الخميس، مايو 22، 2008

"حاجات".. (2)


الجمعة :

هل يوجد أجمل من النوم مدة 12 ساعة متواصلة، أستيقظت في الثالثة أو الرابعة، تسيطر علي حالة غريبة، أشعر كأني أعيش أجواء نهاية فيلم أنا بطله، فيلم طويل قصير، طويل لأنه استغرق سنوات ستة، وقصير لأن أحداثه مرت بسرعة شديدة، وبدون أي ملل.

جئت إلى قنا للمرة الأولى في وقت مثل هذا، في أغسطس، نفس الحر، نفس الروح العالية المرتفعة، نفس القدر من السعادة.

عندما قرر مكتب التنسيق أن كلية الآداب بجامعة جنوب الوادي فرع قنا هي المكان المناسب لي، كنت وقتها في الطائف، في زيارة عمل مع والدي، فرحت وقتها بقدر أجبر أبي على الإندهاش، كانت أمنية الدراسة خارج القاهرة تحتل المرتبة الأولى في لائحة أمنياتي السرية التي لم يتحقق منها شيء.

جئت إلى قنا للمرة الأولى مع موظف في شركة أبي اسمه أيمن، جاء هو في زيارة تسويقية لمنتجات الشركة، وجئت أنا لأحجز مكاني في قسم الصحافة والإعلام، طالباً في الفرقة الأولى.

آسرني هذا البلد منذ البداية، رغم الحر، واختفاء أي مظاهر للترفيه، إلا أن البعد الشديد بينها وبين القاهرة كان كافياً، كنت وقتها أكره القاهرة لدرجة جعلتني أتقبل أي شيء، إلا أن قناعتي تلك لم تستمر إلا شهور قليلة، انتهت بنهاية العام الدراسي الأول، وظهور نتيجتي التي احتوت على خبر تكرر بعدها مرة أخرى، سأعيد العام لأني رسبت في مواد ثلاثة، اللعنة على الدراسة، ولتبدأ الخطة B.

الخطة B تلخصت في العودة للقاهرة، والبحث عن عمل، بعيداً عن شركة أبي، وبالتحديد في مجال دراستي، الإعلام، وقتها عرفت أشياء كثيرة، وفتح أمامي باباً سرياً للمعرفة المقترنة بالسعادة.

لو خيرني أحدهم بين الرسوب في العام الأول والبدء بتنفيذ الخطة البديلة، وبين النجاح بتفوق وتحقيق طموح والديبأن يصبح لديه ابن ناجح يدرس الماجيستير في دولة أوربية على نفقة الدولة، لو خيرني أحدهم لاخترت الخيار الأول، لا أتذكر بالضبط ملابسات رسوبي، لكن ما أعرفه جيداً أنني كنت أحتاج إلى هذا الرسوب، بدونه لم أكن لأذهب إلى رئيس تحرير جريدة "آفاق عربية" أعرض عليه حوار مع رئيس جامعتي، وبدونه ما كان لرئيس التحرير هذا أن يخبرني – بتعالي يناسب رؤساء التحرير – أن المكان المناسب لهذا الحوار هو مجلة حائط مدرستي الثانوية.

بدون هذا الرسوب لم أكن لأفكر في الإعتماد على نفسي مادياً، مدركاً أن قربتي المخرومة ستستمر في "الخر" على نافوخي لفترة طويلة، بحسب توقعات أبي.

بدون هذا الرسوب لم أكن لأفقد الثقة في الأفكار التي اعتنقتها بصدق أيام الثانوي، وبدونه أيضاً فإن لمسة العنف التي تظهر في أفكاري لم تكن لتظهر.

بدون هذا الرسوب لم أكن لأعرف هذا الكم من البشر، لم تكن البوابة لتفتح، بوابة عالم حقيقي، يفصلني عن عالم طفولتي ومراهقتي.

بدون هذا الرسوب، ما كان شيئاً مختلفاً سيحدث، كانت الأمور كلها ستسير في مسارها الطبيعي، ولعلي الآن، كنت سأحظى بفرصة ما، للعمل في دولة عربية شقيقة، في مجال يتعلق بالإعلام، بوظيفة ساعدني في الحصول عليها رئيس تحرير "آفاق عربية"، الذي أقنعني أن مهنة الصحافة لا تلائمني، وأن الإسلام بحاجة إلى أكاديمي إعلامي يدرس الإعلام لأجيال قادمة (باعتبار أن الجيل الحالي لن يحقق النصر أو التمكين، وأن هذه الأشياء من نصيب الأجيال القادمة، وأن دورنا يقتصر في تربية الأشبال، ليحصدوا ما نعجز نحن عن حصاده).

بدون هذا الرسوب، كنت سأظل مكاني، أحلم بمرتب يتكون من عدة مئات من الجنيهات، وبالزواج وأنا على مشارف الثلاثينات، وبزوجة بنت 18، تنتهي لتوها من دراستها في جامعة الأزهر أو معهد إعداد الدعاة، وبسيارة طراز "شاهين"، مستعملة، موديل عام مولدي.. 1985.

.............

انتهت ذكرياتي وأنا لا أزال نائماً على السرير بدون حراك، ما أحلى النوم المتواصل لكل هذه المدة، سأظل كما أنا، أحب هذه الحركة، تعلمتها في قنا، مددت يدي وأغلقت التكييف، وقررت أن أظل نائماً حتى ترتفع درجة حرارة الغرفة ويبدأ جسمي في طرد العرق، أحب رائحة جسمي في تلك الحالة، أشعر كأني لم أستحم منذ أيام، أظل هكذا مدة طويلة، أقرر تشغيل التليفزيون ومشاهدة أي شيء، أقلب بين القنوات بهستيرية، من 1 حتى 22، والعكس، أتخيل أن الباب سيدق بعنف الآن، وسيدخل مدير الفندق ويأمرني بالرحيل، قائلاً أن رائحة جسمي لا تحتمل، وأني على وشك تعطيل التليفزيون، أضحك في سري، أشعل سيجاراً جلبته معي من القاهرة، أقرر أن الوقت قد حان لدخول الحمام والحصول على دش بارد، هو في الحقيقة ساخن، شأنه في ذلك شأن باقي الأشياء المنتشرة في بلد مثل قنا.

نزلت، تركت حقيبة اللاب توب في الغرفة، وقررت أن الوقت مناسب للتسكع قليلاً، مررت على استقبال الفندق، طلبت من الموظف عدم تنظيف الغرفة لأن أشيائي منتشرة بشكل يجعلني قلقاً من ضياع أي شيء، وأكدت أن الجرائد الملقاة في كل مكان ليست زبالة، وأني أريدها مكانها، طمأني الموظف بقوله أن عمال النظافة رحلوا اليوم مبكراً، وأن التنظيف سيتم في الغد.

خرجت من الفندق، الجو أفضل كثيراً، مررت على فرشة الجرائد، أحضرت المصري والدستور الفجر، وروزاليوسف، وكالعادة ندمت على شراء "روزا" بمجرد ابتعادي عن الفرشة وقراءة عناوين مقالات الثنائي العبقري كرم جبر وعبد الله كمال.

الآن أستطيع أن أعرف محتوى المقال من قراءة عناونه، فمضمون مقال الثنائي العبقري لن يخرج عن كونه أمراً من ثلاث، الحديث عن القوى الخارجية التي تستهدف مصر، الحديث عن القوى الداخلية التي تستهدف هي الأخرى مصر بإيعاز من القوى الخارجية، الحديث عن حكمة الحكومة والرئيس ومن سار في ركابهما إلى انتخابات 2011..

اللعنة، "رضا" عنده حق، لابد أن تتعلم أن تخلص نفسك من مهنتك في لحظة وتتحول إلى مجرد مستقبل للرسائل، العمل في الإعلام، بالإضافة إلى ما فيه من مصائب كثيرة، يفقد الواحد منا متعة القراءة العادية، يمنعه من الإندهاش، يجبره على عدم الإشادة بالعناوين الجيدة أو المقالات الرائعة، انسى وأنت تعمل في الإعلام أن تخرج من السينما قبل قراءة التتيرات، أن تشاهد سيناريست يتحدث في توك شو فاشل دون أن تهتم، أن تجد مقالاً عن صناعة الترفيه مكتوب باليابانية العامية دون أن تحاول ترجمته أو تجبر نفسك على تعلم اليابانية.

فجأة يتحول كل "الإعلاميين" إلى منافسين لك، كل صحفي هو مجرد شخص يفعل شيئاً تستطيع أنت أن تفعله بشكل أفضل، كل كاتب عامود هو مجرد شخص آخر يجيد الكتابة، لكن ليس كما تجيدها أنت، كل مفكر، هو مجرد شخص ثالث يجيد التفكير، ويصل إلى أفكار من بنات أفكاره، لكنك تعلم، أنك لو جلست في بلكونة بيتك، وفكرت قليلاً، فستصل بالتأكيد إلى نتائج أفضل كثيراً، سواء من بنات أفكارك، أو من بنات الجيران التي تطل عليهم بلكونتك.

