الثلاثاء، مايو 11، 2010

فن!


عرف الفن. اشرح الفن. تحدث عن الفن، قارن بين الفن والفن، علل الفن، ضعه بين قوسين، اضربه في نفسه، واقسمه على ثلاث أرباعه، واعطي كل فنان قطعة من الفن، وخذ منه قطعة أخرى، تأملها، وأشعر بالفن داخلها وخارجها، ثم اسأل نفسك. ما هو الفن؟، كيف يمكن شرحه؟، وكيف يمكن الحديث عنه دون وضع تعريف له، وما نتيجة المقارنة بين فن وآخر.

ما علاقة الفن بالفنان؟. وما الذي يجب أن يقوله الفن للفنان، وأن يقوله الفنان للفن؟، هل هناك علاقة أصلاً؟. وكيف يمكن فصل الفن عن الفنان، دون أن نفصل الفنان عن الفن؟، وإذا فصلنا كل جزء في جهة، ففي أي جهة يجلس الجمهور، وما علاقة الفن بالجمهور، من يقيم الفن، من يشاهده، ولماذا أصبح من المهم أن يشاهد الجمهور الفن، ولماذا يرغب الفنان في عزل فنه بعيداً عن الجمهور، هل هذه رغبة صادقة؟، وهل يلوث الجمهور الفن والفنان، أم يتلوث من الفنون وفنانيها؟.

ما علاقة الفن بالدين، الأخلاق، السياسة، الإقتصاد، التاريخ، اللغات، الجغرافيا، درجات الحرارة المتوقعة، وسعر صرف الدولار مقارنة بعملة بلد الفنان يوم بيع لوحة جديدة في صالة عرض.

من أين يأتي الفن؟، وأين يذهب؟، ولماذا يأتي ثم يذهب؟. ولماذا يشعر معظم الفنانين بالأسى على حالهم، والشفقة على أنفسهم، والخوف من الفن.

ما الفن؟ ومن الفنان؟.

الخميس، مارس 25، 2010

موسيقى حزينة جداً..


كان هناك مطعم في شارع فيصل، اسمه "الزعيم"، وكنت أمر عليه مرتان أو ثلاثة في اليوم، ففي الشارع المجاور له، يوجد مركز للطباعة وفصل الألوان، ولدى أبي هواية يمارسها باستمرار، الاستغناء عن الهاتف وإرسال ابنه الأكبر للإطمئنان على سير العمل في مركز الطباعة، وبالتالي كلما وجدني أمامه في العمل يثبت نظره علي للحظة ثم يقول : "اذهب إلى مركز الطباعة".

ولأني لم أكن متأكداً من جدوى ذهابي وإيابي، ولأن استغراق الرحلة لوقت أطول يعني إهدار فرصة للقيام بذات الرحلة مرة جديدة، فإن عدت مبكراً، يراني أبي، ويركز نظره للحظة ثم يأمرني بالذهاب إلى مركز الطباعة، الذي جئت منه لتوي.. ولأني طفل فضولي أفضل الاستكشاف، كان لابد أن أدخل يوماً إلى مطعم "الزعيم".

تأكدت أن جيبي به ربع جنيه يكفي أجرة الرجوع للعمل، ثم أحصيت ما معي، وطلبت عدة ساندوتشات، فول، طعمية، بطاطس، شاورما، لا أذكر بالضبط، لكن الأكل كان سيئاً للغاية، أو أنها كانت الموسيقى.

مرت فترة طويلة بعد خروجي من المطعم وأنا أقول أني حزين، لأني سمعت موسيقى حزينة في مطعم "الزعيم" الموجود في شارع فيصل.

والموسيقى الحزينة في الواقع لم تكن إلا موسيقى تصويرية لمسلسل رأفت الهجان، وكانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها الموسيقى وحدها بعيداً عن المسلسل، كان ذلك منذ فترة بعيدة، كنت طفلاً. كانت مهاراتي في الحياة لا تتجاوز الذهاب إلى العمل مع أبي والإنتقال طوال النهار بين المكتب ومركز الطباعة.

لكنها – الموسيقى – لمست قلبي، وأخبرتني بأشياء كثيرة. منها أن الحياة لا تستحق أن نضيعها في أكل الساندوشات السيئة في مطعم "الزعيم". وأن الموسيقى حلال بشكل عام، وأن الحزن لطيف، وأن مراقبة الشارع من داخل ميكروباص في الطريق بين المكتب ومركز الطباعة أمر جميل، وأني سأكبر ذات يوم، وسأشتري سيارة، بها كاسيت جيد، يسمح لي بالاستماع لموسيقى رأفت الهجان، والشعور بالحزن.

