‏إظهار الرسائل ذات التسميات نشر على عشرينات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نشر على عشرينات. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، سبتمبر 11، 2007

إلى حداشر.. مع تحياتي!


أخويا وصديقي.. يومي الذي أعيشه منذ 22 سنة..

تحية طيبة.. وبعد..

بالعامية أقول لك إني "واخد على خاطري منك"، يا راجل، بقى أنت يطلع منك كل ده؟؟، فين أيام زمان لما كنت مجرد يوم زيك زي غيرك، كل ما يميزك عن باقي أيام ربنا أنك تاتي قبل بداية الدراسة بأربع أيام (لأن عادة الدراسة تبدأ يوم 15).. ومنذ سنوات أكتشفت أنك أيضاً كنت حاضراً في لحظة مميزة جداً.. وهي لحظة حضور أبويا إلى الدنيا.. من حوالي 45 سنة.

إذن يا يوم يا طيب.. لماذا يحدث فيك كل هذا.. ولماذا يحدث بسببك كل هذا؟.

أنا أذكر ما حدث فيك جيداً، كنت أسير أمام مركز شباب الصفا في شارع الهرم، ثم هفتني نفسي على فطيرة من عند محل هناك اسمه "العمدة" أو "الدوار"، ودخلت أطلب الفطيرة لأجد الفطاطري تاركاً عجينته التي كان يطيرها في الهواء بحرفنة وكنت أستمتع وأنا أشاهده، ليجلس أمام التليفزيون يشاهد البرجين في يد فطاطري محترف، استطاع هدمهما في لحظات.

سألته بسذاجة مراهق : "إيه اللي حصل يا ريس؟؟"..

فرد هو بجهل فطاطري : "إنجلترا بتضرب أمريكا؟؟"..

أقوله أنا : إزاي

يرد هو : من شوية طيارة ضربت البرج زي ما أنت شايف، وبعدها قالوا إن البنتاجون بتاع لندن اتضرب..

وقتها لم أكن أعلم أن لندن لا تملك بنتاجوناً، وأن البناجون الوحيد الذي عرفته الدنيا كان في الولايات المتحدة، لكن بقدرة قادر تحولت سذاجتي إلى جهل، ورفعت سماعة التليفون دون أن أستأذن الفطاطري الذي كان مشغولاً بسماع صوت أحد المحللين على القناة الأولى المصرية يقول بضعة تفسيرات عما حدث، اتصلت بأبويا وقلتله : "بابا.. أنا هتأخر شوية.. أمريكا وإنجلترا بيضربوا بعض.. هشوف إيه الحكاية وأروح على طول".. ليرد أبي فرحاً بهذا الفتى المقدام الذي ظن في نفسه القدرة على حل الخلاف البسيط الانجلو سكسوني.. "براحتك يا ابني"..

طبعاً لم يتركني الفطاطري أخرج من المحل قبل أن أدفع نص جنية ثمن المكالمة، وأعتذر بعدم اهتمام عن إعداده لفطيرتي التي طلبتها، ناصحاً إياي بطلب بيتزا من "دومونيز بيتزا"، حيث سيغلق هو المحل ويذهب إلى المقهى لمتابعة الأحداث بشكل أفضل في قناة الجزيرة.

شوفت يا عم حداشر؟؟، ضيعت علي الفطيرة، وجعلتني أبدو كمتخلف في الميكروباص الذي ركبته من محطة حسن محمد في الهرم إلى مكان ما لا أتذكره الآن، حيث دار نقاش ميكروباصاتي حميمي بين خمسة أشخاص كنت أنا سادسهم، وبينما كان أحدهم يمسك براديو تانزستور يتابع فيه مستجدات الأحداث، كنت أنا اتفزلك مشيراً إلى الدور الخطير الذي تلعبه كوريا الشمالية في الأحداث، وأن بن لادن خارج إطار الشبهات، حيث إنه مات منذ شهرين كما قرأت في جريدة الميدان القاهرية.

لكن يا صديقي حداشر كل كلامي ضاع وانتهي، وذلك مع طلوع شمس أختك اتناشر، بعدك بـ24 ساعة..

أنت يا صديقي لا تعرف ما حدث لنا بسببك، فلو كنت تعرف، لكنت على الأقل استحيت على دمك وفكرت ألف مرة قبل أن تأتي لنا مجدداً، فما بالك وأنت تأتي مجدداً رغم ذلك كل عام، وعلى مدار ستة أعوام كاملة.

دعني أصارحك بالحقيقة، أصدقائي هنا في العالم الثالث يشعرون بالخنقة منك، يشعرون أنك "علمت عليهم"، أنك هزمتهم، حتى أن مجانين في العباسية تجدهم يجلسون عند أول سبتمبر يقولون "بس لما أشوفك يا حداشر"، ومجنون آخر طالب بأن تكون أنت مثل ابن عمك أول إبريل، مجرد كذبة لا يصدقها أحد.. لكنك يا صديقي حقيقة!

أبي فكر أكثر من مرة في تعديل تاريخ ميلاده، وحين تأتي النتيجة الجديدة إلى مكتبه أول كل عام، فإنه يفتحها بلامبالاة باحثاً عن الورقة التي تحمل اسمك، ليعلم عليها بالاحمر ويكتب "لاغي"، أبي لم يخبرني أنه يفعل ذلك، لكني شاهدت الورقة يا صديقي.. وأشفقت عليك.. أنت لا تستحق كل هذا أيها اليوم العزيز.

تسألني لماذا أكتب لك كل هذه السطور؟، ومن أنا أصلاً حتى أكتب إلى يوم مثلك في أهميتك قدرك ومكانتك..

أنا يا صديقي اليوم.. أرغب في إسداء بعض النصائح لك، هذا إذا كنت ترغب في تحسين صورتك عند شعوب العالم الثالث..