بمناسبة البلكونة، أتذكر الآن أن جارة تسكن في الشقة التي أمامي، سمعتها قبل سفري بأيام تسب زوجها، في وصلة سباب دورية اعتدت عليها أنا ودعاء منذ أن سكنا في هذه الشقة، منذ عام تقريبا، لكني هذه المرة كنت أستطيع السماع بشكل أفضل، كما أن نيتي في التلصص كانت خالصة لوجه سيناريو فيلم أعمل عليه الآن، تلصصت لعلي أجد في الكلام ما يمنحني جملة حوار أو فكرة شخصية، والحقيقة أن جارتي المصون كانت كريمة بحيث أعطتني كل شيء.. سمعت جمل متقطعة كانت كافية لتطلعني على الصورة كلها..

"أنت فاكر نفسك إيه.. أنت مش أكتر من راسبوتين.. راسبوتين قذر، طبعا أنت متعرفش يعني إيه راسبوتين يا جاهل.. هتعرفه منين.. من ذقنك دي.. اللي بتضحك بيها على كل الناس.. اسمع.. أنا فضلت عايشة معاك ومخدوعة فيك ومستحملاك عشرين سنة.. بس عمري ما هسمحلك بعد كل الوقت ده تيجي وتمد إيدك على بنت من بناتي"..

انتهى كلام الجارة المصون، التي لا أعرف شكلها ولا شكل بناتها ولا شكل هذا الراسبوتين الذي أخبرني البواب بأنه لا يعيش معهم ويأتي لهم من وقت لآخر.. سألت نفسي وقتها، هل يستحق بني آدم – أياً كان – أن يجعل بني آدم آخر – أياً كان برضه – يحتمل كل هذه المدة..

سألت دعاء في اليوم التالي السؤال الذي علمني إياه أحمد، "أنتي مضطرة تعيشي معايا.. أرجوكي لو مضطرة قوليلي.. وأنا هعفيكي من أي ألم وهعرف أنسحب من حياتك بمنتهى الهدوء.. دعاء.. هو أنا راسبوتين؟"..

كنت أعلم الإجابة وقتها، فلا أنا راسبوتين ولا نيلة، كما أن دعاء – على خلافتنا المتكررة – غير مضطرة على الإطلاق لفعل أي شيء، دعاء لا تعرف الإضطرار أصلاً، لا في حياتها الزوجية ولا في غيرها، كما أن الحياة معي – كزوج – لطيفة من وجهة نظري يما يتعلق بمسألة الإضطرار.

أخبر دعاء أنني على استعداد للقدوم إلى البيت يوماً بعد منتصف الليل لأجدها ما زالت بالخارج، فقط سأتصل بها أطمئن عليها، وأطلب منها إحضار عيش فينو معها لأني جعان، أو شراء الجرائد من ناصية الشارع إن كان اليوم هو الخميس.

أخبر دعاء بأني لن أسألها إن قررت خلع الحجاب مثلاً عن سر قرارها، وإن طلبت مني يوماً مبلغاً نقدياً كبيراً لإنفاقه في شيء ما لا أعرفه ولا يحق لي ذلك، فسأجتهد – بمنتهى الضمير – لإحضار المبلغ في الوقت المطلوب.

أخبر دعاء أنني أمنحها كل صباح حريتها الكاملة، لا أشغل بالي بأي رقابة على تصرفاتها، وأخبرها أيضاً، بعد هذه المحاضرة الرقيقة، أنني أفعل كل هذا فقط حتى أنال أنا الآخر حريتي، أو على الأقل قدراً منها.

بالطبع تلتزم دعاء بالحضور إلى المنزل في وقت حددته هي لنفسها، كما أنها أيضاً تصر على إخباري بكل كبيرة وصغيرة في حياتها، وأنا طبعاً أتفهم ذلك بكونه احتراماً جميلاً منها تجاهي، وبكونه أيضاً، ذكاء أنثوي حاد، من زوجة تعرف هدف زوجها، فتمنعه إياه بمنتهى الحكة.

.......

هل سأأكل اليوم في "كويك دور"؟، لا.. بالأمس كانت البيتزا سيئة، كما أن الجو هذا العصر جميل، ويسمح لي بالتمشية للأمام قليلاً لأصل إلى "الشيف"، أفضل مطاعم قنا على الإطلاق في نظري المتواضع.

دخلت، صالة الطعام كلها فارغة، سألت عن إذا ما كان المطعم يعمل، أجابوني بإيجاب ودهشة، تذكرت أن اليوم هو الجمعة وأن الجميع على موعد مع غداء عائلي، بالإضافة إلى أن هناك مبارة ما جعلت البعض يفضل مشاهدتها في المنزل بدلاً من الغداء في الخارج، طلبت بيتزا وساندوتش صغير وبيبسي.

من المطعم إلى شقة ياسر وبسام، مروراً بالفندق الذي أحضرت منه حقيبة اللاب توب، قرأت أجزاء كثيرة من كتاب المادة، فتحت اللاب توب، وجلست أكتب ما حدث في الأربعاء والخميس والجمعة.

عدت إلى الفندق في الواحدة من صباح السبت، كلمت دعاء في الطريق بينما كنت أسير والشراع خالي تماماً، كانت نائمة، سألتها عن موعد عودتها للقاهرة من كفر الشيخ، قالت صباح السبت.. وأغلقت في وجهي.. هكذا تفعل عند النوم.

السبت :

أيقظني الموبايل 10 مرات، وأيقظني تليفون الغرفة مرتين، الأولى لم أرد أساساً، والثانية كانت لسؤالي عما إذا كنت مستمر في الإقامة لليلة أخرى أم أني سأرحل.

كررت طقوس الأمس، أجمل ما في هذه الأجازة أنها تسمح لي بتكرار الأشياء بدون أي قلق.. وقفت تحت الدش لوقت أطول، استخدت صابونة الفندق، أفضل الإستحمام دون صابون على الإطلاق، لا أحب ملمس الصابون على جسدي، كذلك لا أحب الليفة، أفضل المياة الفاترة في الصيف، والساخنة فيما عداه.

وقفت عشر دقائق أبحث عن مشط لشعري، لم أجد، قررت تسريح شعري بأصابعي، كان مظهره منكوشاً وكأني قضيت يوم كامل في التصوير، أحب هذه الهيئة، قررت النزول هكذا دون اعتناء بالمظهر، أنا أساساً لا أهتم بمظهري بالقدر المطلوب، اهتم فقط بأن تكون ملابسي سليمة، وأن يكون قميصي مكوياً.

أكلت المعتاد في كويك دور، لم يعجبني الشيف، أو بمعنى أدق لم ألمح فروقاً بينه وبين كويك دور، خرجت من المطعم، وقررت أن الوقت مناسب لمقابلة (ش)، صديقتي من أيام أولى كلية، كيف ستبدو، هل تكفي 6 سنوات لتغييرها؟.

كلمتها، أخبرتني أن أمامها ساعة وتكون في "البسمة"، بحزم إداري تعلمته في الفترة السابقة أخبرتها أنه "مينفعش، تلت ساعة وتكوني قدامي"، ضحكت، ونفذت أوامري.

لم تترك (ش) شيئاً إلا وتحدثت فيه، الناس، الشغل، الحب، الزواج، الكتب والأدب والسينما والفن، الجو الحار، الاختلافات بين القاهرة وقنا، القهوة التي يقدمونها في البسمة وكيف أنها سيئة ولن تعجبني..

بذكرها للقهوة أخبرتها أنني تعلمت شربها مؤخراً، كذلك بدأت أشرب السيجار، قالت أنها لو جاءت مبكراً قليلاً لنصحتني بعدم طلب القهوة من هنا، قلت أنني جئت هذه المرة لاكتشاف الأشياء بنفسي، وأني لست في حاجة إلى مرشد سياحي.. ضحكنا.

يبدو أنها لم تلحظ جملتي السابقة بشأن السيجار، فجأة وجدتني أطلب "طفاية" من فتاة البسمة، أخرجت العلبة المعدنية من الحقيبة، والولاعة من جيبي، أمسكت السيجار بعناية، شممته، ثم أشعلته فجأة، مثيراً حول وجهي الكثير من الدخان، ومثيراً لدى صديقتي الكثير من الأسئلة.

قالت : "عارف، أنا متأكدة إنك مش كويس.. إحكيلي إحنا أصحاب.. مالك.. فيك إيه؟".

ضحكت، أخبرتها أن تأكدها ليس في محله، وأني كويس جداً، كما لم أكن من قبل، وأن الساعات الماضية، منذ ركوبي القطار، منحتني راحة وسكينة كنت في حاجة ماسة إليها، وأني هادئ لدرجة البرود، وأني فقط بحاجة إلى نوم عميق وراحة جسدية وصلاة عشاء في مسجد سيدي عبد الرحيم القناوي، بعدها أكون قد حققت مرادي من هذه الرحلة، وأعود بعدها إلى القاهرة لأبدأ من جديد.

نظرت إلى كتلميذة تحاول اختراع قانون جديد في التفاضل والتكامل بعد أن تمكنت من حل كل مسائل كتاب الوزارة، لكنها اكتشفت في النهاية أن حل المسائل لا يكفي وحده لاختراع القوانين.

جادلتني، قالت أنني أتحول إلى "شيء فارغ"، أخبرتها بأن لي صديق في القاهرة يقول أنني على وشك التحول إلى "شيء"، سألتها : "عارفة يا ش إيه أغبى حاجة ممكن إنسان يعملها في الحياة؟، إنه يمنع نفسه من التغيير، مقصدش إنه يبقى معندوش ثوابت، بس على الأقل، يبقى دايماً حاطط خطة بديلة، يبقى دايماً متوقع إن كل مواقفه ممكن تطلع غلط، وإنه يبقى عنده شجاعة الإعتراف بأخطاؤه، ومحاولة تصليحها"..