في الشهور التي جاءت بعد دخولي وخروجي من مطعم "الزعيم"، عرفت المترو. ركبته في المرة الأولى وحدي، ويالها من تجربة. من "كرداسة" إلى "شبرا". رحلة لها في قلبي مكانة كتلك التي في قلب راهب تجاه رحلة العائلة المقدسة.

ركوب السلم الكهربائي، انتظار القطار، النظر لهؤلاء الذين أجبرتهم ظروفهم – مثلما أجبرني أبي – على ركوب المترو في السابعة صباح يوم جمعة شتوي بارد. كنت أتحسس غطاء رأسي الصوفي كل دقيقة، وأشعر أني غريب عن المكان والزمان، أو أني لا زلت نائماً.

النزول في محطة غير التي تريدها، فقط لأنك لاحظت أنها خالية من الناس، وأن بإمكانك الجلوس على الكرسي البلاستيكي الثابت، والإستماع للموسيقى الناعمة الحزينة القادمة من السماعات المثبتة في السقف.

لازلت أذكر اللحظة، جلست، شعرت ببرودة الكرسي، أرحت رأسي على الحائط، ودندنت بأغنية حديثة وقتها لمطرب مغمور ظهر في برنامجي المفضل "أسهر معانا" ووصف أغنيته بأنها "لمست مع الناس".. وكانت تقول في بدايتها "دايما دموع.. دموع.. دموع".. ولا أذكر شيء آخر منها.

في المترو، علمت أن داخلي "روح". وأن علي أن أعتني بها، وأتوقف عن سماع الموسيقى الحزينة لأنها تجعلني حزيناً. لكني تراجعت عن وجهة نظري في المرة التالية لركوبي المترو، كانت أغنية "اخترناك" تصدح في كل مكان.

أنا أحب الموسيقى الحزينة.

الأربعاء، مارس 17، 2010

ريحة البلد



الاثنين، مارس 01، 2010

ماذا حدث للبراء أشرف؟..


لا يمكن اعتبار "براء" أحد الذين يسافرون باستمرار. يمكن القول أنه سافر عدة مرات. وفي الغالب، كان وحيداً في أسفاره، ولغرض ما منظم ومرتب، دورة، معرض، ورشة، دراسة قصيرة.. وكلها أسفار في نطاق العالم العربي الصغير. الذي سيكتشف "براء" مرة بعد أخرى، أنه أكبر مما كان يتخيل.

طيب، في اللحظة التي استلم فيها جواز سفره الجديد، فعل ما يمكن أن يفعله مواطن مع جواز سفر جديد تطلق عليه "مصلحة السفر والهجرة" اسم "جواز سفر مميكن".. دس أنفه بين صفحاته، شم رائحته، تأكد من كون أوراقه سليمة ونظيفة، وبدأ يعبث في الملصق الورقي على خلفيته وقرر من اللحظة الأولى أن جوازه لن يحمل في خلفية غلافه ملصق أبيض كريه.

ثم ركز النظر على بياناته الشخصية في الصفحة الأولى، وتأكد أن موقفه من التجنيد "غير مطلوب"، وأعتبر لحظة استلامه للجواز المميكن الأخضر بالملصق الأبيض الكريه لحظة تستحق أن توصف بأنها تلك التي يستحيل نسيانها.

ثم أنه استقل الطائرة فهبطت في "بنغازي"، وطائرة أخرى بعد يوم واحد لـ"طرابلس" وهو يكتب هذه السطور بعد يوم عمل صعب، ومن غرفة فندق مفردة، وعلى سرير عليه مفرش بلون أبيض كريه، وتوجد علبة صودا بجواره وهو مستغرق في الإنصات لأصوات تطاير الصودا خارج المياة وداخل العلبة، ويتذكر نصيحة أمه بأن يشرب الصودا فور أن يفتح العلبة، حتى لا تتحول إلى مجرد مياة بطعم السكر.

لماذا يشعر "براء" بأن ثمة ما حدث له، ويستحق أن يطرح سؤالاً تقليدياً كالذي تم وضعه في عنوان هذه السطور؟، ثم، لو افترضنا أن ثمة ما حدث فعلاً لبراء، فهل يعني هذا أن حدوث أمر كالذي حدث، له أهمية ما بحيث يتم طرح السؤال بشكل علني على صفحات الإنترنت.

أيضاً، ما توقعات "براء" حين يطرح سؤال كهذا، هل سيحصل على إجابة من أحدهم؟، يعني هل يعرف أحد "براء" أكثر مما يعرف "براء" بحيث يخبره عما حدث له بحيث لزم أن يطرح سؤالاً كهذا؟.