أعلم أنك مستمتع بصداقة هؤلاء في الجزء النظيف من الكرة الأرضية، والذي يحملون لك "خلف دموعهم" الكثير من الاحترام والتبجيل، فما خططوا لفعله في سنوات، حققوه في يوم واحد هو أنت.

أنت يا صديقي في الجزء النظيف من الكرة الأرضية تشعر بمكانتك، يصنعون لك "مولد سيدي حداشر"، يسبحون بساعاتك، ويسألون ربهم "اللهم بلغنا حداشر" حتى وهم لا يزالون في مايو، هذا بعد أن ينهوا طوال السنة دعائهم الآخر.. "اللهم تقبل منا حداشر وأجعله في ميزان حسناتنا في مجلس الأمن يوم ضرب إيران".

إن كنت ترغب يا صديقي في أن يكون لك بعض الأصدقاء هنا في هذا الجزء من العالم، فأنت في حاجة لان تعطي أبناء هذا الجزء أي نوع من أنواع الانتصارات..

تأخذ مصر كأس العالم فيك مثلاً، أو ينتشر فيديو إباحي لهيفاء وهبي، فيك أيضاَ، وتتم إذاعة الفيلم على القناة الأولى على التليفزيون الأرضي، أو ينتشر خبر ما في القاهرة، ثم نكتشف أنه ليس إشاعة.. أو.. اقول لك.. يموت شارون.. هو أصلاً مات من زمان لكن إسرائيل تحنطه في المستشفى وعندها أمل في عودته للحياة.. فليموت شارون اليوم يا حداشر.. وأنا واثق أن أبناء هذا الجزء من الكرة الأرضية سينسون ما جرى لهم فيك منذ سنوات..

نحن يا حداشر طيبون.. ننسى الإساءة بسرعة، ونعرف أن لا ذنب لك في كل ما جرى سوى أنه صادف وجودك.. لكن هنعمل إيه.. لم نقدر على "الحمار".. فاتشطرنا عليك..


توقيع
مواطن مصري من الجزء الثاني في الكرة الأرضية

الأحد، يوليو 22، 2007

إحنا بتوع المترو..




كانت مجرد فكرة ساخرة، أن تتم معالجة فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" مرة أخرى، وتقديمها من جديد في 2008 باسم "إحنا بتوع المترو"، وفي الفيلم، يقبض نظام مبارك على ركاب مترو أنفاق كامل بعد الإشتباه بهم.

لكن الفكرة تحولت إلى واقع.. يمكنك تجربته بنفسك، فقط عن طريق.. ركوب المترو.

مع ظهور مترو الأنفاق في القاهرة كان أسهل شيء في الوجود هو "التزويغ" من دفع التذكرة، وهي طريقة سهلة جداً خاصة مع غياب "كومسري" الأتوبيس الذي ينادي كل لحظة "تذاكر يا حضرة".. اعترف أني في المرة الأولى التي ركبت فيها المترو كنت أمسك التذكرة في انتظار الكومسري الذي سيتأكد من أنني أحملها، وسيقطع لي واحدة أخرى في حال ضياع الأولى أو تزويغي من شراءها.

لكن هذا لم يحدث، وكانت متعتي الأولى والاخيرة هي إبلاغ موظف الشباك بأني نازل "الأوبرا" في حين أني سأذهب "للخلفاوي" حتى أحظى بتذكرة بـ"50 قرش" بدلاً عن أختها الكبرى "أم 75"..

واضطررت مرة للقسم أمام مراقب الماكينات أن موظف الشباك الأول غلط وأعطاني هذه رغم دفعي لثمن تذكرة أكبر، وكانت النتيجة 10 جنيهات و40 قرش غرامة، دفعتها رغم أنفي.


الآن.. بعد طول خصام مع المترو لصالح لعنة الله في الأرض "ميكروباص الجمعية"، اضطررت مرة أخرى لركوب المترو مع زوجتي المصون التي تختاره لأنه "الحاجة الوحيدة اللي مفيهاش مطبات"، حيث أن المطبات خطر على الحمل.

تخاطب زوجتي مشاعري الأبوية التي لم تتفجر بعد، وأستجيب أنا بسهولة، وأركب المترو، وأستمتع بقصر المسافة بين "فيصل" و"البحوث"، من أول شارع الهرم حيث أسكن، للدقي حيث أعمل..

في المرة قبل الأخيرة، سحبني الظابط من يدي، وقال "الشنطة".. مددت يدي بها.. قال "افتحها".. فتحتها فقال "إيه ده".. أخبرته بأنه "لاب توب".. نظر إليه بحب وتمني، دقق النظر في البطاقة التي طلبها مني منذ قليل.. "اسمك إيه؟؟"..

لسبب لا اعرفه أصبحت أتمتع بكراهية لكل ما يرقد النسر على كتفه، ولسبب أعرفه فإن الكراهية تتحول إلى غلظة واستهانة وازدراء، حتى في المرة الأخيرة التي استدعاني فيها "البية" من مكتب أمن الدولة ليسألني "بتعمل إيه على الإنترنت؟"، كانت النتيجة أنني انفجرت في وجهه بصوت عالي أخبره أنه لا يملك الحق في "لطعتي" في الاستقبال ساعة ونصف ليسألني في النهاية "بتعمل إيه على النت" وإن كان عندي تليفون في البيت أم لا، ولماذا لا أسكن بيت جدتي في شبرا بعد أن تزوجت؟؟

(سأحكي لكم الحكاية فيما بعد.. انتظروها)

لهذه الأسباب أخبرت الظابط في المترو بصوت عالي إن اسمي مكتوب في البطاقة، وإنه إن كان يعاني من مشكلة في قراءته فتلك مشكلته الشخصية التي ربما يبحث عن شخص غيري ليحلها له، ولعل هذا ما جعله يعطيني البطاقة مرة أخرى في هدوء ويسمح لي بالمرور بالمعجزة التي أحملها في يدي "اللاب توب"..