يبدو أنها لم تفهم شيئاً من كلامي، انتهزت فرصة حديثي عن الأخطاء، سألتني، "وأنت إيه الأخطاء اللي اكتشفت إنك عملتها؟"..

جذبت نفس أخير من سيجاري الرفيع، ضحكت، شعرت أنني أشبه يحيي الفخراني بهذا الشكل، قلت لها "لا لا، إنتي فهمتيني غلط، أنا متهيألي معملتش لسه أي حاجة مهمة في حياتي بحيث تطلع صح أو غلط، أنا بتكلم في العموم"..

سألتني "فين الأفلام؟".. حاولت التذكر دون جدوي، رددت بدهشة حقيقية "أي أفلام؟"، قالت "بلاش تمثل، من ساعة ما عرفتك وإنت واجع دماغي بأفكار أفلام كتيرة، هشوف فيلمك أمتى يا سي السيناريست؟".

أعجبتني "سي السيناريست" جداً، لدرجة جعلتني أفكر في تحويلها لشخصية في فيلم لن أكتبه، أخبرتها بأني لن أكتب الآن، قال "أمتى إن شاء الله، يدينا ويديك ويدى السبكي طولة العمر"، أصبحت "ش" خفيفة الظل، لم تكن كذلك حين قابلتها للمرة الأولى في قاعة الدرس منذ ست سنوات، لم تكن كذلك حين ارتبطت بها عاطفياً لفترة ثم اكتشفت أنها لا تحبني بالطريقة التي أفضلها.. لم تكن كذلك، لكن خفة ظلها هذه المرة تعطيها طابعاً سحرياً، كأنها خرجت من فانوسي السحري، أو أنها شخصية خيالية أستحضرها في "البسمة" لقتل الفراغ..

أخبرتها أنني الآن مركز في الأفلام الوثائقية، وأنه من الواضح أني سأركز بفترة ليست بقصيرة، "برطمت" قليلاً، اندمجت أنا وقتها في كتاب أحضرته معها وتركته أمامي على الترابيزة بحيث لم أركز في كلامها، قالت أشياء كثيرة، أسماء أكثر، من أول وحيد حامد إلى أحمد عبد الله، ثم أفقت وهي تذكر اسم "محمد دياب" مؤلف فيلم "الجزيرة"، ضحكت، وحكيت لها عن عاموده الأخير في الدستور، الذي يستحق أن يتم تدريسه في معهد السينما قسم سيناريو في مادة "لا ترتكب هذه الحماقات"..

مر الوقت بسرعة، جلست مع "ش" أكثر من ثلاث ساعات، انهيت الجلسة بطريقتي، كأني أجبرتها على الرحيل، قلت "لازم تروحي، الوقت اتأخر".. همت أن تقول أنه لا مشكلة، أضفت أنا بسرعة "أنا كمان لازم أمشي، عندي ميعاد"..

قضيت ما بقى من الليلة جالساً في البسمة أذاكر، سأنجح في هذه المادة إن استطعت منع نفسي من كتابة رأيي الحقيقي في هذا الكتاب، سأنجح إن لم أكتب ما أرغب في قوله بشأن المستشرقين والإستشراق.. النوم الآن فرض عين.. سأسرق بضعة ساعات، حتى لا أنام في الإمتحان.

دخلت نت كافية بسرعة، أرسلت إيميلاً به بعض الأوراق التي طلبها مني أحمد، وبه سيناريو فيلم وثائقي أيضاً، كنت قد كتبت السيناريو بالأمس وأنا أجلس في البسمة، خرجت من الكافية بعد عشر دقائق.. متجهاً إلى الفندق.

قررت المرور أولاً على بسام وياسر، جلسنا نراجع ما جاء في الكتاب، سألتهم، "تعرفوا سنة تالتة هيمتحنوا تاريخ إمتى؟".. كانت الساعة تشير إلى الثانية عشر ودقيقة، قبل أن أسمع إجابة منهم، يستحق الأمر صفحة جديدة باسم جديد.

الأربعاء، مايو 21، 2008

"حاجات".. (1)



الأربعاء :

دعاء مبسوطة، استيقظت هذا الصباح في الواحدة ظهراً، لم يحدث هذا منذ شهور، تواضعت طموحات دعاء بحيث أصبح نومي الكثير قادراً على منحها بعض السعادة، تقول أنني على الأقل أصبحت أحصل على حقي الطبيعي في النوم.

أخذت حمامي السريع، اتفقت مع رضا على مرافقته إلى المكتب، راجعت تذكرتي، سأرحل عن القاهرة مساء اليوم، في تمام الحادية عشر من محطة الجيزة.. تركت التذكرة على الكنبة، ونزلت مسرعاً للحاق برضا على ناصية الشارع.

وصلت المكتب، لممت أوراقي، وسحبت ملفاتي من جهازي إلى الهارد الصغير، تأكدت من أن وصلة اللاب توب في الحقيبة، وانتظرت أحمد للسلام عليه.

قضيت ساعتين في المونتاج، وساعة أخرى في إجتماع، ثم رحلت في تاكسي عائداً إلى المنزل.

وصلت البيت في الخامسة والنصف، شاهدت برنامج على الجزيرة، أخيراً تم بث حلقة قصيرة عن فرقة إسكندريلا أخرجتها منذ شهرين، استقبلت أمي وحمزة وعبادة (أخوتي)، أكلت، ثم اكتشفت أن الساعة تشير إلى العاشرة والربع، نزلت، بعد أن وزعت قبلاتي بالعدل على أمي وأخوتي ودعاء ومليكة طبعاً..

سأفقد القطار، أو سيفقدني هو، محال أن أتجاوز شارع الهرم ونفق نصر الدين في أقل من ساعة إلا ربع، لكن عبادة فعلها بقيادة ماهرة سريعة لسيارة أبي، ووصلت قبل موعد القطار بعشر دقائق كاملة.

دخلت محل لبيع الجرائد والمشروبات داخل المحطة، أشتريت زجاجة مياة كبيرة، وعلبة كولا، وولاعة أعجبني شكلها وأكتشفت أنها رخيصة جداً بالنسبة لمحل سياحي، طلب الرجل جنيه ونصف فقط ثمناً لها، مع أني كنت على استعداد لدفع ثلاثة أضعاف الرقم.

سألت الرجل عن جرائد الخميس، أخبرني أنه لا يوجد منها إلا الجمهورية، شكرته بصدق، مؤكداً أن مزاجي لا يحتاج إلى جرعة ترفيهية فكاهية ثقيلة أحصل عليها من الجمهورية أو غيرها، أريد الجرعة اليومية العادية، المصري اليوم أو الدستور أو حتى البديل على أقل تقدير، ابتسم وأخبرني أنها ستأتي بعد دقائق، صارحته مرة أخرى بأن قطاري لن يهتم برغباتي القراءية، وسيرحل قبل وصول الجرائد المطلوبة، رد هو بسرعة، "ده على افتراض إنه هيوصل في ميعاده".. ضحكت.

الأسبوع الماضي وقفت ساعة كاملة مع رضا في محطة مصر بانتظار وصول قطار سيقله إلى الأسكندرية، تأخر القطار ساعة وأكثر، فيما كنت أنا أؤكد لرضا أن الأمر طبيعي تماماً، وأن مواعيد القطارات تخضع لظروف لا يتحكم فيها بشر.

مازلت داخل محل الجرائد، قلبت في بعض الكتب المرصوصة على أرفف عريضة بطول جدران المحل، سألت الرجل : "أنت ليه مش بتبيع حاجات حقيقية؟"..

سألني عن المقصود الحاجات، سكت دقيقة كاملة، لاحظت أنني في الفترة الأخيرة أصبحت أطلق كلمة "حاجات" على كل الأشياء والتفاصيل، فالشرائط حاجات، والسيناريوهات حاجات، والمونتاج حاجات، والإيميلات حاجات، وحتى الستائر التي طلبت دعاء مني مساعدتها في تعليقها أكثر من عشر مرات في يومين، حاجات أخرى.

تذكرت جملة أحمد دريني التي واجهني بها في مقابلتنا الأخيرة بجوار مطعم القزاز بوسط البلد، حدثته كثيراً عن الحاجات التي تحدث لي مؤخراً، فقال بهدوءه المعتاد "أنت ليه مصر إنك تتحول إلى شيء؟".

لم أتأمل سؤال دريني أكثر من ذلك، لأني بصراحة لم أفهمه، ولأني أعيش في الفترة السابقة وداخلي قدر من السعادة لن يغيرها إن كنت "شيء" أو "حاجة" أو "ستارة حمام".. المهم أنني أخيراً تخلصت من الأسئلة التي طالما نغصت علي لحظات سعادتي القصيرة.

أخبرت دريني يومها أني "مبسوط وبس"، وأني ألعن الفلسفة كل صباح وقبل النوم، وأن مشكلتي الوحيدة هي أن دعاء مش مبسوطة بشغلي الكتير، وإني هسافر خلاص كمان كام يوم وعندي حاجات كتير لازم تخلص قبل السفر.

انتهت دقيقة السرحان الطويلة، عدت للرجل في محل المحطة، قلت له "شايف، كل الكتب اللي بتبيعها هنا مش حقيقية، هادم اللذات، حقيقة المسيخ الدجال، هرمجدون، الطب النبوي، ليه مش بتبيع كتب حقيقية أقدر اشتريها وأقراها وأنا مسافر؟".