هل "براء" يعبث؟، ممكن، هل يمكن أخذ السؤال على محمل الجدية؟، ممكن أيضاً، هل يمكن تجاهل كل هذا والتمتمة بقدر بسيط من اللعنات على ديانة اليوم الذي أصبح فيه مسموحاً لكل مسافر يشعر بالفراغ في "طرابلس" أن يفتح صفحة جديدة ويكتب ما الذي حدث لي؟، هل أنا أعبث؟، وكيف كانت مشاعري حين استلمت جواز سفري المميكن الأخضر بملصق أبيض كريه على ظهر غلافه.

هل يرغب براء في الكتابة؟، فقط، هكذا، يريد أن يكتب، أن يمرر يده على الكيبورد، ويرى هل تأثرت سرعة يده في النقر بهجره الكتابة منذ فترة.. كل شيء ممكن هذه الأيام، وكل شيء مقبول في "طرابلس"، والفراغ، والسفر، وغرف الفنادق، والأسرة ذات المفارش البيضاء. كلها عوامل مساعدة ومحفزة..

أوك أوك.. يعني لحظة، سأخبرك.. سأقول ما الذي حدث.. نعم.. لدي ما يمكن قوله، إني أتذكر. أو أدعي التذكر.. لا فارق، إني على كل حال أشعر بأن ثمة ما يمكن أن أقوله، وما يمكن اعتباره إجابة على سؤال وضعته عنواناً لهذه السطور، أعرف ككاتب شعورك كقارئ تجاه سؤال بلا إجابة، خاصة إن كان من النوعية الرومانتيكية القديمة.. ما الذي حدث لكاتب هذه السطور؟.

لا يمكن اعتبار "براء" أحد الذين يسافرون باستمرار. يمكن القول أنه سافر عدة مرات. وفي الغالب، كان وحيداً في أسفاره، ولغرض ما منظم ومرتب.. كيف كان "براء" يقضي وقت فراغه في أسفاره التي لا يمكن اعتبارها كثيرة، لكنها على كل حال تكررت عدة مرات.

في "الطائف" مثلاُ. قضى "براء" الوقت في التجول بشارع طويل جداً لإحضار بعض الطلبات، وقضى الوقت يفكر في فتاة طويلة بيضاء جميلة، زميلته في المدرسة الثانوية، ويجهد عقله في ابتكار طريقة لإخبار والده – رفيق رحلة الطائف – بقصة الفتاة ورغبته المستقبلية البعيدة في الزواج منها.. كان التفكير في الفتاة يفتح لعقله عالم كامل من الألوان والأصوات والروائح. كان التفكير فعل يستحق أن يأخذ مكانته، وأن يكافئ الفتى نفسه بقدر كبير من التفكير في حبيبته. الذين تصادف سفرهم الأول، مع حبهم الأول، يعلمون جيداً كم كان الأمر جميلاً. ولا وصف له. (وهذا ليس مجرد كليشية، فهو بالفعل لا وصف له).

في الرياض، كانت الفرصة جيدة لقضاء الوقت وحيداً. وكتابة عدة خطابات للفتاة ذاتها، لم يكن هناك ما يمكن قوله في تلك الخطابات، فقط كان يريد أن يكتب في نهاية كل خطاب، "الأحد، 8 أغسطس، الرياض".

في اليمن لم يتمكن من فعل أي شيء مختلف، فقد قضى يوماً وحيداً، أصابته فيه حمى شديدة، فقرر العودة من حيث أتى، وكانت فرصة جيدة لأن يقابل فتاته ذاتها بعد عودته مباشرة في حديقة اسمها "أم كلثوم" في مواجهة مشرحة مستشفى القصر العيني. وكانت المقابلة الأولى.

في الدوحة تمشى كثيراً على الكورنيش، واكتشف لذة النوم منفرداً في غرفة فندق يحمل سبع نجوم ويخبرك أحدهم أن القناة التي تستضيفك ستدفع كل شيء عند رحيلك. ينام عارياً لأول مرة في حياته، ويقضي الصباح في الحديث الإليكتروني المتواصل مع زميلة العمل، يخبرها بأن داخلها شيء مميز عليها أن تكتشفه.. ويعود إلى القاهرة وقد اكتشف لتوه الطريقة التي يمكن أن يخبر بها والده عن زميلته التي يرغب في الزواج منها، إن أمكن.

