السبت، ديسمبر 25، 2010

نسيان

منذ شهرين، حصلت على هدية من صديقة.

بروازين للصور، كلاهما زجاجي، الإطار مرآة عاكسة، وأحدهما توضع فيه ثلاث صور متوسطة الحجم، والثاني توضع فيه صورة واحدة كبيرة مستطيلة.

تعرف صديقتي مدى حبي للأشياء الصغيرة، انبهاري الدائم بالتفاصيل. يجب هنا أن أؤكد أني عرفت عن نفسي بمرور الوقت أن التفاصيل تبهرني فقط، وأن لا قدرة لدي على التركيز بها.. أقصى ما يمكنني فعله هو تدوين الملاحظات حول تفاصيل بعينها..

كانت لدي رغبة في استخدام البروازين، بمراجعتي لأدراج المكتب، لاحظت أني لا أملك صوراً شخصية في مكتبي، فكرت أنه من المناسب أن أجلب من البيت صورتين أو ثلاثة لوضعها داخل البروازين.. في البيت، لاحظت أني لا أملك أية صور، لا صورة لي، لا صورة لزوجتي، ولا صورة لطفلتي الصغيرة.. فكرت.. هل يعني هذا أي شيء؟.

بمرور الوقت تولدت لدي رغبة حقيقية في تغيير شكل الغرفة التي أعمل بها، نقلت أباجورة من مكتب مجاور، وضعتها بجوار الباب، فتحت الشباك الذي ظل مغلقاً طوال شهور سابقة، وخصصت ركناً وضعت به جهازاً إليكترونياً تخرج من الموسيقى باستمرار، وبصوت خفيض.

نظفت مكتبي جيداً، وأخرجت المبخرة القديمة من الدرج، وأشعلت عودين، وجلست أمام البروازين أحدق، من أين يمكن أن أحصل على صور مناسبة؟.

كعادة الأسئلة الصعبة، أهرب بأفكاري إلى بعيد. هل اختفاء الصور يعني أن الذكريات في خطر؟، الشخص المتهكم الذي يجلس داخلي سخر من السؤال.. ما علاقة الذكريات بالصور؟، الصور، وإن لم تكن مطبوعة، فإنها محفوظة على قرص جهازك المحمول.. مئات الصور لك وللأصدقاء، لزوجتك وأصدقاء المقهى.. ما العلاقة؟ لعلك أصبحت رومانتيكياً بغيضاً.

لعلي فعلاً أصبحت كذلك، فقد اخترت في النهاية أن أترك البرواز فارغاً، كدلالة على عجزي عن إيجاد صور مناسبة تعني شيء ما لوضعها داخله.

اخترت مكانين متباعدين في الغرفة لوضع البروازين، ثم سألت نفسي عن اسم الصديقة التي أهدتني هذه الهدية المتعبة.. لاحظت أني صرت رومانتيكياً بغيضاً، ليس فقط لأني عاجز عن توفير الصور، ولا أني اخترت وضع البرواز دون صورة، بل لأني نسيت اسم صديقتي.

الخميس، ديسمبر 09، 2010

حافظوا على نظافة المبولة..

"الترتيب مش مهم"..


في فيلم مستقل جميل، يقول البطل الجملة السابقة، خلال حديثه عن الأفلام والموسيقى والفن بشكل عام..


(؟)


المقهى الذي اعتدت الجلوس عليه، يتوسط خمسة مقاهي أخرى، كلها تحتل ممر واسع في وسط البلد.


كل الجالسين، يذهبون للتبول في مكان واحد، محل صغير ضيق، توجد به بعض الأدوات التي تخص إدارة المقهى، ومبولة وحيدة صغيرة، مكشوفة، تم تثبيت لوح خشبي طويل بجوارها، حتى يصنع نوع من السترة، بين الواقف للتبول، وبين المارين في الممر، والجالسين على المقاهي الأكثر قرباً من بوابة المحل.


مع بداية الشتاء، وزيادة عدد الزيارات إلى المبولة بحكم برودة الجو، رأت إدارة المقهى أن تلصق ورقة مستطيلة فوق المبولة، مكتوب عليها "حافظوا على نظافة المكان".


والمقصود بالمكان، هو ذات المكان المخصص لاستقبال السوائل الساخنة نسبياً، والتي خرجت لتوها من أجساد الجالسين على المقاهي الخمسة، والذين اختاروا – دون اختيار حقيقي – أن يتشاركوا جميعاً المبولة ذاتها، لسبب وحيد، وهي أنها مبولة وحيدة، لا توجد غيرها.


في المرة الأولى، قرأت الورقة ومررت دون اهتمام، واليوم، وبعد خروجي من فيلم مستقل جميل، درات في ذهني عدة أفكار.

(!)


من أين يأتي الإبداع؟


السؤال أوسع من أن يطرح، دعنا نكون أكثر تحديداً فنقول : "هل ينتمي الإبداع إلى الإيمان، أم إلى الكفر؟".


أصبح السؤال ضيقاً، لكن.. ما المناسبة؟، وما علاقة الإبداع بالإيمان والكفر..