وركبت المترو ووصلت عملي، وعدت مرة أخرى، وأنا لا زلت مواطن صالح مسكين لا أعرف خطورة ركوب المترو باللاب توب.. لكني عرفت.. الجمعة الماضية.

السبوبة وحدها اضطرتني لركوب المترو يوم الجمعة، قبل الصلاة، في الفترة التي أعتقد أن الله خلقها لننام فيها فقط، حتى هؤلاء الذين يلتزمون بقراءة سورة الكهف كل جمعة، يفضلون قراءتها مساء الخميس، حتى يحظون بحقهم الدستوري في النوم قبل الصلاة وحتى موعد التواشيح الأولى.

لكن.. لا نوم مع سبوبة.. موعدي في المعادي.. إذن هو المترو..

داخل محطة فيصل.. سألني ظابط آخر عن اسمي في البطاقة، وعن الشنطة واللاب توب.. وسمح لي بالمرور..

في محطة المعادي مررت دون إزعاج.. ذهبت لسبوبتي، صليت الجمعة، اصطحبت لاب توبي في طريق العودة.. ورجعت إلى المحطة، قطعت تذكرة من فئة موحدة "100 قرش".. وضعتها في الماكينة.. ووضع الظابط ذو النظارة السوداء يده على حقيبتي.. و"ثانية واحدة يا أبو الكباتن"..

...

في مكتب أمن الدولة قلت للظابط، "أنا مواطن بدافع عن حقي يا باشمهندس"، وقد تسبب ذلك في ثورة عارمة كادت أن تجعله يستخدم معي "التنميلة" التي أمر مساعده بإحضارها من الغرفة المجاورة، طالما يغضب سيادته من "باشمهندس" لماذا لا يعرف صديقه وزميله في المترو أن الله وهبني اسماً غير "أبو الكباتن" وأنه يستطيع منادتي بـ"أستاذ" أو "حضرة" أو حتى "باشمندس" علماً بأني لن أستخدم معه التنميلة التي لا أعرف شكلها ولا طريقة استخدامها..

...

- ايه ده يا "أبو الكباتن"؟؟

- لاب توب..

- وأنت رايح فين يا "أبو الكباتن"؟؟

- الجيزة

- سيد.. أوصف لـ"أبو الكباتن" طريق ميكروباصات الجيزة..

- بس أنا هركب المترو..

- لا معلش يا "أبو الكباتن"، ممنوع ركوب المترو بأي أجهزة كهربائية.. واللاب توب جهاز كهربائي.. يا "أبو الكباتن"..

..

أخبرته أنني أركب المترو يومياً، ويتم تفتيشي والسماح لي بالمرور.. أخبرته أنني اركب الطائرة به وأشغله فيها، أخبرته أن اللاب توب أكثر من مجرد "جهاز كهربائي"، أخبرته أن المترو وسيلة مواصلات عامة.. وأن من حقي أن أركبه..

كل هذا لم يصلح معه، إذن، فهي القسوة مرة أخرى.. على طريقة "هو أنا كل يوم هلطش اتنين ظباط"...

"شوف يا باشمهندس.. أنا هركب المترو باللاب توب، غصب عنك.. أنا صحفي وهخرب بيوتكم.. وبمووووت في الفضايح، وانتوا مش ناقصين، وبعدين هتعمل معايا إيه.. أنا دلوقتي بزعق وبقولك إني مواطن غير صالح أرفض تنفيذ تعليمات وزارة الداخلية.. ياريت نروح مع بعض لرئيس المحطة"..

اكتشف الباشمهندس أن المحطة ليس لها رئيس ولا بها نقطة شرطة، سحبني على غرفة خالية، وسألني.. "بتشتغل فين؟؟"، "بشتغل في الدستور" (كان هذا منذ شهور)، بدأت النظرة تختلف.. دستور يعني فضائح، وربما يكون هناك مواطن شقي يجرب كاميرا موبايله أثناء هذا التلاحم الفريد الحميد بين الشرطة والشعب والمترو..

أفسح لي الطريق وهو يذكرني بأنه ليس خائفاً من "حتة صحفي"، تماماً كما أفرج عني "الباشمهندس" في أمن الدولة من أسابيع ثلاثة حين أخبرته أن "3 منظمات حقوق انسان واحدة منهم برة مصر، وقناتين فضائيتين الجزيرة واحدة منهما عارفين إني في مكتب أمن الدولة"..

في المترو بعد أن مررت وركبت.. تحولت العربة التي ركبتها إلى مقهى ثقافي.. ومحراب صلاة.. مقهى للحديث حول الظلمة اللي عايزين يمنعوا المواطنين من ركوب المترو.. وجدوى جهاز الأمن في مصر ومدى كفاءته، ومحراب للدعاء على الظلمة ذاتهم.. والدعاء لي بإن "ربنا يديك على قد نيتك"..

الآن.. يكتمل الفيلم في رأسي.. "إحنا بتوع المترو".. أبحث فقط عن أغنية مثل التي غنتها شادية في الفيلم.. "عملتوا إيه يا ولادي؟؟".. في الخلفية يرد الكورال "شيلنا لاب توب في المترو يا أمي"..

الأحد، مايو 06، 2007

فيصل.. ربما في شارع آخر!


ستدخل إليه من مداخل عديدة.. كلها – بلا استثناء – خادعة وكاذبة!

تخيل معي أنها المرة الأولى التي تدخل فيها إلى شارع فيصل، ربما تختار الدخول إليه من الطريق الطبيعي، ميدان الجيزة، تعرف بالتأكيد الجيزة وزحامها، لكنك ستقطع المسافة من قلب الميدان إلى مطلع الكوبري بسرعة، تنطلق على الكوبري وكأنك "راكب الدائري".. ثم تلمح من بعيد الأضواء الخلفية الحمراء لمئات السيارات التي وقفت بإجلال في إشارة صغيرة هي فقط.. إشارة البداية في شارع فيصل!

