الاثنين، فبراير 28، 2011
الأحد، يناير 16، 2011
عن الـدعوة..
السؤال في أبسط أشكاله وأعقدها هو : إذا كان المجتمع ينقسم إلى نوعين من البشر، "صالح" و"فاسد"، لماذا نلاحظ اهتمام الصالحين بنشر صلاحهم والدعوة له، فيما نكاد لا نلحظ أي اهتمام بنشر فساد الفاسدين؟.
الأمر أكثر صعوبة من بساطة تكوين السؤل، لكنه – وكالعادة – يحتاج إلى شرح بسيط للمصطلحات التي وردت في السؤال أعلاه.
الصالح هو الصالح، مقيم الصلاة، ملتزم الأخلاق الحميدة، يمتنع عن الاقتراب من المحرمات، ويحفظ للمجتمع الجميل حقه في ألا يخدش حياءه، أو يثير داخله فتنة أو ثورة أو ضجيج. الصالح بشكل عام هو الشخص الهادئ المسالم، الذي يتمنى الخير للجميع، ويثق في "صلاحية" أفكاره حتى أنه قرر أن يهب عمره للناس / يدعوهم للإلتزام بالصلاح الجميل.
والفاسد هو الفاسد، لا يصلي لا يصوم، يشرب الخمر مثلاً، يصاحب البنات الفاسدات، ويتحرر من قيد الدين والأخلاق والعرف الاجتماعي، يرى نفسه حراً في فعل أي شيء، حتى وإن كان يعلم في قراره نفسه أن بعض أفعاله لن ترضي البعض عنه.
يجب هنا، وقبل الدخول في تفاصيل أعمق، أن نؤكد أن هناك صالح، وهناك مصلح، وأن هناك فاسد وهناك مفسد، وبالطبع فإن الفرق واضح بين الفعل وتفعله. على كل حال، نحن في هذه المساحة نتحدث عن الصالحين والفاسدين، فقط لا غير.
وبالملاحظات البسيطة التي جمعها صاحب السطور، يمكن القول أن الصالحين يهتمون لأمر كل الناس، كل البشر، أنا أنت والآخرين، ويشعرون بالتزام ما غير مبرر تجاهنا، عليهم أن يجعلونا مثلهم، نصلي صلاتهم، نقول كلامهم، ونفعل أفعالهم، وننادي جميعاً بصلاح المجتمع، وبانتشار الأخلاق في كل مكان، والله أكبر ولله الحمد.
الأمر الأكثر غرابة، أنه عادة لا توجد روابط وثقية بين الصالح وبين الأشخاص الذين يدعوهم للصلاح. الأمثلة كثيرة، ما الذي يفسر مثلاً رسائل تملأ صناديق البريد الإليكترونية كلها تنادي بالتسبيح والإستغفار وإقامة الصلاة وتنهي عن الخمر والزنا والاستماع للموسيقى. المصادر مجهولة، لكنها بالطبع يقف وراءها صالح ما يرى أن هناك واجب عليه أن ينشر الصلاح هنا وهناك، حتى بين الذين لا يعرفهم أصلاً.
من جهة أخرى، وبمزيد من الملاحظة، نرى أنه لم ترد أيه رسائل تتحدث عن متعة العلاقات الجنسية مثلاً، أو تدعو إلى تجربة طعم الـ"تكيلا" المر، أو اللذة اللانهائية التي قد يحصل عليها الواحد عند خلط الـ"فودكا" بعصير البرتقال الطبيعي.
يمكنك أن ترى على الجدران في الشوارع "قم إلى الصلاة"، لكن من الصعب أن تقرأ "الحشيش مزاجه عال".
صاحب تجربة الفساد (التي عادة ما تكون فردية) لا يرى أن هناك حاجة لنشر دعوة تحث الآخرين على تكرار التجربة، ليس لأنها سيئة، بل لأن الفاسدين لا يهتمون.
أما أصحاب التجارب الصالحة، فهناك دائماً هذا الاهتمام غير المبرر، بأن على المجتمع كله أن يصلي، وعلى الجماعة أن تصبح أكبر وأكبر، وأن الأخلاق والصلاح الجماعي هو الحل الناجع الوحيد لكافة مشاكل الأمة والمجتمع.
الغريب، أنه بمزيد من الملاحظة والتطبيق، سنجد مثلاً أن أقرب الأقربين للصالحين هم فاسدين بشكل واضح، تابع مثلاً في دائرة علاقاتك أبناء أقرب منتمي لجماعة الإخوان المسلمين أو السلف (وهذا مجرد مثال)، أو لاحظ تدني أخلاق شقيق صديقك الملتزم الذي يكافح كل يوم لجذبك إلى الصلاة، هذه طبعاً مجرد أمثلة عامة واسعة.. لكنها تدل في جانب من جوانبها، أن أحدهم جعل الصالحين يفهمون أن الدعوة تصبح أفضل مع الغرباء، وأن الذين يجلسون في البيت ليسوا على ذات الدرجة من الأهمية.