في القاهرة ستخبره جدته أنها عثرت على حقيبة بلاستيكية بيضاء مليئة بالخطابات بينه وبين فتاة اسمها على اسم خطيبته الحالية، وتعود تواريخها إلى سنوات ماضية، حين كان يسافر للرياض، وأنها قامت باحراقها بحيث لا تفسد الود الجديد بين حفيدها وابنها، فالأوراق تثبت أن الحفيد لم يتعرف على خطيبته منذ شهرين أو ثلاثة كما قال، بل منذ سنوات ثلاثة أو أكثر، كان من الصعب إخبار الجدة أن الأمر مجرد تشابه أسماء، وحرمانها من متعة اكتشافها الخاص وسرها الكبير مع حفيدها، فقد قتلت الحسرة على ما كان يمكن فعله بالحقيبة المليئة بالخطابات، ثم حمدت الله عندما أدركت مع الأيام أن صفحات الإنترنت كانت ستكون مصيرها الوحيد، وفهمت كون الله رأى أن الستر أفضل للجميع.

في "المغرب" يستنشق هواءاً مختلفاً، ويتأمل النجوم، ويكتب لطفلة صغيرة بدأت تتكون داخل رحم زوجته، ويفكر أن الله كريم، ويتخذ بعض القرارات المتهورة. ويدرك طول المسافة بين بيته في الهرم، وصحراء "ورزازات" حيث كان يجلس وحيداً يراقب السماء ويخبرها بأسراره الخاصة.

في "طرابلس" لا يحدث أي شيء. لا يفكر، لا يكتب خطابات لأي أحد، لا يتحدث على الإنترنت، لا يراقب النجوم، ولا يشغل باله أي شيء يمكن أن يقوله والده.

فقدت الأسفار قيمتها، هكذا مبكراً. وفقدت لحظة استلامه لجوازه المميكن الأخضر بالملصق الأبيض الكريه ما كان يميزها. فما الذي يمكن أن يفعله "براء" في "طرابلس" أو أي مكان آخر، ولا يملك القدرة على فعله في القاهرة. وما الأفعال الجديدة التي تستحق أن تفعل يعني.. ما المشاعر الجديدة. ما الذي يمكن أن يحدث لبراء ويكون مختلفاً بحق عما حدث له بالفعل؟.

قد يفتقد صغيرته. قد يشعر ببعض الهدوء. قد يجد في الأجواء بعض التحدي والحركة. لكنه لا يرى في السفر أي فرصة لفعل أي شيء مختلف. مجرد انتقال بين جغرافيتين. بلا أي قيمة، ولا أية إضافة.

ما حدث للبراء أشرف. أنه أصبح البراء أشرف، ففقد القدرة على الدهشة، وعلى استغلال الفرص وخلقها، يشعر بثقله، وأن خفته السابقة صارت مفتعلة، وأن عليه أن يحيى حياة الشيوخ، يتحرك ببطء، يفكر ببطء، يزهد في السفر والمفاجآت. لا شيء جديد ليكتشفه، ويصير اللون الأبيض بالنسبة له، لون فراش السرير الذي يرقد عليه الآن، والملصق الصغير في خلفية غلاف جواز سفره المميكن، مجرد لون أبيض كريه.

هذا ما حدث، دون أدنى فكرة، عما يمكن أن يحدث.

الجمعة، يناير 08، 2010

ستة أسباب للحنين إلى "روبي"..

إرشادات القراءة :

"إذ تنام الراقصة‏ /‏ المغنية على الأرض‏ (وهي نصف أو ربع عارية ثم تحرك ما يمكن تحريكه في جسدها بصورة غير موضوعية أو محايدة‏)‏ لأسباب لا تغيب عن بال أي مشاهد‏.‏ هذا الرقص أكثر وقعا وتأثيرا‏،‏ وهو يدهشنا تماما‏،‏ مما يجعلنا نستسلم لإغواء الصورة ونرفع الرايات البيضاء والخضراء والحمراء وكل الألوان الأخرى‏،‏ إذ كيف يمكن للمشاهد أن يتفكر أمام هذه الصور الملونة بالألوان الطبيعية وغير الطبيعية لهذه الحسناء المتحركة الأفقية‏".‏.

الفيديو كليب والجسد والعولمة - عبد الوهاب المسيري
.................

الصورة المعتادة عن "الحنين". أنه مؤلم. حزين. غامق.. على أن حنيني لها. تغلفه السعادة. وتملأه الألوان.

الحنين لها منطقي. ما الذي يمنع الإنسان من حب المتعة. يقولون أن الله لا يحسابنا على حب الخطيئة بعد التوبة عنها. من يكره الشهوة؟، من يرفض الجمال؟، تبقى الشهوة شهوة، والجمال جمال، والرغبة سحر، والرقص جموح، والجسد جسد.. عنده تبدأ الحكاية، وعنده تنتهي.