ستلجأ إلى الحيلة في المرة الثانية، وتفكر في دخول الشارع من الطريق الدائري، ستمر من خلاله قادماً من شبرا، ثم منزل المريوطية، تسير طويلاً في طريق تحيطه أشجار وترعة، منظر يوحي لك وكأنك تملك الدنيا بما فيها، ولا شيء على الإطلاق قادر على توقيفك.. ثم.. الأضواء الخلفية الحمراء مرة أخرى، إنها سيارت – ربما هي ذاتها السابقة – تقف إجلالاً لإشارة شارع فيصل الأخيرة بالمريوطية..

تسلك شارع فيصل من مدخل آخر بدافع أخلاقي، جئت من طريق الإسكندرية الصحراوي، وتفكر أنه ربما من غير اللائق أن تشاهد زوجتك الجالسة إلى جوارك ما لا يرضيها في شارع الهرم، إذن فليكن فيصل هو البديل، وهناك.. ستشاهد ما لا يرضي أحد على الإطلاق.

كل مداخل شارع فيصل تخدعك في البداية، تبدأ سريعة، ثم تقع في المصيدة، المشكلة الحقيقية ليست في المداخل التي ستكتشف خدعتها بعد أن تجربها مرة واثنين، الأزمة يا صديقي.. في المخارج!

دعنا لا نظلم فيصل.. شوارع القاهرة كلها مزدحمة.. لكن من قال أن ازدحام الشارع هو ما يميزه.. إنها فقط مقدمة تليق بشارع ربما هو الأطول في شوارع العاصمة بعد صلاح سالم، وإن كان الحديث عن زحامه لن يكون مبالغة مهما تحدثنا.. لكنه فقط إهانة لبضعة أشياء أخرى تميزه..

أنت في فيصل داخل جمهورية مستقلة تنفصل تماماً عما يحيطها..

يحكي لي أبي أن هذا الشارع كان فيما سبق محاطاً بالأراضي الزراعية، ستلمح ذلك في قطع خضراء صغيرة في "حسن محمد" أو "الطوابق" أو "كفر طهرمس".. وكلها أسماء محطات بالشارع الشهير.

ويحكي لي أبي أيضاً أن شارع فيصل وشارع السودان كانا في الأصل شارعاً واحداً، وأن الكوبري الواصل بينهما تم بناؤه بمنحة من السعودية، ولهذا سمي الشارع باسم العاهل السعودي وقتها الملك "فيصل آل سعود".

سأحكي لكم عن الأشياء التي شاهدتها فعلاً، سأهمل جذور الشارع التاريخية، لأنه شارع بلا جذور.

في فيصل ستركب السرفيس، سيارة ميكروباص لن تجدها إلا فيه، هي دائما مرتفعة من الأمام ومنخفضة من الخلف، هي دائما تسمح بركوب أربعة أفراد في كل كنبة من الناحية النظرية فقط.. هي دائما مكان مفضل لسماع أغنيات سعد الصغير وشعبان عبد الرحيم وعماد بعرور..

هي دائما كذلك يقودها سائق لا يعرف والده من أمه.. لا يفرق بين طفل وعجوز، المهم أن تمتلئ السيارة من محطة إنطلاقها، وأن يتم إفراغها أكثر من مرة في كل محطة فرعية تمر بها.. تسألني عن المحطات الفرعية.. أنا أخبرك بها..

ولأن الطريق بين ميدان الجيزة وآخر فيصل طويل أكثر مما ينبغي، فإن سائقي الميكروباص الذين لن يرضوا بالتأكيد بنصف جنيه أعمى (شأن كل الجنيهات المصابة بالعمي في مصر)، فإن الحيلة - والكفاح من أجل البقاء – دلتهم على طريقة مبتكرة لتحسين دخلهم، تقسيم الشارع إلى محطات.. من الجيزة حتى العشرين، ومنه إلى حسن محمد، ومنه للمطبعة، ومنها للمريوطية، ومن الأخيرة إلى مشعل وآخر فيصل.. ومنهم لله..

وفي كل مرة ركاب جدد و"أنصاص" جنيهات جديدة تنهال على السائق الذي يقود طرباً بأنغام شعبية صاخبة تخرج ثائرة من كاسيت الميكروباص الصغير الذي يكافح هو الآخر من أجل البقاء أمام ميكروباص الجمعية المنتشر في ربوع المحروسة، والذي يجعلك تراه من بعيد كدابة خرجت في آخر الزمان عند فساد الناس..

لكن غير الميكروباص، هناك أيضا ما يميز شارع فيصل..

"كبابجي المنوفي"، محل الكباب الأشهر ربما في القاهرة والجيزة، حسن محمد.. المحطة التي لا يعرف أحد على الإطلاق صاحب اسمها، حتى صاحب الاسم نفسه ربما غادر الدنيا دون أن يعرف أنه سيكون الرجل الأشهر في شارع يبلغ تعداد سكانه 3 مليون نسمة على أقل تقدير..

أو "الطوابق".. دعني أولاً أخبرك سبب تسميتها..

الحكاية وما فيها أن المحطة بها ثلاثة شوارع متوازية، وهو ما جعل ذهن أحدهم – من الجدود الأوائل للفيصليين – أن يتخيل شكل الشوارع الثلاثة وكأنها أطباق رصت فوق بعضها.. وأطلق عليها اسم الطوابق!

اركب أي تاكسي وقل له "الطوابق".. سيقف لك.. ويسألك أسئلة قصيرة.. "أنهي طابق؟".. "على الشارع ولا جوه؟".. إن كانت إجابتك "الطابق التاني"، "جوه".. فأنت يا صديقي خاسر.. طريقك إلى الطوابق عبر التاكسي يجب أن يظل دائما منتهياً عند "بره".. لأن "جوه" عالم آخر وشارع آخر وموضوع آخر..

وفي فيصل أيضاً، ستسأل نفسك كل مساء وأنت تسلك الطريق إلى بيتك عن سر الجزيرة..