خشيت أن يعطيني درس في الأخلاق متحدثاً عن فضل هذه الكتب مؤكداً أن هادم اللذات هو الموت الذي يجب أن نتذكره كل لحظة، جهزت نفسي لرد سريع وهروب، لكنه فاجأني بقوله، عندك حق والله، الكتب دي كئيبة قوي، ومحدش بيشتريها كتير، بس تقصد إيه بالكتب الحقيقية؟".

قلت "أنا مثلاً لو لقيت عندك رواية شيكاغو بتاعة علاء الأسواني هشتريها، أو ديوان بكرة مش مهم الساعة كام بتاع هيثم دبور، أو حتى هدوء القتلة بتاعة طارق إمام، وطبعاً كابتن مصر بتاع عمر طاهر، على فكرة دي أصلاً كتب مش معروفة، ما عدا شيكاغو طبعاً، بس عليها طلب كويس من الشباب، وهتشوف لو جيبتها إنها بتتباع كويس، وإنت مكانك هايل، في قلب المحطة اللي بيعدي عليها آلاف كل يوم".

قاطعني "وأجيب الحاجات دي منين؟".

أعجبني استخدامه لكلمة "حاجات".. أخبرته بأن المطلوب منه الذهاب فقط إلى ميدان طلعت حرب وزيارة دار الشروق، ومنها إلى دار ميريت، ثم المرور على ملامح، ولا مانع من زيارة الحاج مدبولي في زيارة لن تستغرق دقائق، سيملاً بعدها مكتبتك بإصدارات كل دور النشر العربية والأجنبية.

قال "شهر واحد وتلاقي المحل ده حاجة تانية خالص، وابقى تعالى خد نسبة من المبيعات".

ضحكت، أخبرته أني سأشتري منه كل مرة أسافر فيها، رغم أني أتمنى أن تكون تلك رحلتي الأخيرة للصعيد، فلن أرغب في الذهاب إلى قنا مرة أخرى إن أكرمني الله ونجحت هذه المرة، التي يفترض أن تكون الأخيرة.

كان القطار على وشك دخول المحطة، رن موبايلي، مكالمة أنهيتها بسرعة حتى استطيع ركوب القطار.

ركبت، وجدت على مقعدي شاب نائم، أوقظته برفق، جلست بعد وضعي حقيبتي الصغيرة في الرف العالي فوق المقعد، اخترت هذه المرة أن أسافر بحقيبة صغيرة، احتوت أشيائي وأغراضي بصعوبة، وأصبحت ثقيلة بحيث خلعت ذراعي.

على المقاعد المجاورة، كانت هناك أسرة صغيرة، أب وأم وجدة، وطفل صغير، فشلت كل محاولتهم في جعله ينام، جذب من يدي علبة البيبسي عندما فتحتها، وتسبب في إغراقي بزجاجة المياة عندما نويت الشرب منها، تذكرت مليكة، هل ستصبح شقية إلى هذا الحد، دعوت الله أن تصبح كذلك، وأخرجت "شيكاغو" من الحقيبة.

اخترت هذه المرة أن اقرا خلال الرحلة الطويلة "شيكاغو" للأسواني، و"ثلاثية غرناطة" لرضوى عاشور.

تذكرت بائع المحل وأنا أخبره عن نيتي شراء "شيكاغو" إن كان يبيعها، بالطبع كنت أكذب، ليس تماماً، فقد اشتريت نسختي هذه وأنا أقف مع رضا على رصيف محطة مصر قبل أسبوع، أي أني كنت سأشتريها بالفعل من أي محل آخر على رصيف محطة قطار.

قرأت قليلاً، غالبني النوم، كانت هلاوس ما قبل النوم كلها متعلقة بـ"شيكاغو"، اللعنة على النقاد والجمهور ودور النشر وبرامج التوك شو وجود نيوز للإنتاج السينمائي ومهرجان كان وعادل إمام ووحيد حامد وولده مروان ومقهي الندوة الثقافية وقسم الترجمة بالجامعة الأمريكية.

اللعنة على الأشياء التي جعلت الأسواني يكتب بسرعة أكبر لينشر شيكاغو بدون إكتمال، لماذا لم نحفظ المسافة المطلوبة بين المبدع والنقاد والجمهور، لماذا كان الأسواني يكتب وهو يشعر أننا نراقبه، لقد كتب الأسواني شيكاغو وهو يتخيل الأسئلة التي سيطرحها عليه جمهوره الصغير في الندوة الثقافية، وجمهوره الأكبر على موقعه على الإنترنت، وجمهوره الأوسع في برامج التوك شو، والجمهور المعتاد في حفلات التوقيع بدار الشروق، بالإضافة إلى الأسئلة الأجنبية من مراسلي الجرائد والمجلات الأجنبية في القاهرة.

لماذا لا أتذوق شيكاغو بنفس إحساس تذوقي يعقوبيان، لماذا أشعر بأن بلال فضل سيواجه مشكلة ما في صناعة فيلم "عربي" من شيكاغو بجمال "يعقوبيان" المصري الجميل الذي أعجبني كثيراً.

على كل حال هذه مشكلة بلال وحده، الذي أثق في قدرته على حلها، لكن من سيخرج هذا السيناريو؟، من سيقبل أداء الأدوار الموجودة داخل شيكاغو؟، من.. ؟.

هنا انتهت هلاوس ما قبل النوم، وانطلقت في نوم طويل انتهى مع دخول القطار في الثامنة من صباح الخميس إلى محظة نجع حمادي، التي تسبق قنا – محطة وصولي – بأقل من ساعة، إنه يوم جديد، يستحق "صباح الخير" لدعاء، وسؤالها عن ليلتها الأولى في البيت بدوني.

الخميس :


دخلت فندق الياسمين والساعة تدق التاسعة والنصف، الجو ألطف مما تخيلت، موبايلي فصل شحن، لن أتصل ببسام أو ياسر إذن، سأحجز غرفة في الفندق وأنام، ثم أستيقظ في المساء وأخبرهم بوصولي.

أنتهيت من إجراءات الحجز بسرعة، سرعة سببها الوحيد أني أقمت في الفندق من قبل، وبالتالي لا حاجة لتسجيل أسمي وإدخال بياناتي على الكومبيوتر.

اختار لي الموظف غرفة في الطابق الرابع، لكني طلبت غرفة بديلة في دور منخفض، فاختار غرفة أخرى في الثاني، لكنه أخبرني أنها فرغت منذ دقائق، وأضاف، "عشر دقائق فقط وتصعد للغرفة، سينتهون من تنظيفها حالاً".

تركت حاجاتي في مدخل الفندق، وخرجت إلى ميدان الساعة الذي يحتل الفندق جزء كبير منه، تجاوزت الميدان، وصلت إلى الساعة ذاتها، وقفت أمام "فرشة" لبيع الجرائد، سألت عن المصري ودستور الخميس أو البديل، أخبرني الشاب الصغير أن كلها لم تصل، لكن الجمهورية موجودة، ضحكت، أخبرته أني أريد النيوزويك فقط، مد يده وأعطاني إياها في ثقة، تعجبت لأمر مصر، الحصول على النيوز ويك في القاهرة أمر عسير، لكنها متاحة هنا في كل مكان.

أتذكر كم مرة أضطر لتكرار كلمة نيوزويك على أي بائع جرائد في القاهرة، ضحكت مرة أخرى وأنا أدفع ثمن المجلة والدستور الأسبوعي، 6 جنيهات فقط، لا أربع جنيهات إضافية ولا حتى عشر قروش، تعيش قنا حرة مستقلة.

قلبت المجلة خلال عودتي للفندق، أريد فقط أن أتأكد أن قسم "العيش الرغيد" لايزال موجوداً في النصف الثاني منها، تأملت بعض الصور الممتازة كعادة النيوزويك، قرات العناوين التس تسحرني عادة، ثم إلتفت يميناً لأجد طابور عيش حقيقي، ليس كذلك الذي شاهدته في القاهرة، طابور عيش بطول الشارع، طابور عيش يقتل فيه الناس، ويفقدون أصابعهم وأعضائهم، طابور عيش لا يعرف وعود أحمد نظيف ولا تعرفه كاميرا المصري اليوم.

تذكرت أنني لم أحضر معي الكاميرا، اخترت أن تكون رحلتي هادئة، لا عمل فيها على الإطلاق، الكاميرا تفتح باب الشغل والمقالات والتدوينات التي لا تنتهي، ثم أن كل ركن في قنا يستحق ألف صورة، ولست على أستعداد للتحول إلى سائح في أجازتي القصيرة التي تتخللها امتحانات كثيرة.

ثم أن دعاء سترفض إعطائي الكاميرا، ستذكرني بأننا أشتريناها أصلاً لتصوير مليكة، وأنها "كاميرا مليكة"، فجأة أصبحت كل الأشياء ملك لمليكة، الكاميرا، الكومبيوتر، الشقة الجديدة، التكييف، أمر جيد أن تتزوج وتنجب لتكتشف أنك غير قادر على استخدام حقوق ملكيتك، فقد سلبتها منك مليكتك.. حلوة هذه الجملة.