لـ"روبي" في قلبي حنين. وفي بصري شوق، وفي عقلي انتظار. إليها. الفتاة العادية غير المعتادة. أحن. وأصوغ أسبابي. علها ترضى فتعود..

1- محلية الصنع..

المرة الأخيرة التي انتجت فيها مصر "مزة" بالمعنى الحرفي للكلمة - يمكن بشكل سريع وضع تعريف لكلمة مزة عند كاتب هذه السطور بالقول أنها الأنثى التي تظهر على الشاشة وتلعب عدة أدوار. منها الغناء والرقص والتمثيل. مع بعض الملابس الضيقة والألوان المزركشة. وتكون عادة ذات عيون مميزة، وقوام غير منتشر. وشفايف يصعب الحصول على واحدة مماثلة.

المرة الأخيرة، كانت في الثمانينات، واسمها
"لوسي" وهي آخر منتج مصري معروف في هذا المجال. وبالطبع فإن مقارنة سريعة بين "روبي" المنتج المززي الحديث، و"لوسي" سيظهر الفارق، وسيجل للحنين أسباباً منطقية.

على أن مشهد سينمائي حديث تظهر فيه المقارنة بشكل أوضح وأعمق. خاصة وأن صانعه أحد محترفي فن صناعة المقارنات.. "وحيد حامد".

في فيلم "الوعد" (2009)، تعمل "روبي" في مركز تجميل صغير صباحاً. و"أعمال حرة" بالليل، تحضر "لوسي" سيدة المجتمع لتخبرها أن الرجل الكبير يطلبها في مهمة جديدة. فتسألها "روبي" : "عجوز برضة؟"، فترد "لوسي" في استنكار : "ومالهم يا بت العواجيز.. ولا أنتي عايزة اللي يقسمك نصين؟"..

لنتحدث عن تكوين المشهد قبل أن نحاول تحليل ما قيل داخله. "لوسي" تجلس على كرسي مرتفع. و"روبي" على كرسي أقل درجة. أو على الأرض ربما. وتمسك بأقدام "لوسي" لإجراء عملية تجميلية ما بها. ويدور الكلام.

رداً على سؤال "لوسي" ترد "روبي" في ثقة وصراحة "بصراحة آه.. نفسي في حاجة كدة".. تضيف "لوسي" : "يا بت العواجيز دول هما اللي ماسكين البلد من وسطها".. ثم تمنحها شهادة حق في وجه جسد فائر.. "إنتي فرسة كسبانة.. لا محتاجة حقن ولا ماسك.. كل اللي محتاجاه.. دش".

في كل معاجم اللغة، عامية وفصحى، لن نجد كلمة أفضل من "فرسة" لنطلقها على "روبي" رمز الإنطلاق والتمرد والثورة، وحين تنطقها "لوسي" فهذا يعني أن ثمة راية يتم تسليمها، من "مزة" العصر الذي مضى، لـ"مزة" هذا الزمان. تلك التي تراهن على الشباب. ولا يشغلها عجائز يمسكون البلد من وسطها.. لا يهمها وسط البلد.. المهم وسطها هي شخصياً.

لاحظ أخيراً الموسيقى المتشابهة بين "روبي" و"لوسي". خاصة وأن الأسمين "أسامي دلع"، فـ"روبي" هي في الحقيقية "رانيا حسين محمد توفيق" مواليد 1981بالقاهرة، خريجة كلية الحقوق (بني سويف) في 2004. شاهدها الجمهور للمرة الأولى بأدوار صغيرة هنا وهناك. ثم بدأت الإحتراف على يد "شريف صبري" ومعه بدأت رحلة طويلة من الكليبات والأغاني.

إذن، "روبي" صناعة محلية. مصرية مائة بالمائة. لا أب لبناني، ولا أم إيطالية. بل أن أمها كانت مدرسة ألعاب بمدرسة "فتحية بهيج الإعدادية بعابدين". ويبدو أن صاحب المعلومة رأى أنها من الأهمية بحيث يضعها في
صفحتها على "الويكيبديا". ربما لصلة ما بين "روبي" و"بهيج".

لأجل الصناعة الوطنية الحرة التي تحاول أن تصمد.. لأجل مصر.. أحن إلى روبي.

2 – سمراء :

روبي سمراء. فقط لا غير.