ما الذي يحدث بمرور الوقت؟، وما الذي حدث بالفعل؟..
ما حدث أن كل صالح تحول إلى مصلح بشكل تلقائي، وخرج ينادي في الناس بالأخلاق الحميدة، وكله ثقة أنه على حق، وأنه يفعل الصواب، وترك وراءه أقرب أقرباءه، يفسدون في هدوء، وملأ العالم ضجيجاً حول أهمية أن نكون أناس محترمين.. وبالطبع، فإن المجتمع غير مجبر على سمع كلامه، لأنه لا يعرفه أصلاً، وإن كان ترك له الفرصة للكتابة على صخور الشواطئ والجدران، أن الصلاة خير من النوم، وأن الله أكبر ولله الحمد، وكأن الأمر في حاجة إلى تأكيد.
ما الذي حول الصلاح "الفردي"، إلى "إصلاح جماعي"، وما الحد الفاصل بين الـ"صالح"، والـ"مصلح"، وهل كل صالح مصلح، وهل هناك درجة ما من الصلاح يجب أن يتحلى بها الصالح قبل تحوله إلى مصلح، أعتقد أنه من غير اللائق أن يبدأ أحدهم "الدعوة" وقد ركع بالكاد ركعتين وصام يومين في رمضان الماضي.
ثم، إن كان الصلاح الديني هو أمر بين "العبد وربه"، ألا تشكل "الجماعة الإصلاحية" نوعاً من انخفاض في درجة الصلاح الفردي داخل كل صالح، بحيث أنه يتكل على الصلاح العام، وينسى صلاحه الشخصي ومسؤليته الشخصية تجاه مجتمعه الأكثر صغراً.
ثم، قبل خمسين عاماً، كان هناك مجتمع جميل، فيه الصالحون عاديون تماماً، يصلون الفروض، ويكتفون بتربية أبناءهم لأن التربية مسؤليتهم الوحيدة، كان لدينا في النهاية مجتمع أكثر نجاحاً، وأكثر صلاحاً، الآن، لم يعد لدى الصالح وقت لقضاؤه في المنزل، الدعوة بانتظاره، والإسلام هو الحل.
ثم، الهيئات والمؤسسات الإصلاحية، الأزهر مثلاً، الجامعة، أي مكان آخر، هل يستفيد من انتشار المصلحين، فبعد أن كان الأزهر يحتكر الدور الإصلاحي، أصبح الآن من حق أي صاحب لحية خفيفة أن يقول أي شيء طالما أنه يدعو المجتمع للصلاح، ألا يمكن أن نقول ببساطة، أن انتشار الإصلاح غير المنظم ينتقص من مكانة المكان الذي كان بحقه وحده أن ينادي بالإصلاح كونه الأكثر علماً وخبرة وتاريخاً وقداسة؟.
الفاسد، ولأنه غير واثق في أهمية ما يفعل في هذه الدنيا، فقد آثر أن يمضي في فساده صامتاً، وألا يدعو أحد، وأن يترك الصالح في حاله، عسى أن يتركه أيضاً، وكفى الله الجميع شر القتال.
أخيراً، وهذا سؤال هامشي جداً، ما الذي جعل الصالح متأكداً من صلاحية صلاحه، وما الذي جعل الفاسد متردداً في أن فساده غير صالح؟.
ثم، ألا يجوز أن يكون صالح الصالح فاسد لمجتمع ما، وأن يصبح فاسد الفاسد صالح لمجتمع آخر؟.
إنها قصة طويلة، نكتفي لختامها بحكمة قالها والد أحد الأصدقاء، وهو مربي فاضل من هؤلاء الصالحين الذين اكتفوا بإصلاح بيوتهم والعناية بأخلاق ابناءهم – فقط لا غير.
قال، تعقيباً على موضوع مشابه.. "الزيادات.. بيتعملها حاجات", والله أعلم.
كتبها
البراء أشرف
at
3:17 ص
14
التعليقات
الثلاثاء، يناير 11، 2011
2011
(1)
اختارت إدارة الكافيه طريقة غريبة لتسلية الزبائن.
شاشات البلازما الكبيرة تغطي الحوائط في كل اتجاه، الكافيه صغير، يستوعب عشرين شخصاً بالكاد، لكن الحوائط تحمل خمسة شاشات كبيرة، كلها مضبوطة على قناة واحدة للأغاني، القناة لا تتغير، والأغاني تتكرر. لكن دون صوت.