والجزيرة هي رصيف عريض يشق الشارع ويفصل بين الرايح والجاي، وفيه حوض عريض من الزرع، لو تمت تقليص مساحته لشملت حارة للسيارات في كل إتجاه، لكن المسؤولين عن الشارع يخشون بالتأكيد أن يفقد شارعهم مكانته باعتباره الأسوأ مرورياً في تاريخ مصر.. فإن تقلصت مساحة الجزيرة ربما يصبح الشارع أسرع وتصبح الحياة أسهل على مواطنيه.. وهي بالتأكيد أمور لا تهم القائمين على أمور الشوارع في مصر!

أخيراً، يبقى فيصل والإنترنت..

دخلت على "جوجل" أبحث عما يتعلق به، وعلى "ويكيبيديا" وجدت الرابط التالي..

يبقى لي اعتراف بسيط.. أن الكتابة عن فيصل ستظل عبثية وفاشلة لهؤلاء الذين اعتادوا عليه.. فيصل يبحث عن عين مصوراتي من مدينة نصر، يلتقط كل تفاصيله بانبهار، وفيصل يفتش عن قلم كاتب ارستقراطي مر به ذات مرة وهو تائه، ليكتب قلمه عن عجائب الدنيا السبعين.. الموجودة في تفاصيله الصغيرة..

أما أن يكتب "فيصلي" عن فيصل، فستمنعه النخوة من الحديث عن مقهى الشمندورة الملتقى الرسمي للدعارة النظيفة بالمنطقة، أو شارعي "حسن محمد" و"العريش" حيث اعتاد شباب الشارع تجربة المعاكسة للمرة الأولى ثم احترافها للأبد.. وسيمنعه الحرج من الحديث عن التوك توك والفواعلية.. وسيمنعه ذكاءه من التصريح بالطريقة السليمة لركوب الميكروباص من أول الخط لآخره دون أن ينزلك السائق أو أن تدفع الأجرة مرتين..

فيصل يبحث عن واحد من هؤلاء الذين سيدخلون إليه من مداخل عديدة.. كلها – بلا استثناء – خادعة وكاذبة!، أما سكانه.. فهم يعلمون طبيعة مداخله ومخارجه.. وعلى استعداد لقتال المارينز حتى داخل حارته ودروبه وثناياته الضيقة.. دون أن يمكنوهم من الإمساك بواحد منهم.

هي أسرار في الشارع الضيق، تبحث عن "أجنبي" للحديث عنها.. لكن أن تجد بين أهلها من هو قادر على البوح.. ربما في شارع آخر!

الأربعاء، مايو 02، 2007

هيئة النـ(ش)ـل العام

أنا عادة – كأي مواطن مصري – لا أحب ركوب الأتوبيسات..

لكني ألجأ لها أحيانا هرباً من زحام المترو ورائحة العرق التي يغرق فيها حتى تظن أن المترو يسير تحت جلد أحدهم لا تحت الأرض..

وهرباً من لعنة جديدة ظهرت منذ سنوات في شوارع القاهرة والجيزة اسمها "ميكروباص الجمعية"، وهي تشبه الأتوبيس إلا قليلاً، وتتميز بأن لها تباع (مساعد سائق)، يتميز بثقل ظل وقلة ذوق وإنعدام رحمة، هو في الغالب لا يفهم إلا جملة واحدة.. "خش جوه شوية يا أستاذ الطرقة فاضية".. وتلك الطرقة تظل في نظره دائما فاضية وتقبل المزيد من كوكتيل اللحم البشري، ما بين ملتح يتأفف من التصاق سيدة بدينة به، أو مراهق يبحث عن فرصة للإلتصاق بصاحبة الرداء الجينزي الضيق، أو عجوز يبحث بين وجوه الجالسين عن شاب صغير يفترسه بنظراته عسى أن يشعر الأخير بتأنيب ضمير ويقوم من مقعده تاركاً إياه للعجوز.. (تكتشف في النهاية أن العجوز موظف أربعيني، كل ما يميزه خصلات من الشعر البيضاء ظهرت مؤخراً في رأسه.. لكن دونها.. فإن صحته.. بمب)..

هرباً من اللعنتين، (المترو والجمعية)، أجد نفسي مضطراً لركوب الأتوبيس..

تسألني عن التاكسي؟؟.. أقول لك..

تاكسي يا صديقي وأنت في سنوات زواجك الأولى؟؟، أو حتى لديك نية للارتباط، أو أن هناك دبلة فضية تزين يدك اليمنى.. بما يعني أنك (مخطوب – مخطوف – مخطول) باختصار، طالما أن هناك "إمرأة" ما في حياتك، فأنت محروم من ركوب التكسيات.. النساء يا صديقي يكرهن التكسيات..

حين أسير مع زوجتي، وأتعب من السير، أفكر كثيراً قبل النطق باقتراح ركوب تاكسي، ربما أقضي الليلة كلها مستمعاً لمحاضرة طويلة حول الإقتصاد والتدبير ونظرية القرش الأبيض ونظيره الأسود.

إذن، نتحدث عن الأتوبيسات..

أنت تعلمها جيداً، تعرف زحامها وخنقتها، تحفظ رائحتها، تدمن هتاف بائعيها.. "صلي على رسول الله، لا بنشحت ولا بنقول لله.. معايا الفلاية تطلع ميت قملاية وتفرق بين الدكر والنتاية.. صلي على رسول الله.. معايا من الإبرة للصاروخ ومن الذرة للمجرة.. صلي على رسول الله"..

ربما لاحظت أن الأتوبيس هو الشيء الوحيد الذي يدور بموتور، ومكتوب أعلى رأس سائقه "صنع في مصر".. بعد سنوات من تشغيله، ستعيد الهيئة طلاءه، وتختفي "صنع في مصر" من مكانها تحت الطلاء.. ربما يضع السائق إعلان مكانها عن سماعات للأذن حجم كبير وصغير بالتقسيط داخل الأذن وخارج الأذن.. أو عن أكاديمية الكابتن روبي للتأهيل للكليات العسكرية..