الذين يقدرون الجمال سيعلمون معنى أن هناك أيقونة سمراء ترقص وتغني وتمثل. خاصة وأن الأيقونات المنافسة تبدأ عند "هيفاء" و"إليسا". وتنتهي عند "مروى" و"بوسي سمير". كلهن بيضاء. ملونين. ببروز متفرقة هنا وهناك، وقدر من النفخ والهواء وضبط الزوايا.

يمكن أن تتخيل "روبي" صغيرة تبحث عن فتى يحبها في دراستها الإعدادية، ويمكن أن تشعر بدموع غيرتها في الطفولة من فتاة جميلة تجذب فتيان شوارع "المنيرة" حيث نشأت وترعرعت.

"روبي" لا تصدق جمالها. تعامله بشك، وتعبر عنه بشك أيضاً. والمدهش أن هذا النوع من التعبير يجذب عدد لا نهائي من المعجبين. وتوجد تجربة شبيهة، تحمل اسم "شيرين عبد الوهاب" التي تنتمي لنفس اللون مع اختلاف في الدرجة، ومع قيود في التعبير عن الجسد. "روبي" تعبر عن نفسها بطريقة مصرية خالصة. لكن "شيرين" تصر على استخدام الأدوات ذاتها التي فرغت من استخدامها "مزة" ملونة كـ"إليسا" أو "هيفا".

يمكن بسهولة الحصول على
أخبار "شيرين" عن زيارتها المتكررة لمصفف شعر شهير في لبنان أو مركز تجميل معروف في وسط بيروت، لكن لا أحد يعلم أين تحافظ "روبي" على مظهرها، وأين تنال حظها من العناية ببشرتها. لها طريقتها الخاصة، غير اللبنانية على الأرجح.

أتخيل "روبي" تغني في خلوتها، "صحيح أنا أسمر وكل البيض يحبوني..". ويمكن تخيل هذا بسهولة بعد أن تسمع وتشاهد بعض أغنيات لها تعزز صورة السمراء المتمكنة من التعبير عن نفسها. شاهد مثلاً "أنا عمري ما استنيت حد"، أو "غاوي"، أو رائعتها الأولى "كل ما أقوله آه".

لأجل "محمد منير"، وتعاطفاً مع قضية أبناء النوبة، أحن إلى "روبي" السمراء.

3 – تغني وحدها :

هل شاهدتها بصحبة أحدهم من قبل؟.

هل أهانتك روبي كمشاهد، ورقصت لموديل أجنبي، هل فكرت في استغلال نجومية "مهند" ونامت في أحضانه خلال أحد الكليبات. هل غنت "روبي" لأحد سواك؟، هل قارنتك بأحد؟، هل سمحت لأحدهم أن يلمس جسدها أمامك؟.. لماذا إذن لا تحن إليها مثلي.

"روبي" تحترمني، وتحترمك، وتحترم نفسها. تعرف أنها "أيقونة"، فريدة، وتدرك أن ما يؤكد فرادتها، أن تبقى منفردة. تغني وحدها، ترقص وحدها، وحولها، يمكن أن يظهر بعض المارة، أو الأشخاص العابرين.

لم يحدث أن استخدمت "روبي" أي شخص من أي نوع ليظهر بجوارها في أي كليب، طوال رحلتها تحاول أن تؤكد أنها تغني لنفسها، وأنها تسمح لك شخصياً بالفرجة عليها، مستغلة كل أحلامك القديمة في التلصص على إحداهن تعبر عن جسدها بحرية وتراقبها أنت دون أن تشعر.

تعرف أن محاولة تمثيل قصة أمامك ستبدو سخيفة وغير حقيقية. وبالتالي، فإن ما يمكن ملاحظته أيضاً على منتجاتها الغنائية، غياب أي نوع من أنواع الدراما. لا توجد قصة، ولا مشاهد تمثيلية. لا يوجد أكثر من "روبي"، دون أية إضافات قد تفسد الصورة، وتقلل من قيمتها.

بالطبع فإن هذا التحدي ترفض أن تؤديه واحدة من الملونات اللبنانيات مع كامل احترامنا لهن. شاهد "إليسا" مثلا في "أجمل إحساس" مع شخص لم يترك مكان في رقبتها دون أن يلمسه. و"هيفاء" في "ابن الحلال" تسير في شارع طويل ممسكة بيد طفل صغير ساحبة إياه إلى المجهول.

لكن "روبي" تكتفي بالرقص تحت سفح الهرم مع بعض الحكم التي يكتبها "شريف صبري" على الشاشة في "مشيت ورا إحساسي". أو الإلتواء داخل حوض بخار بصحبة ثعبان وتدندن "ابقى قابلني".

