الثلاثاء، مايو 01، 2007

داخل شقة.. في مصر الجديدة



"أمانة عليك يا ليل طول.. وهات العمر م الأول.. بحب جديد وقلبي سعيد.. يا ريتني عشقت م الأول"..

تسمع هذا المقطع في النصف الثاني من الفيلم، هي ليست الأغنية الوحيدة التي ستسمعها فيه، سيعلو صوت "ليلى مراد" برائعتها "قلبي دليلي"، وسيخترق صوت "أم كلثوم" اذنك بـ"فات الميعاد"، وسيقدم لك راديو التاكسي الذي تركبه البطلة "يا مسافر وحدك" لـ"محمد عبد الوهاب"..

تشعر أن صناع الفيلم يداعبون قلبك، يغازلون خيالك، ربما تبكي من التأثر، ربما تسرق ابتسامة ذكرى لحبيبة قديمة فرقت بينكما الأيام.. لكنك لن تملك ترف السرحان في حكاياتك العاطفية بعيدا.. لأن هذا الفيلم – على عكس الأفلام الرومانسية – يمنعك من السرحان..

لماذا يشاهد الناس أفلاماً رومانسية؟، لماذا أجلس في قاعة مظلمة لأشاهد شخصين غيري وغير حبيبتي يتبادلان العبارات الرومانسية الجملية التي لا أقولها لحبيبتي الجالسة إلى جواري، وبالتالي لا أسمعها منها، رغم أن حبيبتي – شأن أي حبيبة – ستسألني بعد أن نغادر قاعة العرض، لماذا يا ترى لا أقول لها كلمات كتلك التي قالها البطل للبطلة..

يعتقد صناع الأفلام الرومانسية أن الناس تشاهد أفلامهم ليروا تلك الأشياء التي لا يفعلوها في الحقيقة، أو بمعنى أدق الأشياء التي يعجزون عن فعلها، لأنها ببساطة أشياء يرفضها واقعهم ومجتمعهم.. وبذلك، تظل الأفلام ساحرة، وقادرة على جذب الجمهور لدخول السينما.. وجهة النظر السابقة قالها منتج الفيلم الأكثر رومانسية "A Walk to Remember "، ومن بعده "طارق العريان" حين كان يحاول الدفاع عن فيلمه الرومانسي الوحيد "السلم والتعبان"..

ورغم أن صناع تلك الأفلام يعرفون سر صنعتهم جيدا – الذي لم يعد سرا – إلا أنهم لا زالوا يعلمون أنه ميزة وعيب في وقت واحد، وبالتالي فإن مستوى الكمال الذي يبحث عنه أي صانع للأفلام سيكون بتعديل الوصفة قليلا، بحيث ترى على الشاشة تلك الأشياء الرومانسية التي لا تستطيع أن تفعلها في واقعك، بالإضافة إلى أشياء أخرى قليلة، يمكنك فعلها ببساطة مع حبيتك، دون أن يتهمك أحدهم بالجنون أو الإنحلال الأخلاقي.

هذه الطبخة المعقدة هي ما حاولت المؤلفة "وسام سليمان" وزوجها المخرج محمد خان تقديمها في فيلمها الثاني بعد "بنات وسط البلد"، وفي فيلم وسام الثالث بعد "أحلى الأوقات"، ففي "شقة مصر الجديدة" ستجد نفسك غير قادر على إهمال تفصيلة أن المؤلفة والمخرج زوجان في الواقع، وأنك تشاهد إبداع مشترك لمؤلفة متميزة ومخرج كبير، وبين زوجين مصريين قررا سويا أن يتحدثا عن الحب في 2007 من وجهة نظر "إمرأة ورجل"..

الأحداث تبدأ بموسيقى رائعة ألفها "تامر كروان" وأستخدم جملا لحنية تمزج بين الكمان والبيانو، وترى على الشاشة "أبله تهاني" مدرسة الموسيقى بمدرسة الراهبات بالمنيا، وهي تظهر مرة واحدة في الفيلم رغم أن الأحداث كلها ترتبط بها، تظهر وهي تحدث الفتيات في حصة الموسيقى عن الحب، وتعلمهن غناء "قلبي دليلي" لليلى مراد، ثم مشهد سريع لطرد المدرسة خارج الفصل وخارج المدينة كلها، بعد أن اتهموها بأنها تفسد أخلاق البنات.. ترى المشهد بعيون فتاة صغيرة تقف خلف قضبان النافذة تلمح أبله تهاني التي تحبها..