تعرف أيضا شحاتين الأتوبيس..

أنا أحكي لك عنهم.. الفكرة تعود لسنوات، عندما اشتهر الأتوبيس بين المصريين بأنه المكان المفضل للنشالين، حتى جاء الوقت الذي كنت تلمح فيه الأتوبيسات فارغة، خاف المواطنين من ركوبها أول الشهر حتى لا يضيع المرتب بأنامل نشال محترف.. الرجال في مصر يفضلن ضياع المرتب بأنامل زوجاتهم أمام باترينات محلات الملابس النسائية والإكسسوارات.. أو في قسم الحفاضات بصيدلية المنطقة..

لكن "المصري هيفضل مصري".. تراجع النشالون عن النشل، ربما خوفاً على سمعة "هيئة النقل العام"، وفكروا في طريقة جديدة للحصول على محتويات جيوب الرجال دون أن يصبحوا زوجات لهم.. النشال يرفض أن يكون زوجة!

يبدو أن نشال مثقف قرأ "وصف مصر"، ونشل نسخة جديدة من "ماذا حدث للمصريين" و"عصر الجماهير الغفيرة" للدكتور جلال أمين، يبدو أنه فهم كيف يفكر رجال ونساء وأطفال وشيوخ هذا البلد..

أفضل طريقة للحصول على ما في جيوب المصريين، هي أن تطلب منهم هذا بذوق وخفة.. وتضرع!

بين شعوب العالم لا يوجد شعب عطوف وحنين كشعبنا..

بين شعوب العالم شعب واحد فقط يعرف أن.. "حسنة قليلة تشيل بلاوي كتيرة"..

شعب واحد يدعو في صلاته "يجعل بيوت المحسنين عمار"..

إذن هي الشحاتة يا فتى..

في رمضان سيركب أحدهم الأتوبيس بسرعة ووجه مخطوف، يحدثك عن السيدة الفاضلة جارتهم التي ماتت فجأة، والتي يبحث أهل الحارة عن ثمن كفنها..

ستذكرك "السيدة الفاضلة" بجدتك رحمة الله عليها، وستقع كلمة "الحارة" في قلبك، كم تشتاق إلى حارتك القديمة، أما "الكفن"، فسيعطيك نفحة إيمانية وصوفية تحتاج إليها لتبدأ رمضان جديد جاء توقيته غريباً، بحيث يسبقه كليب جديد لهيفاء وهبي، ويأتي بعده فيلم سينيمائي يستحق المشاهدة.. اسمه "عليا الطرب بالتلاتة".. وهو الذي سيكون سبباً في أن يتذوق شباب جدعان من ولاد مصر طعم التحرش أمام سينما تعرضه حين تقرر بطلته المصونة الرقص أمام بابها، وستعترف بعد ذلك أنها رقصت – فعلا – لكن ببنطلون جينز وتيشيرت.. (قطع على مشهد الشاب الواقف في ميكروباص الجمعية ينتهز فرصة الإقتراب من ذات الرداء الجينزي).. هي لا تعرف بالتأكيد كم أصبح الجينز مثيرا في الأيام الماضية.

داخل الأتوبيس، ستجد ألف حكاية حكاية، كل واحدة منها، قادرة على جعل نجيب ساويريس يعتنق الإسلام، ويجلس على بوابات السيدة، شأنه شأن المجاذيب.. يهتف مدد يا أم العواجز .. هذا بعد أن تبرع بكل ما يملك لـ"دار رسالة للأيتام"..

لكن النشل – باعتباره وظيفة – يبحث الناشل فيه – باعتباره موظفاً – عن أفكار جديدة تجعله يقوم بجهد أقل، على أن يزيد "مرتبه"..

في أتوبيسات عديدة، ركبتها عن طريق الصدفة، وجمعت منها ما تيسر من أوراق سقطت بين يدي، وكان الرامي مرة شاب تظاهر بأنه أبكم، وفي المرة الثانية فتاة منتقبة، مرت بهدوء بين الكراسي وأسقطت في حجر كل مواطن ورقة..

في المرات كلها.. كنت أضطر لدفع جنيه لكل منهم، حتى يظفر بالجنيه وينسى الورقة، أنتظر نزوله، وأضع الورقة في محفظتي، وأنتظر أن تأتي فرصة ما، أفرج فيها عما جمعت.. وقد واتتني الفرصة الآن.. خاصة وأني أكتشفت أنني فقدت ورقات ثلاثة، لينخفض عدد ما جمعت من أوراق من خمسة.. إلى اثنتين..

اقرأ الورقتين ولاحظ التشابه..


يبدو أن هيئة النـ(ش)ـل العام، حين قررت التعاون مع هيئة النـ(ق)ـل العام، وظفت لديها محرراً رديئاً، لا يملك القدرة على الإبتكار.. فتجد إنتاجه متشابه.. وخطه رديء.. من يدري.. ربما أخبره الجمهور في الـFeed back، أن هذه الطبخة تعجبهم أكثر وهو ما جعله يحافظ عليها..

لست أدري.. فقط أتذكر وأنا أنزل من الأتوبيس وفي جيبي ورقة جديدة..

أنا عادة – كأي مواطن مصري – لا أحب ركوب الأتوبيسات..

وأنني أركبها مضطراً، هارباً من زحام المترو ورائحة العرق التي يغرق فيها حتى تظن...،

الثلاثاء، مايو 01، 2007

داخل شقة.. في مصر الجديدة



"أمانة عليك يا ليل طول.. وهات العمر م الأول.. بحب جديد وقلبي سعيد.. يا ريتني عشقت م الأول"..

تسمع هذا المقطع في النصف الثاني من الفيلم، هي ليست الأغنية الوحيدة التي ستسمعها فيه، سيعلو صوت "ليلى مراد" برائعتها "قلبي دليلي"، وسيخترق صوت "أم كلثوم" اذنك بـ"فات الميعاد"، وسيقدم لك راديو التاكسي الذي تركبه البطلة "يا مسافر وحدك" لـ"محمد عبد الوهاب"..