عدت إلى الفندق، صعدت إلى غرفتي، لا يزال هناك عامل ينظف الحمام الداخلي، اخترت غرفة بتكييف وحمام داخلي ودش. خرج العامل دون أن يطلب أي بقشيش، أغلقت خلفه، تأكدت من أن التكييف سليم، وأن قناة الجزيرة موجودة في الدش، وأن السرير بملاية نظيفة.

خلعت القميص والبنطلون، وبقيت بملابسي الداخلية، استلقيت على السرير، وقررت قراءة المزيد من شيكاغو، تذكرت هلاوس ما قبل النوم في القطار، وابتسمت، كم كانت هلاوسي قاسية على الأسواني.. استمتعت بقراءة ما تبقى منها، واكتشفت أني وصلت فجأة إلى نهايتها، كنت أتمنى أن تكون أطول قليلاً، لم تبقى لدي سوى "ثلاثية غرناطة".. ولن تكفي بالتأكيد الأيام التي سأقضيها في قنا..

قرأت النيوزويك، لم أفتح الدستور، وألقيت باللوم على نفسي، فلا أعلم السبب الحقيقي الذي اشتريته لأجله.

ذهبت في نوم عميق، لم أستيقظ إلا في الرابعة، استيقظت أكثر من خمس مرات، كلها للرد على مكالمات تخص العمل، سينخفض عدد المكالمات تدريجياً، حتى تختفي تماماً قبل عودتي بأيام، هذه عادة موبايلي في السفر، البعيد عن الشغل بعيد عن التليفونات.. يحيا العدل.

أخذت حماماً بارداً لكني أكتشفت أنه لا فرق بين البارد والساخن في حمام الفندق، كل الحنفيات تؤدي إلى المياة الساخنة، الحنفية اليسرى تجلب الماء من السخان الساخن، واليمنى من المواسير التي تحولت إلى سخانات بفعل الشمس الحارقة.

شعرت أن التكييف بحاجة إلى صيانة، فهو لا يشعرني بأي برد، لازلت أشعر بنفس حر القاهرة، أرتديت ملابس نظيفة، وفتحت باب الغرفة للخروج، عدت للداخل مرة أخرى، تأكدت من وجود أموالي في مكانها، راجعت عدها مرة أخرى، قسمتها حسب المطلوب منها، جزء للفندق، آخر لمصاريف الجامعة، ثالث للكتب والمذكرات، وقسم أخير للمصاريف اليومية.

خبأت الجزء الأكبر في جيب شنطة اللاب توب، وحملت معي ما أحتاجه فقط، ونزلت.

ذهبت إلى مطعم "كويك دور"، أشتريت في الطريق المصري والدستور، وشاهدت طابور العيش ذاته في مكانه رغم مرور أكثر من 8 ساعات، طلبت من موظف المطعم بيتزا وساندويش ومياة صغيرة وعلبة كولا، طلب 18 جنيه، دفعتها مقارناً بين ما طلب وبين ما كنت سأدفعه في مكتبي بالمعادي في حال طلبت نفس الكمية.

أكلت، تأكدت أنه لا فرق بين هنا وهناك، شربت الكولا وأنا اقرأ الجرائد، لاحظت أن العامل الذي أحضر الطعام إلى منضدتي شديد الشبه بي، ابتسمت في وجهه، وكدت اسأله إن كان هو الآخر يشبهني، لكنه صدني بتكشيرة منعتني من الاستمرار في تفكيري بسؤاله.

خرجت، اتجه الآن إلى شقة بسام وياسر، أنتظر أن يخبراني بالجديد في عالم الكلية، وأن يعطوني الكتب لتصويرها.

جلسنا ساعة، نزلت بعدها مع ياسر في إتجاه المكتبة، أعطيته كل الكتب مرة واحدة، طلبت منه أن يصور كتاب واحد بسرعة هو "الدراسات الإستشراقية" والتي يقول الجدول أنني سأمتحنها بعد يومين.

ذهبت إلى أكثر من مكتبة لشراء كشكول سلك مناسب للمذاكرة، لم أجد واحد ملائم، أبحث عن كشكول بورق سميك، اشتريت في النهاية واحداً عليه صور لميكي ماوس، وثلاثة أقلام حبر، واحد يونيبول أسود بسبعة جنيهات، واثنين ماركة تقليد لليونيبول، سعر كل واحد جنيه ونصف، جربت الأقلام الثلاثة، لم ألاحظ أي فرق بين الأصلي والتقليد، لكني قررت الإحتفاظ بالأصلي للإمتحانات، والتقليد للمذاكرة.

عدت إلى مكتبة التصوير، حصلت على الكتاب المطلوب، ثم اتجهت إلى بسمة الجنوب، الكافية المفضل لي في قنا، ذاكرت صفحتين أو ثلاثة.. تحيا مصر مرة أخرى.. أدرس مادة تتحدث عن المستشرقين وهجومهم على الإسلام، المطلوب مني أن أدافع عن القرآن بالقرآن.

بمعنى أن المستشرق الفلاني يقول أن الوحي الإلهي للنبي محمد ليس أكثر من مرض نفسي، فأرد وأقول "ما بصاحبكم جنة"، و"إنه لقرآن كريم في لوح محفوظ"، و"كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون"، وبالطبع فإن المستشرق الكافر الملحد ابن الكلب، عندما يقرأ كلامي، سيخر سجداً قائلاً لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولأن إيمانه صادق فسيضيف من عنده أن الإسلام هو الحل، وربما يهتف بالعربية الفصحى، لا للمحاكمات العسكرية.


ضحكت مع بسام وياسر حتى أنهينا كل الإفيهات المتعلقة بالموضوع، وبشكل ما تحول الحديث من دراسات الإستشراق، إلى دراسات الإستنشاق، في حديث ممتد عن الحشيش والبانجو وغيرها من المواد الإستنشاقية الجميلة، ومنها إلى موضوع أكثر أهمية وهو بالطبع ما له علاقة بالنكاح والزواج واللقاءات الحميمة، وبالطبع فإن لكل ما سبق أسماء أخرى "بلدي"، تحدثنا دون حرج منها، ووجدتها فرصة مناسبة لتسجيل الحوار على الموبايل دون أن يلحظ أحد، وهو تسجيل نادر يستحق أن يجد له مكاناً في متحف اللوفر للقباحة.

عدت إلى الفندق في الواحدة صباحاً، شاهدت برامج مختلفة على التليفزيون، وجزء من فيلم أجنبي لا أعرف اسمه، وسرعان ما داهمني النوم، كلمت دعاء، خلدت إلى النوم.

الاثنين، مايو 05، 2008

يلا بينا!

حين يأتي، يخبرني أن أمامي خمس دقائق فقط للرحيل، سأبتسم في وجهه، مدركاً أنه لا شيء يستحق أن يفعل في الدقائق الخمس الأخيرة، سائلاً إياه أن نرحل حالاً، موفراً وقته ووقتي، فلا داعي للإنتظار.

............
حين تنتهي الحكايات مثلك، سأقول أي شيء، سأعيد حكي الحكايات القديمة بلغة أخرى، سأكذب، أحكي أشيائاً لم تحدث، ولن تحدث، أختلق مواقف طريفة، وأخرى غاية في الكآبة، حين تنتهي الحكايات، سأكذب على نفسي، فإن أدركت نهايتها، أدركت نهايتنا.

الجمعة، مايو 02، 2008

المدونون.. الصحفيون الجدد!




فيلمي الجديد "المدونون.. الصحفيون الجدد"، والذي بثته قناة الجزيرة يوم الأربعاء الماضي، وأعادت بثه يوم الخميس.

تيترات الفيلم بها أخطاء، فإخراج الفيلم لـ"عمر خالد" و"البراء أشرف" وليس لـ"أحمد خالد" كما هو مكتوب، وقد تم تصحيح الخطأ في إعادة الخميس والجمعة.

اترككم مع الفيلم، وفي انتظار آرائكم.

الاثنين، أبريل 28، 2008

check your mail




تسأله : شوفت فيلم "You've Got Mail"..
يخبرها أنه أحد أفلامه المفضلة.

............

يبدو أن أفلام توم هانكس كلها مفضلة بالنسبة إليه، الحقيقة أنه النجم الأجنبي الوحيد الذي يحفظ اسمه، هو يعاني من حفظ أسماء نجومه المفضلين، جلس مرة ساعة كاملة يحاول أن يتذكر اسم "ميج ريان" لأحد أصدقاءه، ظل يخبره أنها تلك ذات الشعر الأصفر والإبتسامة الساحرة، لكن صديقه كان مملاً بحيث رفض الاشتراك في اللعبة، مخبراً إياه أن كل نجمات هوليود بشعر أصفر وابتسامات ساحرة.

لكنه لا ينسى أبداً توم هانكس، لقد منحه هذا النجم سعادة لا تنتهي، فهو أولاً ذو اسم سهل، يلتصق بالذاكرة من أول فيلم، وهو من ناحية أخرى صاحب أفلام ثلاثة، منحته عدد لا نهائي من لحظات السعادة، كما أنه ليس وسيماً جداً مثل زملاءه، توم هانكس يمكن أن يصبح مصرياً ببساطة، لو شاهدته دون أن تعرفه في شوارع القاهرة، فستقول أنه على الأرجح من المنصورة أو المحلة، وإن أقسم لك أحدهم انه اجنبي غير مصري، فستقول "يمكن يكون من سوريا أو فلسطين". ليس أبعد من ذلك أبداً.

