وقد رأى – أخيراً - قميصها الأخضر للمرة الأولى، "بابا فين؟.. بابا نام.. يا سلام!.. عايز إيه؟.. عايز أضرب له سلام". في تشجيع واضح من الأجيال الجديدة السهرانة، للجيل القديم النائم المتكلفت بالبطانية، وفي رضا من الإبن عن أبوه الذي قام بواجبات الأبوة تجاهه. وأولها.. اختيار الأم.

وأخيراً، سيكون من المهم هنا أن نذكر التشابه الواضح بين بطل كليب "بابا فين" لهيفاء، مع بطلي قناة "طيور الجنة" الأردنية "معتصم" و"وليد". في محاولة لإستخدام شعبية الطفلين الكبيرة، والتي ظهرت في العديد من الأشياء، لعل أقلها وجود ماركة شيبسي في بعض الدول العربية تحمل اسم "بابا تليفون".

ثم يبقى السؤال الأخير. إذا كان الأب سيغيب وينام. فيما تبقى أم مثل هيفاء مع الطفل. هل يمثل هذا أي مشكلة؟. باعتباري أب حالي وطفل سابق (وحالي أيضاً) لا أعتقد على الإطلاق. بالعكس "الأطراف" كلها ستكون سعيدة.

(4)

نظرة مختلفة للأمور :

الفنان الجميل "ياسر فوزي" يعيد تقديم أغنية "بابا أوبح" بلسان مشاهير الغناء المصري.



ثم فنان الإستعراض "عاطف أحمد" يستخدم صوت "ياسر فوزي" ويعيد تقديم شريط الصوت بآداء خاص.



فعلاً.. وجود الأب يفرق.

هناك 14 تعليقًا:

Shimaa Gamal يقول...

Chapeaux
You seriously made my day

ام مليكة يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
ام مليكة يقول...

وهمية يابراء..

بجد مش لاقية أي كلام أقوله عما كتبته. برغم معرفتي المسبقة بالقصة قبل ساعات من قرائتها على المدونة إلا أن الحكاية استغرقتني بالكامل وكأنها المرة الأولى التي استمع فيها للقصة..

ملاحظاتك خيالية ولا أعتقد ان من السهل التقاطها إلا من خلال "براء"..

طبعا لن أخوض في تفاصيل القصة التي تنافسني فيها هيفاء كأم والجميع يعرف انها مقارنة غير عادلة بالمرة ..الأم مدرسة صحيح بس مش انترناشيونال إحنا تجريبي على قد الحال..

نيجي بقى للب الموضوع(قلبه) مش قزقزة هل تعتقد أن الأب نام بالفعل أم أنه يحاول أن يهرب من نظرات الطفل او التعطيل عن مهمة قومية ليلة خميس..أنا فهمت أنك تتهمة بالتقصير ةلكني أعتقد العكس ..هي اليحلة ياصديقي..

هو صحيح يوم الخميس ده لسه عيد قومي في البيوت المصرية ام انه أصبح كذلك في لبنان فقط..

المثير في التدوينة هو البحث المكثف في الموضوع وتدعيم وجهة نظرك بالفيديو..مش مصدقة نفسي حاسه أني أقرأ بحث عن ظاهرة غياب الأب في ظل انتشار القنوات الفضائية...

فتوح أبو المفاتيح يقول...

امممم جميل جدا
توضح وبشدة اثر الاعلام
بس دي مش اغاني اطفال
الجديد منها كلها
دي اغاني للكبار بس نوع من التخفيف بدلا من اغاني حب وغرام

اعلام مدمر
مش مجرد الاغاني بل بكل حاجة فيه
حلوة جدا المفارقات و المقانات اللي عقدتها بين الاغاني
قديما وحديثا
بس ايه الحل في رأيك ؟؟؟
انت شايف ايه؟

البراء أشرف يقول...

ممممممم

إعلام مدمر..؟؟!! يمكن

بس فين المشكلة مش واخد بالي.. إنت بس حط إيدي ع المشكلة وأنا هجتهد أدورلها على حل..

صباح الجمال

معتز شاهين - باحث تربوي يقول...

أكيد وجود الأب ضروري في التربية
وده شغلتي ولعبتي
بعد إذن ك بالطبع

عرض ساخر وبسيط لمشكلة مهمة ومعقدة
وتحتاج إلى حل فوري وجذري

هو بابا راح فين؟؟

تحياتي على تلك المدونة
ويبقى التواصل

غير معرف يقول...

متخلف ايضا

غير معرف يقول...

أبشر يا براء
عمرك ما هتكون حاجه محترمه فى يوم ولا انت ولا مراتك
ووجهه نظرك متخلفه ومعقده ومليئه بالانحلال
واعمل اللى عاوزه وبرضه مش هتكون حاجه كويسه ومحترمه

غير معرف يقول...

القصه ملفته للنظر جداً و اسلوب السرد طريف و غني بالملاحظات.. يدل اكيد على ذكاء صاحبه و روحُه الحلوه.. وعجبتني فكرة التحليل كتير.. بس انا اللي محيرني بصراحه آخر تعليقين من مصادر غير معرفه و بيقولولك كلام غبي!!!
انا عن جد نفسي افهم كيف العالم بيفكر.. اللي استفزني اكتر انو يا اخي لو ما عجبك الكلام لا تضيف تعليق (بارد) متل هاد.. على كل حال.. شكراً اخي براء على مواضيعك الطريه و الجريئه جداً جداً جداً .. و احترامي الكبير لزوجتك(انا برضو بحب مواضيعها و كلامها) سلام

غير معرف يقول...

by the way...
انا رنا من فلسطين, بس ما عنديش id في ال bloggers عشان هيك بطلع غير معرف!!! سلام مره تانيه

غير معرف يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
غير معرف يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
غير معرف يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
كلمات سر جراند 5 يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.