تشعر أن صناع الفيلم يداعبون قلبك، يغازلون خيالك، ربما تبكي من التأثر، ربما تسرق ابتسامة ذكرى لحبيبة قديمة فرقت بينكما الأيام.. لكنك لن تملك ترف السرحان في حكاياتك العاطفية بعيدا.. لأن هذا الفيلم – على عكس الأفلام الرومانسية – يمنعك من السرحان..

لماذا يشاهد الناس أفلاماً رومانسية؟، لماذا أجلس في قاعة مظلمة لأشاهد شخصين غيري وغير حبيبتي يتبادلان العبارات الرومانسية الجملية التي لا أقولها لحبيبتي الجالسة إلى جواري، وبالتالي لا أسمعها منها، رغم أن حبيبتي – شأن أي حبيبة – ستسألني بعد أن نغادر قاعة العرض، لماذا يا ترى لا أقول لها كلمات كتلك التي قالها البطل للبطلة..

يعتقد صناع الأفلام الرومانسية أن الناس تشاهد أفلامهم ليروا تلك الأشياء التي لا يفعلوها في الحقيقة، أو بمعنى أدق الأشياء التي يعجزون عن فعلها، لأنها ببساطة أشياء يرفضها واقعهم ومجتمعهم.. وبذلك، تظل الأفلام ساحرة، وقادرة على جذب الجمهور لدخول السينما.. وجهة النظر السابقة قالها منتج الفيلم الأكثر رومانسية "A Walk to Remember "، ومن بعده "طارق العريان" حين كان يحاول الدفاع عن فيلمه الرومانسي الوحيد "السلم والتعبان"..

ورغم أن صناع تلك الأفلام يعرفون سر صنعتهم جيدا – الذي لم يعد سرا – إلا أنهم لا زالوا يعلمون أنه ميزة وعيب في وقت واحد، وبالتالي فإن مستوى الكمال الذي يبحث عنه أي صانع للأفلام سيكون بتعديل الوصفة قليلا، بحيث ترى على الشاشة تلك الأشياء الرومانسية التي لا تستطيع أن تفعلها في واقعك، بالإضافة إلى أشياء أخرى قليلة، يمكنك فعلها ببساطة مع حبيتك، دون أن يتهمك أحدهم بالجنون أو الإنحلال الأخلاقي.

هذه الطبخة المعقدة هي ما حاولت المؤلفة "وسام سليمان" وزوجها المخرج محمد خان تقديمها في فيلمها الثاني بعد "بنات وسط البلد"، وفي فيلم وسام الثالث بعد "أحلى الأوقات"، ففي "شقة مصر الجديدة" ستجد نفسك غير قادر على إهمال تفصيلة أن المؤلفة والمخرج زوجان في الواقع، وأنك تشاهد إبداع مشترك لمؤلفة متميزة ومخرج كبير، وبين زوجين مصريين قررا سويا أن يتحدثا عن الحب في 2007 من وجهة نظر "إمرأة ورجل"..

الأحداث تبدأ بموسيقى رائعة ألفها "تامر كروان" وأستخدم جملا لحنية تمزج بين الكمان والبيانو، وترى على الشاشة "أبله تهاني" مدرسة الموسيقى بمدرسة الراهبات بالمنيا، وهي تظهر مرة واحدة في الفيلم رغم أن الأحداث كلها ترتبط بها، تظهر وهي تحدث الفتيات في حصة الموسيقى عن الحب، وتعلمهن غناء "قلبي دليلي" لليلى مراد، ثم مشهد سريع لطرد المدرسة خارج الفصل وخارج المدينة كلها، بعد أن اتهموها بأنها تفسد أخلاق البنات.. ترى المشهد بعيون فتاة صغيرة تقف خلف قضبان النافذة تلمح أبله تهاني التي تحبها..

تكتشف أن الفتاة الصغيرة هي نجوى "غادة عادل" التي تتربطها علاقة مع مدرستها التي تنتقل للإقامة في القاهرة، من خلال خطابات تصلها عبر البريد، وعبر إهداء الأغاني لها في برنامج "ما يطلبه المستمعون"..

تقرر الفتاة أن تذهب لزيارة "أبله تهاني" في القاهرة، وهناك تكتشف أنها اختفت، ولا أحد يعرف عنها شيئا، تبدأ رحلة البحث، وتولد علاقات "مختلفة" بين نجوى وبين سائق تاكسي، مديرة بيت مغتربات، حبيب قديم لأبله تهاني.. وأخيرا.. شاب يسكن جزء من شقة أبله تهاني بعد أن غادرتها وأختفت.. وظل خلال عام كامل يستقبل خطابات نجوى من المنيا ويقرأها..

أحداث الفيلم تدور خلال يومين فقط، بكل التفاصيل الدقيقة، محطة القطار، والتاكسي، والبحث عن مكان لقضاء ليلة واحدة في القاهرة، استديوهات الإذاعة التي تذهب لها نجوى لتحاول البحث عن أي شيء يقودها إلى أبله تهاني..

تلك التفاصيل هي ما تجعلك تستغرق في الحكاية وتمتنع عن السرحان، تجعلك تصدق الأحداث وتشعر أنك قادر على فعل كل شيء فيها، الفيلم صادق في كل تفاصيله، لا وجود للأحداث الخيالية التي طالما كانت تميز الأفلام الرومانسية وتمنعنا من تصديقها.. حتى النهاية، ليست سعيدة بالكامل، لم نرى المشهد المعتاد للـ"كلوز" على قبلة ساخنة بين البطل والبطلة..