كل الشاشات مضبوطة على وضعية الصمت، إلا أن الموسيقى تملأ المكان. مصدرها سماعات بيضاء مستطيلة توجد على الحوائط كلها أيضاً، بجوار كل كنبة مخصصة للزبائن، توجد سماعة مثبتة بالأعلى، وهي مصدر الموسيقى.
النظام الصوتي جميل، وقائمة الأغاني لطيفة، يختارون الأغاني الحديثة، ويخلطوها بأغنيات صدرت منذ عامين أو ثلاثة، يغيرون اتجاه الأغاني كل ساعة، ساعة للحزن، ساعة للفرح، ساعة للحب، ساعة للأغاني التي لا تهتم بالحب، محمد منير ومحمد محي ومحمد رشدي أحياناً.
الكافيه على بعد مائة خطوة من البناية التي أعمل بها، أنزل إليه هرباً من زحام المكتب بالتفاصيل والناس والضيوف والأصوات.
اليوم، أتيت إلى هنا، والتفاصيل معي، تملأ رأسي، ورأيت أنه قد يكون مناسباً أن أجلس مع تفاصيلي لوقت مناسب، اسألها، تسألني، أحاورها، أقول لها ما أفشل في قوله في المكتب، المقهى، السيارة في رحلتها اليومية بين البيت والعمل.
الموسيقى هنا موحية، الصور الصامتة على الشاشات أيضاً. أنظر أحياناً إلى الشاشة، وأجد الموسيقى ملائمة تماماً لما يحدث داخل الأغنية المصورة الصامتة، أجدها طريقة لطيفة.. الاستماع لأغنية، مع مشاهدة كليب لأغنية أخرى، أقول لنفسي أنها تصلح كفكرة جيدة في مونتاج الأفلام الوثائقية التي أعمل عليها.. وأدون في ورقة صغيرة أن علي تمرير الفكرة للأصدقاء المخرجين..
أذكر نفسي بأنني هنا للجلوس بهدوء بعيداً عن العمل، والتفكير العميق.. لكن، لماذا اعتدنا على وصف التفكير بالعميق.. ما عيب التفكير السطحي.. التفكير البسيط.. التفكير السهل.
ثم، هل التفكير بعمق الآن، ينفي صفة العمق على الأفكار التي أتداولها مع نفسي في الأماكن العادية..
(2)
بالقرب من باب الكافيه، توجد لوحة ضوئية مربعة، مكتوب داخلها باستخدام الأضواء "الحد الأدنى للفرد 25 جنية"..
يتغير لون الكتابة بسرعة، بين الأحمر والأزرق والأخضر والأصفر.. إيقاع تغير الألوان، يلاءم إيقاع الأغنية في السماعات، وتقطيع الصور في الكليبات على الشاشات.
أشعر، وكأني أنا وحدي الخارج عن الإيقاع. بحاجة إلى هدوء أكثر، إلى موسيقى انسيابية، تلاءم حركة الكاميرا الهادئة في فيلم كنت أصوره منذ يومين.
أذكر نفسي بالغرض الذي جئت بسببه إلى هذا المكان، البحث عن الهدوء، والكف عن التأمل في التفاصيل الصغيرة.
عاقبت نفسي وكافأتها، فطلبت قهوة مخفوقة مع اللبن، مرت دقائق عشرة، قضيتها في مراقبة الشاشة الصامتة والاستماع إلى الموسيقى، جاء عامل الكافيه، وضع الكوب الأبيض، ابتسم لي ثم انصرف..
نظرت إلى الكوب، وجدت أن أحدهم داخل المطبخ يحاول أن يجتهد، حتى أنه واحتفالاً بالعام الجديد، رأي أن يكتب على سطح الكريمة وبواسطة الشيكولاتة المبشورة، تاريخ العام الجديد.. 2011.
بالتدريج كان صوت الموسيقى يختفي، والصور تتلاشي، فيما اقتربت بوجهي من الكوب، وراقبت تاريخ العام الجديد يتلاشي نقطة نقطة، حيث كانت الكريمة المخفوقة تختفي بالتدريج، ويختفي معها اسم عام كامل، ينتمي إلى المستقبل.
غادرت بعد قليل، وقبل أن أشرب..
كتبها
البراء أشرف
at
8:34 م
0
التعليقات
السبت، ديسمبر 25، 2010
نسيان
بروازين للصور، كلاهما زجاجي، الإطار مرآة عاكسة، وأحدهما توضع فيه ثلاث صور متوسطة الحجم، والثاني توضع فيه صورة واحدة كبيرة مستطيلة.