تكتشف أن الفتاة الصغيرة هي نجوى "غادة عادل" التي تتربطها علاقة مع مدرستها التي تنتقل للإقامة في القاهرة، من خلال خطابات تصلها عبر البريد، وعبر إهداء الأغاني لها في برنامج "ما يطلبه المستمعون"..

تقرر الفتاة أن تذهب لزيارة "أبله تهاني" في القاهرة، وهناك تكتشف أنها اختفت، ولا أحد يعرف عنها شيئا، تبدأ رحلة البحث، وتولد علاقات "مختلفة" بين نجوى وبين سائق تاكسي، مديرة بيت مغتربات، حبيب قديم لأبله تهاني.. وأخيرا.. شاب يسكن جزء من شقة أبله تهاني بعد أن غادرتها وأختفت.. وظل خلال عام كامل يستقبل خطابات نجوى من المنيا ويقرأها..

أحداث الفيلم تدور خلال يومين فقط، بكل التفاصيل الدقيقة، محطة القطار، والتاكسي، والبحث عن مكان لقضاء ليلة واحدة في القاهرة، استديوهات الإذاعة التي تذهب لها نجوى لتحاول البحث عن أي شيء يقودها إلى أبله تهاني..

تلك التفاصيل هي ما تجعلك تستغرق في الحكاية وتمتنع عن السرحان، تجعلك تصدق الأحداث وتشعر أنك قادر على فعل كل شيء فيها، الفيلم صادق في كل تفاصيله، لا وجود للأحداث الخيالية التي طالما كانت تميز الأفلام الرومانسية وتمنعنا من تصديقها.. حتى النهاية، ليست سعيدة بالكامل، لم نرى المشهد المعتاد للـ"كلوز" على قبلة ساخنة بين البطل والبطلة..

"غادة عادل" ترتدي فستان واحد طوال النصف الأول من الفيلم، وتبيع سلسلة ذهبية صغيرة حتى تجد من الأموال ما تنفقه، حتى عندما يراقبها "يحي" ويجد شابا يغازلها، لا يتدخل بالشكل الذي نعرفه ونعتاد عليه، لم يستعرض عضلاته ويطير في الهواء ويقتل الوحش الذي عاكس الفتاة التي بدأ يحبها، حاول أن يعاقب الشاب دون أن تراه الفتاة، وتلقى علقة ساخنة، لم نراها نحن، فقط رأينا قميصا ممزقا، وهو ما ساعدنا على تصديق أن خناقة حقيقية حدثت، بدون ميكركروم ولا ورم كبير في الوجه..

طوال الفيلم ستشعر أن هناك "رجل وإمرأة" يحكيان القصة، ستسمع "يحيى" يحكي قصته، وبهاء والجار العجوز وسائق التاكسي، والزوج الذي يطلب من نجوى أن تدخل حمام السيدات لتطلب من زوجته الخروج لأنها تأخرت داخل الحمام..

وداخل الحمام ستسمع المرأة هي الأخرى تحكي، إمرأة تلد داخل حمام السيدات لأنها ترغب في تخفيف المصاريف عن زوجها، وترى مشهد الولادة بالكامل من خلال إنطباعات وجه غادة عادل التي اكتشفت نفسها من جديد من خلال عدسة "محمد خان"..

هي ليست عدسة خان تماما، فالكاميرا كانت تقف وراءها إمرأة أيضا هي مديرة التصوير "نانسي عبد الفتاح"، كما أن المونتاج كان بلمسة إنثوية لـ"دنيا فاروق"..

تسمع كذلك حكايات المرأة، قصة مديرة بيت الطالبات، والطالبة التي تحاول الإنتحار لأجل حبيبها الذي هجرها، تسمع حكاية "نجوى" نفسها، وحكاية "أبله تهاني" من خلال خطاباتها لنجوى..

لعل هذا ما يشعرك أنك أخيرا تشاهد فيلم من "أفلام المرأة" تخلص من عقد النساء التي اعتدنا أن نراها في تلك النوعية من الأفلام، و"أفلام المرأة" هي موجة الأفلام التي بدأت في الظهور مع فيلم "أحلى الأوقات" للمخرجة "هالة خليل" والذي كتبته "وسام سليمان"، و"حريم كريم" و"منتهى اللذة" و"ملك وكتابة"، وهي أفلام تختلف عن "سينما المرأة" الوحيدة التي كانت موجودة قبلها والتي كانت تحتكرها "الرائدة".. "إيناس الدغيدي".. ولعل المصادفة وحدها هي التي جعلت موعد عرض الفيلم في القاهرة يتزامن مع بداية فاعليات "مهرجان سينما المرأة" في القاهرة أيضا.