"غادة عادل" ترتدي فستان واحد طوال النصف الأول من الفيلم، وتبيع سلسلة ذهبية صغيرة حتى تجد من الأموال ما تنفقه، حتى عندما يراقبها "يحي" ويجد شابا يغازلها، لا يتدخل بالشكل الذي نعرفه ونعتاد عليه، لم يستعرض عضلاته ويطير في الهواء ويقتل الوحش الذي عاكس الفتاة التي بدأ يحبها، حاول أن يعاقب الشاب دون أن تراه الفتاة، وتلقى علقة ساخنة، لم نراها نحن، فقط رأينا قميصا ممزقا، وهو ما ساعدنا على تصديق أن خناقة حقيقية حدثت، بدون ميكركروم ولا ورم كبير في الوجه..

طوال الفيلم ستشعر أن هناك "رجل وإمرأة" يحكيان القصة، ستسمع "يحيى" يحكي قصته، وبهاء والجار العجوز وسائق التاكسي، والزوج الذي يطلب من نجوى أن تدخل حمام السيدات لتطلب من زوجته الخروج لأنها تأخرت داخل الحمام..

وداخل الحمام ستسمع المرأة هي الأخرى تحكي، إمرأة تلد داخل حمام السيدات لأنها ترغب في تخفيف المصاريف عن زوجها، وترى مشهد الولادة بالكامل من خلال إنطباعات وجه غادة عادل التي اكتشفت نفسها من جديد من خلال عدسة "محمد خان"..

هي ليست عدسة خان تماما، فالكاميرا كانت تقف وراءها إمرأة أيضا هي مديرة التصوير "نانسي عبد الفتاح"، كما أن المونتاج كان بلمسة إنثوية لـ"دنيا فاروق"..

تسمع كذلك حكايات المرأة، قصة مديرة بيت الطالبات، والطالبة التي تحاول الإنتحار لأجل حبيبها الذي هجرها، تسمع حكاية "نجوى" نفسها، وحكاية "أبله تهاني" من خلال خطاباتها لنجوى..

لعل هذا ما يشعرك أنك أخيرا تشاهد فيلم من "أفلام المرأة" تخلص من عقد النساء التي اعتدنا أن نراها في تلك النوعية من الأفلام، و"أفلام المرأة" هي موجة الأفلام التي بدأت في الظهور مع فيلم "أحلى الأوقات" للمخرجة "هالة خليل" والذي كتبته "وسام سليمان"، و"حريم كريم" و"منتهى اللذة" و"ملك وكتابة"، وهي أفلام تختلف عن "سينما المرأة" الوحيدة التي كانت موجودة قبلها والتي كانت تحتكرها "الرائدة".. "إيناس الدغيدي".. ولعل المصادفة وحدها هي التي جعلت موعد عرض الفيلم في القاهرة يتزامن مع بداية فاعليات "مهرجان سينما المرأة" في القاهرة أيضا.

أنت الآن أمام فيلم سوي.. نصفه رجل (محمد خان) والنصف الآخر لإمرأة (وسام سليمان)، بينهما علاقة شراكة إبداعية فريدة (كمخرج وسيناريست)، وعلاقة إنسانية تلمحها خلال الفيلم (كزوج وزوجة).. ولعل هذه الشراكة هي ما كنا نفتقده في "بنات وسط البلد" الذي كان الحضور الأنثوي طاغياً فيه، للدرجة التي كادت لمسات "خان" أن تختفي من الفيلم بسببها..

لمسات "خان" كانت حاضرة بقوة هذه المرة، فتنويعات "الظل والنور" في تكوين الكادرات كانت واضحة وسحرية، وأضافت على الصورة جودة ونقاء، وسحرا وجاذبية، على كل تلك هي صورة "خان" اعتدنا عليها في "أيام السادات" أو حتى فيلمه الديجيتال "كليفتي".. إلا أنها هذه المرة كانت ذات حضور قوي على أحداث الفيلم خاصة في الكادرات التي يظهر فيها "خالد أبو النجا" بالموتوسيكل، و"غادة عادل" في التاكسي، وكلاهما يبحث عن الآخر..

"غادة عادل" أعادت اكتشاف نفسها بعيدا عن سطوة زوجها "مجدي الهواري" كمخرج ومنتج، وهو ما جعلنا نراها أخيرا بعيدا عن "حمادة هلال" في "عيال حبيبة"، أو "أحمد حلمي" في "55 إسعاف" وهي أفلام تعرفون قيمتها السينمائية جيدا.. هذا إن كان لها قيمة!
على باب الشقة!
يبقى "في شقة مصر الجديدة" فيلم فريد من نوعه، ناضج على مستوى الصورة والمحتوى، شريط صوت ثري تم اختياره بعناية، أحداث بسيطة ومتسلسلة تكاد تشعر أنها رواية تم تحويلها بعناية لشريط سينما ممتاز..

ستشعر في نهاية الفيلم، وأنت تخرج من بوابة السينما الخارجية وترى زحام السيارات ومظاهرة أضواء الإعلانات، ستشعر أنك تنتمي إلى العالم الذي في الداخل، حيث الغرفة المظلمة، وأبله تهاني، ويحيى، ومدرسة الراهبات بالمنيا.. ستشعر أنك لم تدخل هذا الفيلم، لقد "دخلك" هو دون أن تشعر، هو فقط كان يلمس إحساسك بهدوء..

ستندهش من أن صديقك لم يعجبه الفيلم على الإطلاق بل ويعتبره من أسوأ الأفلام التي شاهدها في حياته، ستنظر له بدهشة وتلعن في سرك "اللمبي" و"حاحا وتفاحة" و"كذلك في الزمالك"، سيساورك القلق بشأن مشاعرنا التي تبلدت وأصبحت أفلام خان لا تؤثر فيها.. ستترك صديقك وشأنه.. فالمهم أن الفيلم لمسك بهذا الشكل..

ستغني وأنت في الطريق إلى منزلك في ساعات الليل المتأخرة..

"أمانة عليك يا ليل طول.. وهات العمر م الأول.. بحب جديد وقلبي سعيد.. يا ريتني عشقت م الأول".