تعرف صديقتي مدى حبي للأشياء الصغيرة، انبهاري الدائم بالتفاصيل. يجب هنا أن أؤكد أني عرفت عن نفسي بمرور الوقت أن التفاصيل تبهرني فقط، وأن لا قدرة لدي على التركيز بها.. أقصى ما يمكنني فعله هو تدوين الملاحظات حول تفاصيل بعينها..
كانت لدي رغبة في استخدام البروازين، بمراجعتي لأدراج المكتب، لاحظت أني لا أملك صوراً شخصية في مكتبي، فكرت أنه من المناسب أن أجلب من البيت صورتين أو ثلاثة لوضعها داخل البروازين.. في البيت، لاحظت أني لا أملك أية صور، لا صورة لي، لا صورة لزوجتي، ولا صورة لطفلتي الصغيرة.. فكرت.. هل يعني هذا أي شيء؟.
بمرور الوقت تولدت لدي رغبة حقيقية في تغيير شكل الغرفة التي أعمل بها، نقلت أباجورة من مكتب مجاور، وضعتها بجوار الباب، فتحت الشباك الذي ظل مغلقاً طوال شهور سابقة، وخصصت ركناً وضعت به جهازاً إليكترونياً تخرج من الموسيقى باستمرار، وبصوت خفيض.
نظفت مكتبي جيداً، وأخرجت المبخرة القديمة من الدرج، وأشعلت عودين، وجلست أمام البروازين أحدق، من أين يمكن أن أحصل على صور مناسبة؟.
كعادة الأسئلة الصعبة، أهرب بأفكاري إلى بعيد. هل اختفاء الصور يعني أن الذكريات في خطر؟، الشخص المتهكم الذي يجلس داخلي سخر من السؤال.. ما علاقة الذكريات بالصور؟، الصور، وإن لم تكن مطبوعة، فإنها محفوظة على قرص جهازك المحمول.. مئات الصور لك وللأصدقاء، لزوجتك وأصدقاء المقهى.. ما العلاقة؟ لعلك أصبحت رومانتيكياً بغيضاً.
لعلي فعلاً أصبحت كذلك، فقد اخترت في النهاية أن أترك البرواز فارغاً، كدلالة على عجزي عن إيجاد صور مناسبة تعني شيء ما لوضعها داخله.
اخترت مكانين متباعدين في الغرفة لوضع البروازين، ثم سألت نفسي عن اسم الصديقة التي أهدتني هذه الهدية المتعبة.. لاحظت أني صرت رومانتيكياً بغيضاً، ليس فقط لأني عاجز عن توفير الصور، ولا أني اخترت وضع البرواز دون صورة، بل لأني نسيت اسم صديقتي.
كتبها
البراء أشرف
at
3:12 م
5
التعليقات
Labels: كتابة
الخميس، ديسمبر 09، 2010
حافظوا على نظافة المبولة..
"الترتيب مش مهم"..
في فيلم مستقل جميل، يقول البطل الجملة السابقة، خلال حديثه عن الأفلام والموسيقى والفن بشكل عام..
(؟)
المقهى الذي اعتدت الجلوس عليه، يتوسط خمسة مقاهي أخرى، كلها تحتل ممر واسع في وسط البلد.
كل الجالسين، يذهبون للتبول في مكان واحد، محل صغير ضيق، توجد به بعض الأدوات التي تخص إدارة المقهى، ومبولة وحيدة صغيرة، مكشوفة، تم تثبيت لوح خشبي طويل بجوارها، حتى يصنع نوع من السترة، بين الواقف للتبول، وبين المارين في الممر، والجالسين على المقاهي الأكثر قرباً من بوابة المحل.
مع بداية الشتاء، وزيادة عدد الزيارات إلى المبولة بحكم برودة الجو، رأت إدارة المقهى أن تلصق ورقة مستطيلة فوق المبولة، مكتوب عليها "حافظوا على نظافة المكان".
والمقصود بالمكان، هو ذات المكان المخصص لاستقبال السوائل الساخنة نسبياً، والتي خرجت لتوها من أجساد الجالسين على المقاهي الخمسة، والذين اختاروا – دون اختيار حقيقي – أن يتشاركوا جميعاً المبولة ذاتها، لسبب وحيد، وهي أنها مبولة وحيدة، لا توجد غيرها.
في المرة الأولى، قرأت الورقة ومررت دون اهتمام، واليوم، وبعد خروجي من فيلم مستقل جميل، درات في ذهني عدة أفكار.
(!)