هذه الوحدة، يمكن أن تكون في ذاتها رسالة. مثلاً في كليبها الأخير "يا الرموش"، تتوقع أن تجد فتاة ما بجوار "روبي"، فالكلمات كلها تتحدث عن بنت جميلة برموش قوية وخدود وردية. بالإضافة إلى أنه الكليب الأول لـ"روبي" الذي لا يحمل توقيع "شريف صبري" بل "أحمد المهدي" هذه المرة. لكن غياب الفتاة، يجعل عقلك يستجيب لفكرة أن "روبي" تصف نفسها، مستخدمة صيغة مختلفة في التعبير. وهو - إن سمحت لي - أسلوب في التعبير ذكي لأبعد الحدود، بل أنه يذكرنا برائعة وصف الذات "عبد الهادي" للمطرب الأسمر "شاندو".

لأن "روبي" ليست "شاندو".. أحن إلى روبي.

4 – صامتة.

هل قالت "روبي" قبل ذلك أنها عاشت طفولة مشردة؟، أو أنها تصنع كليبات "للكبار فقط"؟. هل دافعت عن نفسها ضد إشاعات زواجها من مكتشفها وصانعها ومخرج فيلمها وكليبتها وموزع أغانيها ومنتجها "شريف صبري"؟. لم يحدث ذلك ولن يحدث.

لأن "روبي" تعرف فضيلة الصمت وتلزمه. تدرك أن الثرثرة مفيدة داخل الأغاني فقط. وعليه، فلا تتوقع أن تجدها في برامج المقالب والاعترافات الساخنة، أو ضيفة حلقة آخر الأسبوع التي لم يجد لها المعد ضيف مناسب فأحضرها في آخر لحظة.

لا يعرف أحد المبلغ الذي يمكن أن تتقاضاه "روبي" مقابل الظهور في حلقة من برنامج معروف، والسبب أنها لا تظهر أبداً. لا تحب الصحافة، على الرغم من أن الصحافة تحبها. وهذا درس تعلمته الجميلة من مخرجها "شريف"، وتعلمه شريف من مكتشفه الأول "عمرو دياب" الذي قرر منذ البداية أن يخاصم البرامج. لولا أنه جاء في النهاية وعوض صبره ببرنامج طويل يحكي قصة حياته. من بدايته لنهايتها!.

صمت "روبي"، يجعل الجمهور يفكر في احتمالين، الأول أنها مشغولة للغاية بالفن والإبداع وتسجيل أغنيات جديدة والتحضير لألبوم جبار. وهو أمر جيد بالتأكيد. أو أنها تفعل شيء ما لا يستحق أن تتحدث عنه. شيء يستحب أن يتم في صمت، وأيا ما كانت درجة خصوبة خيال الجمهور، فإنه سيتخيل في كل الأحوال أشياء مثيرة، وهو أمر جيد أيضاً ويحسب لصالح النجمة الصامتة.

لأجل الخيال المريض.. أحن إلى روبي.

5 – تحاول أن تصبح فنانة..

رغم أنها فعلاً "فنانة شاملة". بمعنى أنها تؤدي بالفعل عدد غير قليل من الفنون، تغني، تمثل، ترقص، (وتؤلف حالياً فيلم عن قصة حياتها) إلا أنها لا تزال تحاول طوال الوقت أن تصبح فنانة.

فكر مثلاً، ما الذي يجبرها على القيام ببطولة ثانية أو ثالثة في فيلم غريب الأطوار مثل "الوعد"؟، لا أعتبره فيلماً سيئاً على الإطلاق، لكنه بحسابات النجوم قد لا يكون الأفضل الذي يمكن أن تطل منه فنانة بحجم "روبي" وإمكانيتها الجسدية.

ما الذي يمكن أن يضيفه "وحيد حامد" وثلاثي "ياسين" (محمود ومحمد وآسر) إلى "روبي" إلا الفن؟. لا توجد أغاني راقصة، ولا مشاهد ساخنة بالمعنى الشعبي للكلمة، ولا حوار يمكن اعتباره مثيراً من وجهة نظر رواد سينمات وسط البلد.

بنفس المنطق الذي دفع بـ"روبي" إلى "الوعد"، يمكن أن تبرر اشتراكها بالغناء في نهاية فيلم لن يتكرر (!!) في تاريخ السينما "ليلة البيبي دول". ورغم أن عدد من الجمهور دخل الفيلم وهو يتوقع أن تكون "روبي" هي من سيرتدي البيبي دول، إلا أنه وجدها في النهاية تغني من ألحان "ياسر عبد الرحمن"، وتستعرض بعض الطبقات في صوتها وترتدي ما لا يلفت النظر، وما لا توجد علاقة بينه وبين البيبي دول.