أنت الآن أمام فيلم سوي.. نصفه رجل (محمد خان) والنصف الآخر لإمرأة (وسام سليمان)، بينهما علاقة شراكة إبداعية فريدة (كمخرج وسيناريست)، وعلاقة إنسانية تلمحها خلال الفيلم (كزوج وزوجة).. ولعل هذه الشراكة هي ما كنا نفتقده في "بنات وسط البلد" الذي كان الحضور الأنثوي طاغياً فيه، للدرجة التي كادت لمسات "خان" أن تختفي من الفيلم بسببها..

لمسات "خان" كانت حاضرة بقوة هذه المرة، فتنويعات "الظل والنور" في تكوين الكادرات كانت واضحة وسحرية، وأضافت على الصورة جودة ونقاء، وسحرا وجاذبية، على كل تلك هي صورة "خان" اعتدنا عليها في "أيام السادات" أو حتى فيلمه الديجيتال "كليفتي".. إلا أنها هذه المرة كانت ذات حضور قوي على أحداث الفيلم خاصة في الكادرات التي يظهر فيها "خالد أبو النجا" بالموتوسيكل، و"غادة عادل" في التاكسي، وكلاهما يبحث عن الآخر..

"غادة عادل" أعادت اكتشاف نفسها بعيدا عن سطوة زوجها "مجدي الهواري" كمخرج ومنتج، وهو ما جعلنا نراها أخيرا بعيدا عن "حمادة هلال" في "عيال حبيبة"، أو "أحمد حلمي" في "55 إسعاف" وهي أفلام تعرفون قيمتها السينمائية جيدا.. هذا إن كان لها قيمة!
على باب الشقة!
يبقى "في شقة مصر الجديدة" فيلم فريد من نوعه، ناضج على مستوى الصورة والمحتوى، شريط صوت ثري تم اختياره بعناية، أحداث بسيطة ومتسلسلة تكاد تشعر أنها رواية تم تحويلها بعناية لشريط سينما ممتاز..

ستشعر في نهاية الفيلم، وأنت تخرج من بوابة السينما الخارجية وترى زحام السيارات ومظاهرة أضواء الإعلانات، ستشعر أنك تنتمي إلى العالم الذي في الداخل، حيث الغرفة المظلمة، وأبله تهاني، ويحيى، ومدرسة الراهبات بالمنيا.. ستشعر أنك لم تدخل هذا الفيلم، لقد "دخلك" هو دون أن تشعر، هو فقط كان يلمس إحساسك بهدوء..

ستندهش من أن صديقك لم يعجبه الفيلم على الإطلاق بل ويعتبره من أسوأ الأفلام التي شاهدها في حياته، ستنظر له بدهشة وتلعن في سرك "اللمبي" و"حاحا وتفاحة" و"كذلك في الزمالك"، سيساورك القلق بشأن مشاعرنا التي تبلدت وأصبحت أفلام خان لا تؤثر فيها.. ستترك صديقك وشأنه.. فالمهم أن الفيلم لمسك بهذا الشكل..

ستغني وأنت في الطريق إلى منزلك في ساعات الليل المتأخرة..

"أمانة عليك يا ليل طول.. وهات العمر م الأول.. بحب جديد وقلبي سعيد.. يا ريتني عشقت م الأول".

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

يا نهار اسود ولا واحد علق علي التدوينة الجامدة دي لغاية دلوقت ؟ علي العموم انا فرحان علشان انا اول واحد حاعلق علي التودينة دي بقولك ايه يا براء عندي لك في فكرة هايلة انا ناوي اعمل مدونة متخصصة عن السينما والفن ايه رأيك تشرف المدونة بمقالات من النوعية الرائعة الجميلة مع ملا حظة انك تقدر تنشرها هنا برضه بس تدينا شوية حاجات اشبيشيال كده
مستني ردك علي الايميل ده
سواء بالرد او والقبول او بغيره
samiyosif@yahoo.com
وعلي العموم انت لك حس سينمائي متميز جدا وانا اعتقد انك مش بعيد ابدا تكون عامل سيناريوهين تلاتة علي جنب كده
مستني ردك علي احر من الجمر
محمد

محمود يقول...

اجمل تعليق شفته علي الفيلم ده
لاني فعلا بتعبره من افضل الافلام اللي ممكن الواحد يشوفها
تحياتي لك ولمليكة