من أين يأتي الإبداع؟
السؤال أوسع من أن يطرح، دعنا نكون أكثر تحديداً فنقول : "هل ينتمي الإبداع إلى الإيمان، أم إلى الكفر؟".
أصبح السؤال ضيقاً، لكن.. ما المناسبة؟، وما علاقة الإبداع بالإيمان والكفر..
ليستمر النقاش، يمكن أن نحدد المقصود بالإيمان والكفر مبدئياً. الأمر لا علاقة له بالدين، أو الله، أو العبادة، الأمر متعلق بالمفهوم الأكثر شمولاً لمعنى الإيمان ومعنى الكفر.
الإيمان، بطريقة أو بأخرى، هو التسليم بما اتفقت الجماعة عليه. والكفر، بطريقة أو بأخرى، هو طرح التساؤلات حول ما اتفقت الجماعة على التسليم به.. نعود للتأكيد.. أن المعنى أكثر شمولاً من الدين، هنا، أتحدث عن معتقدات الجماعة بشكل عام، جزء منها الدين، وجزء منها الأخلاق، وجزء منها طريقة المجتمع في الإبداع.
حتى أصل إلى الفكرة في أقل عدد ممكن من الكلمات، أقول أن اعتقادي الشخصي يقف عند الاقتناع بأن الإبداع مصدره الكفر وليس الإيمان.
الإيمان بالجماعة ومعتقداتها، ينتج معتقدات جماعية أخرى.. لكن الكفر بها، ينتج أفكاراً مختلفة.. تتجاوز ما يؤمن المجتمع به، وتكتفي بالوقوف عند ما يعتقده المبدع وحده، بغض النظر عن مدى اتفاقه أو اختلافه مع معتقدات الجماعة.
وبالتالي، فإن المبدع الحقيقي، هو في البداية كافر حقيقي.. وكما أن هناك مستويات للإبداع، هناك أيضاً مستويات للكفر.
هناك كافر يكفر بالجماعة ككل، يعتقد أنها غير موجودة أساساً، وهناك كافر يكفر بأفكار الجماعة، وهناك كافر يكفر بطريقة معينة للجماعة في قضية محددة. وهناك كافر يكفر بكل شيء، بالجماعة، بالدين، بالله، يعتقد أنه وحده الموجود، وأن كافة الأشياء الأخرى غير حقيقية.. كله في النهاية كفر، والكفار سيذهبون يوماً ما جميعاً إلى النار، وهم يعلمون عن أنفسهم الكفر، وجرب بعضهم ناره في الدنيا، ويعتقد أن مصيره في الحياة الأخرى – إن كان يعتقد في مسألة أن هناك حياة أخرى – إلى النار دون شك.
ما لفت نظري إذن في الفيلم المستقل الجميل، أن صاحبه كفر بطريقة الجماعة في فن السينما، فاختار طريقة أخرى، تلاءمه هو وحده، وقدم فيلمه خلالها.. وللمصادفة، فإن الفيلم يتحدث عن مجموعة من الفنانين، يرسمون الجرافيتي ويغنون الراب، ويصنعون أفلاماً وثائقية مستقلة، دون أدنى التزام – أو إيمان – بما يعتقده أو يؤمن به المجتمع والمشاهدين.
(*)
ولأن الإبداع مسألة فردية. تخرج من داخل المبدع وحده، وتعبر عن أفكاره وحده. كان طبيعياً أن يأتي من الكفر، من الاعتراض على الجماعة وأفكارها وما تؤمن به. هذه مسألة طبيعية ومنطقية.. لماذا إذن اعتقدت في البداية أن السؤال محير وعميق.. تبدو الحقيقة واضحة، لكننا نفضل استخدام ألفاظ أقل قوة من الكفر والإيمان وما إلى ذلك.
الأسئلة المنطقية الأخرى هي.. هل يجب أن يتم محاكمة الإبداع الكافر بقوانين الجماعة المؤمنة؟ وكيف يمكن وضع حدود للكفر طالما أن الجماعة تتحدث بلغة غير تلك التي يفهمها المبدع؟.
هل إبداع الفرد الكافر خطر على الجماعة المؤمنة؟، وما ذنب المؤمنين المسالمين الطيبين الرائعين في التعرض لموجات كافرة شريرة تحت اسم الإبداع؟.
وهل الأمر فوضوي إلى هذه الدرجة؟, ألا توجد أية أفكار "تنظيمية" للعلاقة بين الكافر وجماعة المؤمنين؟. وأليس من حق المؤمنين أن يدافعوا عما يؤمنوا به، وهل لهم الحق في عقاب الكفار ورجمهم وقتلهم ومحو إبداعهم الذي يثير الأسئلة ويجلب الصداع؟.