منحه هانكس اللذة السرية كاملة في فورس جامب، كان يعتقد أن "فورست" هي ذاتها "فيرست" (First) وأن "جامب" هي "القفزة"، و"فورست جامب" هو "القفزة الأولى".. لكنه أدرك بعد مشاهدته للمرة الثانية، أن هانكس اسمه في الفيلم فورست، وأن جامب هو اسم والده، وأنه لا علاقة للجري الذي يجريه فورست في النصف الثاني من الفيلم بأي قفزات أولي أو ثانية.

ثم صفعه الصفعة الأقوى في "You've Got Mail"، هل يوجد سحر بهذا الشكل، هل يمكن أن يحدث هذا، تمنى يومها أن يتوقف الزمن بميج ريان بحيث لا تكبر أبداً، تظل كما هي، بقصة شعرها، ورقبتها البيضاء الرقيقة، تمنى أن تظل تستخدم معجون الأسنان نفسه إلى الأبد بحيث تظل أسنانها هكذا، لا أبيض من ذلك ولا أصفر، تمنى أن يتقدم علم الاستنساخ، أن يتمكن العلماء من تكرار جسد "ميج" في الآف النسخ، وان تصبح ابتسامة "ميج" متاحة لأي فتاة من شبرا حيث كان يعيش وقتها، لكن امنياته كلها لم تتحقق، يتقدم الزمن بميج، مثلما يتقدم بتوم، وتعجز محاولات الاستنساخ في إبقاء النعجة دولي على قيد الحياة، فما بالك بميج ريان.

لكن عزاؤه أن توم كلما كبر، كان يكتسب من السحر قدراً مضاعفاً. حدث ذلك في "صالة الوصول" أو "the terminal"، يؤكد أنه لم يضحك ويبكي في حياته في نفس الوقت إلا أثناء مشاهدته لهذا الفيلم.
............

تسأله : شوفت فيلم "You've Got Mail"..
يخبرها أنه أحد أفلامه المفضلة.

............

لدى "
Joe Fox" مكتبة ضخمة، هو سليل عائلة تجارية كبيرة تتخصص في الكتب، سياستها استحواذية بحيث تمكن من شراء كل مكتبات المدينة، عدا ركن صغير، تشرف عليه " Kathleen Kelly"والتي ترث المكتبة عن أمها.

هذا في الواقع، لكن على الإنترنت، يتعرف "فوكس" على "كيلي" مصادفة، وينتظر خروج خطيبته من المنزل كل صباح ليفتح حاسوبه المحمول، ويكتب رسالة جديدة إلى صديقته الإليكترونية، وينتظر رداً منها، "كيلي" تفعل الأمر ذاته.

تصبح شاشة الحاسوب لكل منهما نافذة سحرية تطل على السعادة، سعادة سرية صادقة، رسائل طويلة، تكتب في دقائق، تتحدث عن إذا ما كان كل طرف نام جيداً أم لا، سعيد في حياته؟، مسرور لأن المطر يهطل على المدينة وهناك توقعات بثلوج، كل التفاصيل التي تبدو تافهة، تصبح فجاة ذات قيمة.
..............

تسأله : شوفت فيلم "You've Got Mail"..
يخبرها أنه أحد أفلامه المفضلة.

.............

رغم أنه يتذكر الفيلم جيداً، لكنه لا يعلم على وجه التحديد ظروف وملابسات تعرفه بها.

هو يعرفها و"خلاص"، بدون أي مقدمات، بينهما علاقة تسمح لها بطرح الأسئلة الشخصية، وتسمح له بالإجابة عما يروق له منها.

هو – مثل أي شخص عادي – يحب الأسئلة المحرجة من فتاة جميلة تلبس جيب واسعة تصل إلى ما بعد الركبة بقليلة، يفضل هذا الـ"ستايل"، تذكره هي بالـ"snow white"، وككل الرجال – الذين هم في الحقيقة لم يبارحوا مكانهم في روضة الأطفال – فإنه يحب فتاة الثلج الأبيض، ويحلم بها في الليالي الصافية التي يكون الجو فيها ملائماً للنوم دون غطاء.

يحب اسئلتها، يترك نفسه لها تحلله كما تشاء، تخبره أنه بحاجة للذهاب إلى طبيب نفسي لتلقي العلاج، يسألها عن أعراض المرض الذي تلاحظه عليه، فتقول "قلة الحب.ز انت مش بتحب نفسك كفاية".. يقول "فعلا.. ده أحد أهم عيوبي"، يضحك داخله حتى يكاد يفلت "كركرة" هنا أو هناك، يتسائل إن كان هو لا يحب نفسه فمن المجنون الذي يفعل، يطمأن نفسه بنفسه، هو يحب كل شيء فيه، كل تفاصيله، كل أشياء، يحبه حتى في الاشياء البغيضة التي يعرف أنها بغيضة.. لكنه يستسلم لها، يوافق على الذهاب للطبيب، وإن كان يعلم أنه لن يفعل أبداً.

يسألها دائماً عن "عيوبه"، يفرح بما تقول، تخبره بالعيوب التي يعتبرها هو مميزات لا تعوض، تقول أنه "ديكتاتور مع هؤلاء الذين يحبونه"، أنه "ملوش أمان.. يكون قدامك وبعدين يختفي"، أنه "مودي جداً، بمزاج متقلب بين لحظة وأخرى".. أنه "ملول".. يدلدل رأسه لأسفل، يرسم تكشيرة، يقول أن صراحتها هذه المرة كانت شديدة على قلبه الضعيف، وأنه سيعمل على التخلص من عيوبه بسرعة، تخبره هي بأنها آسفة على تدخلها في حياته الشخصية، مذكرة إياه أنه هو الذي بادر بطرح السؤال "المحرج".. يضحك في سره من جديد، ويعلن استمتاعه باللعبة.

تقريباً، مارس معها كل الألعاب المشابهة، قابلها عدد لا نهائي من المرات، أنفق على مكالمتها مائة جنيه وأكثر، سألها مليون سؤال، وجاوب على تريليون.

لكنها اليوم، تطرح سؤالاً عادياً، لم يتردد لحظة في الإجابة عليه، لكن مع الحرف الأخير من السؤال، يدرك أن الخطر قادم، وأن عليه أن يحترس.
..............

تسأله : شوفت فيلم "You've Got Mail"..
يخبرها أنه أحد أفلامه المفضلة.
.............
ما المانع في أن تصبح لديه حبيبتان وأكثر؟!.
حبيبته الأولى – رغم أنها تذكره بخطيبة توم هانكس في الفيلم – لكنها ليست على نفس الدرجة من السوء، كما أن علاقته بها تخطت مرحلة الحب، هي الآن زوجته الحامل في شهورها الأخيرة، والتي أخبرها الدكتور بأن الجنبن طفل جميل، مكتمل النمو، وأنه يقترح عليها تسميته "مروان".

هل لأن "أم مروان" انتفخت قليلاً، لأنها تحمل مروان بداخلها، وستظل منتفخة بعد خروج مروان من جسدها ستة أشهر على الأقل، هل الإنتفاخات المؤقتة تلك تسمح له بتكرار ما فعله هانكس وريان في فيلمه المفضل.

لكن، هل يحب هو "أم مروان" فعلاً، أم أن الأمر لا يتعدي مجرد إلتزام ومسؤلية تجاه الأطفال التي تقول الإعلانات أنهم عادة ما يكونون الضحية، وهو – كرجل – يرفض أن يكون له ضحايا من فئة الأطفال، يفضل الضحايا من النساء، أو الرجال الأقوياء.

يترك صديقته السائلة تثرثر قليلاً، يغمض عينيه، ويعود بذاكرته بضعة سنوات، ويتذكر حبيبته الأولى.

لا شيء يؤكد أنه يحبها، الصدفة هي الشيء الوحيد الذي جعلهما حبيبين، ومن ثم زوجين. لا شيء أكثر، لا شيء أقل. الخطوبة كأي خطوبة، والشبكة كذلك، الفرح في مكان مهجور، وبحضور الأصدقاء المقربين، والحمل بعد الزواج بشهور قليلة، و"صباح الفل يا ابو مروان.. يتربى في عزك يا أخويا".. و"بس".

يعود للصديقة السائلة، يسمع منها ما تقوله بشأن الفيلم الذي شاهدته هي مؤخراً، ينسجم مع كلامها حتى النهاية، يسمعه بمنتهى التركيز، لا مجال لدخول "أم مروان" إلى عقله للتشويش.

تقول له أنه – كأي زوج – لا ينعم بالسعادة في حياته، يخبرها بالعكس تماماً، "أنا سعيد جداً، لدي وظيفة جميلة، وزوجة اجمل، وطفل من الجنة، وسيارة حديثة، وموبايل بكاميرا، وصحة معقولة، وذكاء مقبول، وملابس كثيرة، وقدرة متوسطة على ممارسة الجنس ثلاث مرات أسبوعياً، ودراية ببواطن الأمور فيما يتعلق بالسياسة والإقتصاد وماشابه"..

يقول لها أنه "مبسوط" أكثر من أي بني آدم، لكنه لا يرفض المزيد من الإنبساط، يطلب منها إكمال حديثها، معتذراً عن المقاطعة.