لا ننسى اشتراكها مع "يوسف شاهين" في "سكوت هنصوت". ولا يفوتنا الإشارة إلى أن الفيلم الذي حمل في أفيشه صورة كبيرة لـ"لطيفة"، حمل في نسخة الفيديو منه صورة أكبر لـ"روبي" التي لم يكن الجمهور قد شاهد كليباتها حين عرض الفيلم للمرة الأولى، لكن بعد أن عرفها الجمهور، صار من الممكن مشاهدة أحد أغرب أفلام "شاهين" لأن صورة "روبي" تتصدر غلاف شريط الفيديو.

ثم مشاركتها في "فيلم ثقافي"، في دور يهمل كل إمكانيتها الجسدية. زميلة أخو البطل، التي تشاركه من مصروفها في شراء كومبيوتر للعمل عليه. أحد الأصدقاء تخيل أن أخو البطل سيكون في الجزء الثاني من الفيلم اسمه "شريف صبري" وأنه سيستغل الكومبيوتر ليصنع من زميلته فنانة مصر الشاملة ومزتها الأولى.. "روبي".

إنها
مجتهدة. يجب أن نعترف. ومنتشرة في مستويات عدة من الفنون. أفلام معقدة لـ"شاهين"، ومغامرات إنتاجية ناجحة للعدل جروب، ثم تجربة متهورة من "شريف صبري" في أحد الأفلام الأنجلو مصرية.. "سبع ورقات كوتشينة"، وهو فيلم صنعه مخرجه وهو يتخيل إمكانية صناعة فيلم له سبع نهايات مختلفة، تعرض كل نهاية في دار عرض، فكانت النهاية الوحيدة لمشروعه هو قدر من "سب الدين" حصل عليه من شباب وسط البلد الذين توقعوا مشاهدة أجزاء أخرى من جسد "روبي".

على مستوى الغناء، سيذكر التاريخ اسم "روبي"، فقط يمكن القول أن مشروعها الغنائي له ملامح، وهذا يكفي جداً في المرحلة الحالية. بالإضافة إلى ذلك، فإنها – وبشكل مستمر – تحاول أن تكتشف في صوتها مساحات جديدة. وبالتوازي تحاول أن تكتشف في الكلمات معان جديدة. كل هذا يمكن أن نتركه لمحبي الموسيقى، لكن تبقى حقيقة أن معظم أغنيات "روبي" يمكن أن تسمع باقية. وهذا مهم.

لأجل شرف المحاولة.. أحن إلى "روبي"

6- يمكن أن تصبح طائشة.

ستحلق "روبي" شعرها كله يوماً. وستدمن الكحول، وسترافق صحفي مغمور وسيراها البعض تسير فجراً في شوارع شرم الشيخ بملابس نصف عارية.

هذا ما يمكن أن تتوقعه لـ"روبي"، إن كنت مثلي تؤمن أنها تملك الإمكانيات اللازمة لتصبح فنانة طائشة. وهو أمر لم يحدث بعد في التاريخ الفني المعاصر.

لا نملك في مصر فنانة مثل "بريتني سبيرز" أو "باريس هيلتون". لا نعرف مطربة يصعب السيطرة عليها، أو تقود بسرعة جنونية، أو ترافق عشرات الرجال في عام واحد.

كلهن ملتزمات، يتحدثن عن الفضيلة، ينكرن الإشاعات، ويخترن الزواج والإستقرار وتربية الأولاد حين يوجه إليهن سؤال يتعلق بالمستقبل.

لكن "روبي" لن تخذل محبي الطيش والجموح، وستظل كما عودتنا، مدهشة تملك القدرة على الجموح، وستصرح يوماً بما تؤمن به حقاً، تترك الصمت، وتبدأ في توزيع اللعنات بألفاظ تتلاءم مع فتاة تربت في "المنيرة" ودرست الحقوق بحيث تعرف الفارق بين السب والقذف، وبين الوصف والتعبير.

أتوقع من "روبي" بعد سنوات مستوى ناضج من الفضائح وأخبار فقدان السيطرة. وسيتمكن جمهورها من معرفة أسباب اختفاؤها هذه الأيام، سيعرف الجميع الحكايات، وستكون "روبي" هي المصدر، فالفنانة التي تغني "أنت عارف ليه". تعرف جيداً ما يمكن أن يحققه الطيش لها بين الجمهور المتعطش لمستوى آخر من الفضائح.

لأجل روبي.. أحن إلى روبي.

الثلاثاء، يناير 05، 2010

أعتذر عن عدم ذكر اسمي

* الدستور - عدد 5 يناير 2009