وهل كل مبدع كافر يهدف إلى إيذاء الجماعة المؤمنة؟، ألا يوجد كافر طيب، كافر في حاله، يكتفي بالكفر ويترك من يؤمن يؤمن، متمنياً له التوفيق في الحياة الدنيا والآخرة، إن وجدت.
في رأي كاتب السطور السابقة، يمكن أن نقول أن هناك نوعين من الكفار..
كافر كافر، وكافر مؤمن، ونبدأ بالثاني لأنه أخطر..
الكافر المؤمن، هو ذلك المبدع الذي يرى أن الجماعة تؤمن بترهات، وأن عليه أن يخبرها بذلك، ويؤكد لها أنها غبية وسخيفة وساذجة، وأنه وحده صحيح سليم يعرف ويفهم كل شيء.
الكافر الكافر، كفر بالجماعة كلها، لا تعنيه، ولا يهتم بما تؤمن به، تذهب هي وما تعتقد به إلى الجحيم – إن كان هناك جحيم فعلاً – ودوره يقف عند ذاته، يطرح أسئلته الشخصية، ويبحث عن إجاباته الخاصة، ولا يعنيه – إطلاقاً – كيف يمكن أن ترى الجماعة ما جاء به من أفكار كافرة وإبداع لا إيماني.
الكافر المؤمن يؤمن بالجماعة، لكنه يريد أن يؤذيها، فتبقى الجماعة أمام عينه، ينتقدها، يسبها، يستعرض عضلاته الكافرة، يريها كيف يمكن أن يزعجها بكفره.
الكافر الكافر لا يرى الجماعة أساساً، وللمفارقة، يمكن أن تجد لديه قدر من الإيمان ببعض ما تؤمن الجماعة به، لأنه حين كفر، فقد كفر بأشياء محددة، ولم يكن يكفر كرد فعل على إيمان الجماعة بشيء.
الكافر المؤمن، يكفر بكل ما تؤمن الجماعة به، وهو يرفض بينه وبين نفسه أن يضبط قلبه مؤمناً بأمر آمنت الجماعة به سابقاً.
الكافر المؤمن يسب الدين، ويسبب الإزعاج، الكافر الكافر في حاله، يكفر وحده، ويحترم الجماعة المؤمنة، لا شان له بها.. هو يكفر بأشياءه المحددة، فيما يكفر الكافر المؤمن بكل شيء.
يمكن لتبسيط المسألة مراجعة نوع معين من البشر المبدعين، الذين يصل إبداعهم لدرجة الوقوف عراة في الميادين العامة لإخبار الجماعة بكفره بها. هؤلاء كفار مؤمنين بالجماعة، ويقف كفرهم عند إخبار الجماعة أنهم كفروا بها وأن عليها أن تذهب إلى الجحيم..
النوع الثاني، يجعل الجماعة تذهب إلى الجحيم دون أن يخبرها، يمنع نفسه من رؤية الجماعة أساساً، ويركز على أفكاره وكفره، حتى إن وصل في نهاية رحلة الكفر إلى الإيمان بما آمنت به الجماعة ذاتها.
الفرق واضح، الكافر المؤمن يركز على استفزاز الجماعة باللعب في معتقداتها، ويبرز أسوأ ما داخله، وهو عورته، فيخرج إبداع مليء بالعورات الجنسية والدينية والأخلاقية.
الكافر الكافر، تستفزه الجماعة وتناقضاتها، فيجد نفسه مجبراً على إخراج أفضل ما فيه.. وهو الإبداع.
بمرور الوقت، ولأن الكافر الكافر طيب ولطيف ومؤدب مع الجماعة، تراجع الجماعة معتقداتها ذات مرة، فتسمح لنفسها بالإيمان ببعض أفكار الكافر الكافر، وتتحول أفكاره التي كانت يوماً كافرة إلى معتقدات إيمانية في عقيدة الجماعة.
لكن الكافر المؤمن، ولأنه ركز طاقته فقط على استفزاز الجماعة، ونسى أن يقدم أفكاراً حقيقية، فإن القصة تنتهي دون إبداع حقيقي، وينتهي الأمر عند كونه محاولات استفزازية للجماعة، لم تترك أي أثر.
إبداع الكافر الكافر ينفع الناس بمرور الوقت، والقاعدة الإيمانية القرآنية تؤكد أن ما ينفع الناس يبقى في الأرض، وأما الزبد، فيذهب جفاء..
(؟؟)
في النهاية، يبقى المؤمن مؤمن، والكافر كافر، وتبقى المبولة الوحيدة باقية مكانها، وفوقها ورقة مستطيلة عليها عبارة "حافظوا على نظافة المكان"..