تقول له ببساطة أنه كذاب، فهو – كأي رجل – لديه وظيفة جميلة يخشى من أن يفقدها في أي لحظة، وزوجة أجمل تدمن التدخل في خصوصياته، وطفل من الجنة يستهلك المزيد من البامبرز كل يوم، وسيارة حديثة عليها أقساط، وموبايل بكاميرا مودليه يعود إلى الوراء سنوات ثلاثة، وصحة معقولة تجعله ينهج كل ليلة بعد أن يصعد دورين فقط هما الطريق إلى شقته، وذكاء مقبول من المقربين منه فقط، وملابس كثيرة مكدسة في الرف العلوي من الدولاب، كلها ضيقة غير صالحة للإستخدام، وقدرة متوسطة على ممارسة الجنس أمام شاشة الكومبيوتر حيث أن حالة أم مروان لا تسمح لها بأكثر من مرة في الأسبوع، وكما انه أصبح يمل أردافها المتضخمة، ودراية ببواطن الأمور تجعله يعلم إن مفيش فايدة.

يبتسم ابتسامة المنهزم، يخبرها أنها إن عملت في مجال التسويق فستكون قادرة على بيع الموت بأغلى سعر، تكشر هي تكشيرة المنتصر، وتطلب منه عدم التهريج، والإنصات.

"أنت مش مبسوط للأسباب السابقة، وأنا أيضاً لأسباب تتعلق بخطيبي الثري الذي يعمل في فودافون ومشترك في نادي الصيد ونادي اليخت، وعنده عربية حديثة اشترتها له أمه كاش، ويغدق علي الهدايا لكنه في النهاية مخنث لا يجيد التعامل مع النساء مثلك أنت".

تطلب زجاجة مياة معدنية صغيرة، ثم تحدق في عينيك وتضيف "وقد شاهدت فيلم You've Got Mail وأدركت أنه الحل المثالي، رجل متزوج غير راضي، مع فتاة مخطوبة على وشك الزواج غير مبسوطة، والعديد من الرسائل كل صباح، تسأل عن إذا ما كنت نمت كويس أم لا، وإن كنت سعيد لان المطر يهبط على المدينة مع توقعات بثلوج".

يطلب هو الآخر زجاجة مياة معدنية صغيرة، تمد هي يدها بزجاجتها، وتطلب منه أن يشرب "مطرحها" حتى يصبح مجبراً على الجري وراءها.

يغمض عينيه مرة اخرى بعد أن يشرب، ويفكر هذه المرة في الفتاة الجالسة أمامه، هل كانت ستقول كلاماً مماثلاً منذ عامين عندما لم يكن مرتبطاً على الإطلاق؟.

إطلاااااااااااقاً، أبداً، عمرها ما كانت ستفعل، هي ليست مجنونة، هي فقط "قذرة"، أو لعلها "مادة بعض الشيء"، لعلها أي شيء، لكنها لم تصاب بالجنان بعد.

ما الجديد إذن، ما القيمة المضافة التي أضافها الزواج له، بحيث يصبح في نظر "snow white" رجل ناضج قادر على إعطاءها السعادة التي عجز موظف الـ"فودافون" عن منحها إياها.

سيسألها هذا السؤال في مرة أخرى، هي الآن جادة جداً، تنتظر منه إجابة..

أعاد التفكير في مقولته الأخيرة، إنها تصلح للعمل في مجال التسويق، فكر هو في حل تسويقي يكسب فيه الوقت ولا يخسر الموقف، طلب مهلة للتفكير.

إنها المرة الأولى ربما التي يطلب فيها رجل من فتاة تبيع له الحب التفكير، لماذا يفكر، إنها تبيع له ما يحلم به في أحلامه السرية طوال الشهور الأخيرة من حمل أم مروان، ما الذي يحتاجه أكثر من ذلك، إيميل صباحي قصير، وإيميل آخر في منتصف اليوم وربما رسائل قصيرة في المساء، بالإضافة إلى مقابلات هامشية في كافية بعيد، وحضور حفلة عرض منتصف النهار في قاعات سينما جالاكسي مع طلاب الجامعة الثانوي.

إنه "مشروع السعادة"، إنها الفرصة التي لن تتكرر، إنه الـ"عرض" غير المتكرر، إنها الحالة التي سيحسدك عليها رجال الأرض والكواكب الأخرى، إنها الفعلة التي لن يحاسبك عليها مروان حين يصبح في سنك، إنها النصيحة التي ستمنحها انت إياه إن أطال الله في عمرك لتعيش حين يصبح هو زوج تحمل زوجته في الشهور الاخيرة، ستهديه نسخة من الفيلم، وتشاهده معه، ثم تدله على الطريق الصحيح، إنها الخيانة الإليكترونية التي هي ليست بخيانة، يذكر مرة قرأ لكاتب مغمور اسمه البراء أشرف على موقع إسلام اون لاين
مقالاً يصف ما يحدث له، اللعنة على كل شيء، كل هذا التفكير ينهش في عقله منذ أن فارقها، وكيف اقتنعت هذه الغبية بأنه بحاجة إلى التفكير، لن يفكر أصلاً، إنه موافق إلى الأبد، موافق على الدوام، موافق حتى النهاية، موافق و"خلاص".

يعود إلى المنزل، الليلة كأي ليلة، والطعام كأي طعام، والأحداث كأي احداث، لن تدرك أم مروان أن شيء ما حدث، وكيف تدرك، علاقته بها ليست رومانسية ولا روحانية بحيث تعرف ما به من نظرة عين كما تدعي، كل الزوجات كاذبات، لا توجد زوجة قريبة من زوجها بما فيه الكفاية، كل شيء في هذا البيت كئيب، اللعنة على الصدفة التي جعلته يصبح فجاة أبو مروان، اللعنة على كل من تزوجوا قبله ولم يخبروه بالحقيقة.

ينام، كأي نوم، يخشى أن تداهمه فتاة الـ"snow white" في أحلامه، لكن هذا لا يحدث، يستيقظ، تساله زوجته للمرة الأولى ربما عن إذا ما كان قد نام جيداً بالأمس، فجأة يكتشف أن هذه المرأة تحمل داخلها قدر من الرقة.

يضبط نفسه يلقب زوجته بالـ"مرأة" ويلقب الـ"snow white" بالـ"فتاة"، يسخر من وساخة عقله الذكوري، يسأل نفسه، ومن الذي حول أم مروان من فتاة إلى "إمرأة"، يفخر بذاته قليلاً، لكنه يلعن اليوم الذي تعلم فيه أن يصبح أنانياً، يقول أن نصيحة الذهاب للطبيب النفسي ليست سيئة، لكن هذه المرة للعلاج من الحب الزائد للنفس.

يدخل الحمام، يجلس في المكان المعتاد للجلوس، يفرغ ما داخل جسده من فضلات، ويطهر نفسه باستخدام الكوز، كم يكره هذا الكوز، كم يفضل إفراغ فضلاته في العمل حيث أن الحمام هناك به "شطافة" تضخ الماء بقوة تطهره في لحظات بدون أي تدخل من يديه، لماذا لا يملك شطافاً سليماً في بيته، يذكر أن أم مروان ذكرته بذلك أكثر من مرة، وأنه لم يفعل أي شيء بخصوص السباك الذي يجب أن يأتي ويصلح كل أجهزة الحمام مقابل مائة جنيه كاملة.

يخرج، يجد على الباب من الداخل "بورنس"، بلون لبني جميل، يجرب أن يقيسه، يجد على مقاسه بالضبط، يسال أم مروان، كيف استطاعت أخيراً الحصول على مقاسه، تخبره بأنها "تصرفت، وكل سنة وأنت طيب، زي النهاردة من 4 سنين كانت خطوبتنا".

يتأكد من أنها تعرف شيئاً عن الـ"snow white"، لكنها لا تعرفها، كما أنها إن علمت، فسيكون رد فعلها مختلفاً.. يفعل ما أعتاد فعله كل صباح، ويهرع إلى الشارع.

ساعة واحدة بعد ان يصل مكتبه، ويسمع رنين موبايله، يرد، يجدها هي، الـ"snow white" تتحدث، تسأله، "ها.. مردتش عليا في الـ offer بتاع إمبارح".. يقول أن لديه اجتماع مهم الآن، ويغلق الخط.

يسأل نفسه، ويسأله صديقه، ما الذي يمنعك إذن من التقدم خطوة للأمام، يقول "لاشئ"، يتمتم بكلمات غير مفهومة، يقول أشياء لا منطق لها، يسكت في النهاية، ويقرر عدم الرد على الهاتف أبداً.

هل يخشى – لا سمح الله – أن يقع في معصية؟، هل يخاف الله؟، يعلم أن مسالة الخوف من المعصية لا تشغل باله، كما أنه غير متأكد من ان حديثه الإليكتروني مع هذه الفتاة في امور تتعلق بإذا ما كان نام كويس، أو رأيه في هبوط المطر على المدينة يشكل أي "حرام".

لا علاقة للأمر بالخوف من العصيان، يتعلق إذن بالسيناريو الذي اختاره لنفسه منذ زمن، هو لا يحلم على الإطلاق بعلاقة ثنائية من هذا النوم، هو غير مستعد للتورط في علاقة تربطه بأنثى أخرى غير زوجته، هو لا يفضل أن يكون ظالماً لأم مروان التي أفقدها الكثير من بهجتها، وأعطاها الكثير من الكآبة والقلق والوزن الزائد بعد الولادة.