المؤمن يقف أمام المبولة، ويحاول أن يسمع الكلام.. يتبول بهدوء، ويركز على هدفه..
الكافر يكتفي بالتبول، ويطرح سؤالاً منطقياً : هل من المعقول أن يحافظ أحدهم على نظافة المبولة بينما يتبول فيها؟
كتبها
البراء أشرف
at
4:41 ص
2
التعليقات
الأحد، أكتوبر 17، 2010
عن الكتابة، والعطف على الكلاب.
الكتابة إخلاص. وعلي أن أعترف أني لست مخلصاً لكتابتي بأي حال.
قد أكون مخلصاً لما أقرأ، لكن أبداً لم تنل الكتابة مني اهتمام قد أعطيه لغيرها من الأمور، العمل، الحب، تربية الطفلة الصغيرة، الرغبة الدائمة في الراحة أو المرح، والتعلق بالتسكع المستمر في الشوارع والمقاهي والطرقات.
من أين يأتي الإخلاص حتى؟، يعني، من غير المتوقع أن يكون الإخلاص حاضراً في علاقة كاتب بما يكتب، لو علمنا أن هذا الكاتب عرف كتابته صدفة، وأنه يلاقيها على صفحات مدونته، وفي المساحة المخصصة للـ"ملاحظات" على موقع "فيس بوك".
الطريقة الكلاسيكية القديمة للكتابة، تلك التي تتكون عادة من ورقة وقلم وأجواء ملاءمة، وساعة حظ... ورق أبيض وقلم بالحبر السائل، أو قلم الرصاص بالسن الحاد، إلى ما قاله الكتاب الأكبر سناً والأعمق تجربة.. تلك طريقة لم أعرفها.. لم أسمع صوت قلمي يجرح بياض الورقة، سمعت صوت أصابعي تدق على لوحة المفاتيح، تكتب بخط جيد، للأسف، لا توجد في الكومبيوتر خطوطاً سيئة.
في مرات أسأل نفسي، أنا أكتب؟، أم برنامج تحويل النقرات إلى حروف وجمل؟، أنا أكتب أم الكومبيوتر، أنا أكتب أم مخترع الشاشة والفأرة والطابعة والأجهزة المحمولة، أنا أكتب عن طريق الأجهزة، أم أنها تكتب خلالي؟.
الكتابة إخلاص، وأنا بشكل عام لا أعرف الإخلاص لشيء. أخلص للأشياء التي يبدو الإخلاص لها هو ذروة اللاإخلاص، على إطلاقه. أخلص للملل، أخلص للسرعة، أخلص للحركة، أخلص للضوضاء، أخلص للخوف من الوحدة..
والكتابة، في تقديري الصغير البسيط الفقير الضعيف، هي مجرد وسيلة لأن أبقى مخلصاً أكثر للأشياء التي أجيد الإخلاص لها، أكتب لأكسر الملل، وأزيد السرعة، وأضيف ضوضاءاً جديدة لضوضاء العالم من حولي، أكتب لأطمئن نفسي، لست وحدي، لست وحدي.
لماذا أكتب إذن؟، ربما لأني أحب أن أأسى على حالي، هذه حقيقة، أريد أن أحكي للأصدقاء على المقهى حكايات مؤسفة، حول حلمي الذي لا تسمح لي الظروف بفرصة تحقيقه، لأبدو رومانسياً في نظر فتيات يعرفوني للمرة الأولى، ولأن شكلي من بعيد، ومن قريب أيضاً، يبدو منفراً، بسبب البدانة وسوء تناسق الكتل، وطريقتي في تسريح شعري وترك ذقني دون حلاقة، فإن فكرة أنني كاتب مغمور تجعلهن يتناسين مظهري، ويقلن "يا له من حظ عاثر أودى بهذا الشاب إلى غير مكانه، لعله كان الآن كاتباً، يكتب في مكان ما، أشياء – قد – تستحق القراءة".
وأكتب لأني أكتب، الكتابة للذين عرفوها – دون أن يخلصوا لها – عبارة عن مرض مزمن لا شفاء منه إلا بالكتابة ذاتها، تأتي الفكرة، تزيد من حرارة جسدك، تتعرق بسببها، ثم تجمع ما تجده بين جنبات نفسك من شجاعة، تواجه شاشة جهازك، وتشعر أنك في مواجهة مباشرة مع العالم، وتراها مهمة مقدسة، أن تكتب، وأن تطلب من الآخرين أن يقرأوا، إذا ما سمحت لهم الظروف.
أكتب لأحافظ على ذاكرتي، أخاف من النسيان على نفسي، أخشى أن تطير التفاصيل من رأسي، فأذهب للأصدقاء، طالباً منهم أن يقصوا علي من أمري ما نسيت، ولأن فكرة الإخلاص سخيفة، وقد منعت نفسي منها لأطول وقت ممكن، فسيكون من الغباء تخيل أن الأصدقاء سيستجيبون لرجائي، ويرون علي ما نسيت، وإن كنت نسيت، فقد اتنسيت، كما تقول أغنية شهيرة، وأنا أكره فكرة أن أعيش عالة على ما يتذكره الأصدقاء عني، أكرم من ذلك أن أعيش أنا على ما أتذكره من أمر نفسي.. الكتابة إذن، في جانب من جوانبها مسألة كرامة، محاولة للعيش بكرامة، وعادة ذميمة، أن تفقد كرامتك باستمرار أمام الورق الأبيض الذي تجد نفسك – مكرهاً – مأموراً بكسر بياضه، والكتابة عليه.
أكتب لأجل الكتابة، مجرد محاولة للإجابة على سؤال واحد متكرر، واجه معظم من كتبوا، حول ماهية الفعل الذي يمارسونه دون إرادة حرة..
في مقدمة كتابها "مفاوضات مع الموتى.. تأملات كاتب حول الكتابة"، تقول "مارجريت أتوود" وهي تصف موضوع كتابها : "عن الكتابة، مع أنه ليس عن كيفية الكتابة.. وهو أيضاً ليس عن كتابة شخص بعينه أو عصر محدد أو بلد دون آخر.. إنه عن الموقف الذي يجد الكاتب نفسه فيه، أو الموقف الذي تجد الكاتبة نفسها فيه، والذي قلما يختلف من كاتب إلى آخر، وما هي هذه الكتابة، بحال من الأحوال، هل هي نشاط إنساني، أم أنها تكليف إلهي، أم هي مهنة، أم عمل مضجر نؤديه من أجل المال، أو لعلها فن، ولماذا يشعر كثير من الناس أنهم مجبرون على آدائها؟".
وفي مكان آخر داخل الكتاب، فإنها تضع قاعدة هامة، تقول "عطفك على الكلاب لن يجعل منك كاتباً جيداً، الكتابة تصنعها الكتابة، لا شيء آخر". وفي الواقع، فإني لا أجيد العطف على الكلاب، بل أني لا أحبها أساساً، لكني قد أفعل ما هو أعقد من العطف فقط لأهرب من ساعة مواجهة الفراغ الأبيض ببرنامج الكتابة على الكومبيوتر، حين تزداد حرارتي، وأتعرق، مستعداً لساعة سحب الحروف والكلمات من داخل روحي، والبدء في النقر المستمر.
وأصارحك، تبدو لحظة بداية الكتابة هي أسهل ما في الأمر، لك أن تتخيل المرات العديدة التي أتوقفها أثناء كتابة فقرة واحدة، أو لتكوين جملة معقدة، أو وصف مشهد معين، هذا أيضاً قد يبدو سهلاً، مقارنة باللحظة الأكثر صعوبة، لحظة التوقف عن الكتابة، أو الوصول لقرار أنه من الأفضل أن يتوقف الأمر عند هذه النقطة، وأن هذه كتابة تبدو جيدة، ولا داعي لمزيد من الأسطر والفقرات وجمل الوصف، أو أنها سيئة لدرجة، أنه من الأفضل ألا أستمر بها.
في مرات، بعد أن أنتهي، أفكر في "مارجريت أتوود"، وأود أن أقابلها شخصياً، لأخبرها أن العطف على الكلاب أصعب – ألف مرة – من الكتابة الجيدة.
لن تغضب الكلاب إن عطفت عليها دون إخلاص حقيقي، على أن الكتابة تفعل.
يمكنني العطف على الكلاب في أي وقت، لكن هذا غير ممكن مع الكتابة.
يمكنني نسيان أمر الكلاب، لكن الكتابة لا تسمح بنسيانها.
الكلاب يمكنها أن تعض، وقد تؤدي بعض العضات إلى الموت، لكن عضة الكتابة لا تقتل، تصيبك فقط بجرح غائر في روحك، ويا له من ألم.
لا يمكن العطف على الكلاب عبر الكومبيوتر، لكن يمكن الكتابة عليه.
الكلاب تنبح، والكتابة تجعلك بحاجة لمن يعطف عليك.
إن عطفت على الكلاب بطريقة رديئة، لن يلومك أحدهم، إن كتبت بطريقة رديئة، فإن أحداً لن يهتم بالعطف عليك.
كتبها
البراء أشرف
at
3:12 ص
8
التعليقات