هو يحب أم مروان، هو يحترم الصدفة التي جمعته بها، هو فخور بأن زوجته لاحظت ضيقه ذلك الصباح فأرسلت في طلب السباك ليصلح الشطاف ودفعت مائة جنيه كاملة من مرتبها الشخصي.

تطارده الـ"snow white"، بدأ يحلم بها، بدأ يمارس الجنس معها في أحلامه، يمارس الجنس، لا الحب، الحب لأم مروان، والجنس لها، الحب للأرداف البدينة، والجنس للجيب المتدلية عن الركبة بقليل، الحب لفراش الزوجية، والجنس لقارعة الطريق.

..................

تخبره أم مروان هذا الصباح أنها شاهدت "You've Got Mail"، تسأله : شوفته؟

يخبرها أنه أحد أفلامه المفضلة.. تسأله : "أنا نزلته من النت وجبت ترجمته، تيجي نشوفه سوا؟"، لا تنتظر منه إجابة، تشبك يدها في يده، تعلو ضحكة من مروان، يغلق هاتفه، ويستعد لمشاهدة فيلمه المفضل.

خلال المشاهدة، يدرك أن الأمر أختلط عليه، وان زوجته لا تشبه خطيبه هانكس، هي في الحقيقة لديها خصر ميج ريان، وجزء من ابتسامتها، كما أنها أصغر كثيراً من ميج ريان، والأهم أنها تحبه، في حين أن ميج لا تفعل.
...............

"493".. تفا - صيل الطلبات للمنازل


الأحد :

في المكتب وحدي..

يخبرني أحدهم أننا في فترة أجازات، أفهم أنه يتحدث عن نفسه، هو وغيره ينعمون بالأجازة، أما أنا، فبين المونتاج والشقة الجديدة، أتابع مراحل مونتاج الأفلام، وأنصت طويلاً لاقتراحات دعاء بشأن الألوان وأماكن قطع الأثاث وأجيب بالصمت على أسئلتها عن إمكانية التخلي عن مكتبي لصالح ترابيزة كومبيوتر صغيرة من الخشب المضغوط.

دعاء تعرف أن ذلك المكتب لن يحتملني، تعلم جيداً أن المكتب الخشبي القديم يشكل بالنسبة لي شيء ما هام لا أعرفه أنا تحديداً، لكنها تتناسى كل ذلك، وتسألني مجدداً، مضيفة أن ترابيزة الكومبيوتر في "هايبر وان" بـ"320" جنيه فقط، وبالتركيب.. أبتسم، أخبرها بقراري المعتاد.. "اللي تشوفيه".

لا زلت في المكتب، متردد في ترتيب جدول اليوم، وصلت في الصباح، في تمام العاشرة، تابعت ما وصل إليه المونتير، أعطيته اقتراحاتي التي تقبلها كلها، الحقيقة أنني لم أكن سأتمسك برأيي في حال جادلني هو، داخلي رغبة كبيرة في النوم لوقت طويل، ومازالت الجملة ترن في أذني "بأننا نعيش فترة أجازات".

أتذكر عشرينات فجأة، كان أكثر مكان مناسب للحصول على أجازات طويلة، أذكر نفسي بأني كتبت نصف راويتي وأنا في أجازة، أحاول التفتيش عن الرواية فلا أجدها.. أمل بسرعة، وأنطلق في العمل.

أراجع بريدي، لا جديد، فقط رسالة جديدة من الإدارة تذكرني بموعد تسليم الحلقات، أرد بالجملة السحرية "جاري العمل".. أتلقى اتصال من العميل، اطمأن قلبه وأقول "نسألكم الدعاء"..

أتلقى اتصالات عديدة، تخبرني صديقة بأنها شاهدت برومو فيلمي "الشاهد أنت" على الجزيرة، أبدو مهتماً، أعلم أن الدش لم يركب بعد في الشقة الجديدة، أفتح التليفزيون في مكتبي، وأثبته على الجزيرة، وأنتظر البرومو.. لكنه لا يأتي.

أعود إلى شاشة الكومبيوتر، أراجع بريدي، رسائل جديدة، لا جديد فيها، المزيد من "جاري العمل".. أنتقل إلى المونتاج، أتابع ما وصل إليه المونتير، أشكره، على وعد باللقاء في السابعة مسائاً، لا تزال هناك سبع ساعات كاملة، لا أعرف كيف أقضيها.

يرحل الذين أتوا رغماً عنهم إلى المكتب، أكتشف أنني وحدي، أسلي نفسي بتحضير الشرائط التي ستشاهدها زميلتي، أكتشف أن عددها 27 شريط من نوعية الـ"VHS" هذا يعني ضعف هذا العدد من الساعات، لن تنتهي قبل الثلاثاء.

أجد الشريط رقم 28 بحجم مختلف، أصغر قليلاً، أتفحصه، وأدرك أنه من المستحيل مشاهدته بالفيديو الحديث، كما أن الفيديوهات القديمة اختفت، أدعو الله ألا يكون محتوياً على مشاهد هامة احتاجها في فيلمي.

أبحث في هذه الشرائط عن أي شيء له علاقة بالداخل الإسرائيلي، ونشأة الصهيونية، والتهجير، أصبحت مهتماً بالقضية فجأة، أصبحت موضوعات الأفلام تشغلني وتستغرقني، لا زلت أتابع اليوتيوب بدأب باحث مثابر، كما أني لم أتوقف عن جلب خطابات بن لادن والظواهري من الإنترنت حتى بعد انتهاء مونتاج فيلم "المواقع الجهادية".

أعود إلى مكتبي، أراجع بريدي، لا جديد على الإطلاق.. لن أضطر للرد على أحد، لكني أبادر بإرسال بضعة رسائل لعدد من الأصدقاء، أتفقد بريد الـ"Face book"، أرد على الرسائل التي تستحق، وأمحو ما تبقى.

أشعر بالجوع، أتصل بمحل فطاطري قريب، أطلب فطيرتي المفضلة، أقوم بها وحدي، بالإضافة إلى فطيرة حلوة صغيرة بالقشطة.. لماذا لم أشتري قشطة بالأمس من "المحمل"؟، ذهبت مع دعاء بعد منتصف الليل، قالت دعاء أنهم يقدمون خدمة توصيل الطلبات، وهو ما جعلنا نشتري كل ما نحتاج دون أي قلق بخصوص حمل المشتريات إلى المنزل.

اشتريت جبنة "فلامنكو"، وثلاث أنواع أخرى من الجبن، كما أشتريت "تورتة" كبيرة من "مونجيني" و4 قطع من البيتزا الصغيرة.

كانت دعاء مشغولة بشراء أنواع كثيرة من البهارات، كنت سعيداً لذلك، فأنا أحب رائحة التوابل، حتى أني تذوقت بعضها داخل المحل.

بعد انتهاء جولتنا، تقدمت للكاشير، طلب 493 جنيه، دفعتها غير مهتماً بالمبلغ، لكني أدركت أنني أشتريت مع دعاء ما يساوي مرتب موظف جديد في مؤسسة خاصة، لم أسمح لضميري بتأنيبي، أكاد أؤكد أن كل ما أشتريناه كان ضرورياً، على كل حال كان العقاب الإلهي في انتظاري.

سألت عن قسم توصيل الطلبات، أخبرني الموظف وهو ينظر إلى عربة البضائع المليئة لآخرها، بأن القسم أغلق منذ نصف ساعة، وأن علي أن أوصل طلباتي لنفسي.. نظرت إلى دعاء، أخبرتها أننا بحاجة إلى "دراسة الوضع".. أيدت كلامي، وقفنا دقيقة أمام "المحمل"، تأكدت من قراري، أخبرتها به، سنحمل الحقائب وحدنا إلى المنزل.. والحقيقة كانت أنني سأحملها وحدي، فدعاء تحمل مليكة، كما أنها متعبة من ترتيب الشقة الجديدة.

..........

لازلت في المكتب، الساعة تشير إلى السادسة، عندي اجتماع مع زمليتي بعد قليل أشرح لها خلاله ما أحتاجه من الشرائط الـ27، آمل أن تأتي في موعدها، سأتصل بالمونتير أخبره أنني سأصل متأخراً الليلة، لأني بحاجة إلى نوم عميق.

لازالت نشرة الأخبار مستمرة على الجزيرة، أخبار عن فشل اغتيال قرزاي، وانتخابات المحافظين في اليمن، وشيء عن خالد مشعل وأبو مازن لم أفهمه بالتحديد، وهناك زووم جميل على مبارك، لو حدث في التليفزيون المصري لتمت محاكمة المصور والمخرج والمونتير، لكن الحمد لله أن الزووم كان من نصيب الجزيرة.

أخيراً شاهدت البرومو، الفيلم يحمل اسم "المدونون.. الصحفيون الجدد".. أقول لنفسي أن الاسم الذي اخترناه في البداية كان أجمل، اخترنا "الشاهد أنت"، وهي ذاتها جملة بثينة كامل في الفيلم.. على كل حال البروم جميل، وساخن، وهو ما يؤكد نبوءة أحمد نصر الدين بأن الفيلم سيتسبب في القبض علي.

...........

قرأت عدد كبير من المقالات هذا النهار، سألت نفسي لماذا لم أعد أكتب؟، قرأت تدويناتي الأخيرة، وقررت أن أكتب بضعة سطور، أذكر فيها نفسي بما حدث، من الأمس إلى اللحظة.. وقد كان.