ليستمر النقاش، يمكن أن نحدد المقصود بالإيمان والكفر مبدئياً. الأمر لا علاقة له بالدين، أو الله، أو العبادة، الأمر متعلق بالمفهوم الأكثر شمولاً لمعنى الإيمان ومعنى الكفر.


الإيمان، بطريقة أو بأخرى، هو التسليم بما اتفقت الجماعة عليه. والكفر، بطريقة أو بأخرى، هو طرح التساؤلات حول ما اتفقت الجماعة على التسليم به.. نعود للتأكيد.. أن المعنى أكثر شمولاً من الدين، هنا، أتحدث عن معتقدات الجماعة بشكل عام، جزء منها الدين، وجزء منها الأخلاق، وجزء منها طريقة المجتمع في الإبداع.


حتى أصل إلى الفكرة في أقل عدد ممكن من الكلمات، أقول أن اعتقادي الشخصي يقف عند الاقتناع بأن الإبداع مصدره الكفر وليس الإيمان.


الإيمان بالجماعة ومعتقداتها، ينتج معتقدات جماعية أخرى.. لكن الكفر بها، ينتج أفكاراً مختلفة.. تتجاوز ما يؤمن المجتمع به، وتكتفي بالوقوف عند ما يعتقده المبدع وحده، بغض النظر عن مدى اتفاقه أو اختلافه مع معتقدات الجماعة.


وبالتالي، فإن المبدع الحقيقي، هو في البداية كافر حقيقي.. وكما أن هناك مستويات للإبداع، هناك أيضاً مستويات للكفر.


هناك كافر يكفر بالجماعة ككل، يعتقد أنها غير موجودة أساساً، وهناك كافر يكفر بأفكار الجماعة، وهناك كافر يكفر بطريقة معينة للجماعة في قضية محددة. وهناك كافر يكفر بكل شيء، بالجماعة، بالدين، بالله، يعتقد أنه وحده الموجود، وأن كافة الأشياء الأخرى غير حقيقية.. كله في النهاية كفر، والكفار سيذهبون يوماً ما جميعاً إلى النار، وهم يعلمون عن أنفسهم الكفر، وجرب بعضهم ناره في الدنيا، ويعتقد أن مصيره في الحياة الأخرى – إن كان يعتقد في مسألة أن هناك حياة أخرى – إلى النار دون شك.


ما لفت نظري إذن في الفيلم المستقل الجميل، أن صاحبه كفر بطريقة الجماعة في فن السينما، فاختار طريقة أخرى، تلاءمه هو وحده، وقدم فيلمه خلالها.. وللمصادفة، فإن الفيلم يتحدث عن مجموعة من الفنانين، يرسمون الجرافيتي ويغنون الراب، ويصنعون أفلاماً وثائقية مستقلة، دون أدنى التزام – أو إيمان – بما يعتقده أو يؤمن به المجتمع والمشاهدين.


(*)


ولأن الإبداع مسألة فردية. تخرج من داخل المبدع وحده، وتعبر عن أفكاره وحده. كان طبيعياً أن يأتي من الكفر، من الاعتراض على الجماعة وأفكارها وما تؤمن به. هذه مسألة طبيعية ومنطقية.. لماذا إذن اعتقدت في البداية أن السؤال محير وعميق.. تبدو الحقيقة واضحة، لكننا نفضل استخدام ألفاظ أقل قوة من الكفر والإيمان وما إلى ذلك.


الأسئلة المنطقية الأخرى هي.. هل يجب أن يتم محاكمة الإبداع الكافر بقوانين الجماعة المؤمنة؟ وكيف يمكن وضع حدود للكفر طالما أن الجماعة تتحدث بلغة غير تلك التي يفهمها المبدع؟.


هل إبداع الفرد الكافر خطر على الجماعة المؤمنة؟، وما ذنب المؤمنين المسالمين الطيبين الرائعين في التعرض لموجات كافرة شريرة تحت اسم الإبداع؟.


وهل الأمر فوضوي إلى هذه الدرجة؟, ألا توجد أية أفكار "تنظيمية" للعلاقة بين الكافر وجماعة المؤمنين؟. وأليس من حق المؤمنين أن يدافعوا عما يؤمنوا به، وهل لهم الحق في عقاب الكفار ورجمهم وقتلهم ومحو إبداعهم الذي يثير الأسئلة ويجلب الصداع؟.


وهل كل مبدع كافر يهدف إلى إيذاء الجماعة المؤمنة؟، ألا يوجد كافر طيب، كافر في حاله، يكتفي بالكفر ويترك من يؤمن يؤمن، متمنياً له التوفيق في الحياة الدنيا والآخرة، إن وجدت.


في رأي كاتب السطور السابقة، يمكن أن نقول أن هناك نوعين من الكفار..


كافر كافر، وكافر مؤمن، ونبدأ بالثاني لأنه أخطر..


الكافر المؤمن، هو ذلك المبدع الذي يرى أن الجماعة تؤمن بترهات، وأن عليه أن يخبرها بذلك، ويؤكد لها أنها غبية وسخيفة وساذجة، وأنه وحده صحيح سليم يعرف ويفهم كل شيء.


الكافر الكافر، كفر بالجماعة كلها، لا تعنيه، ولا يهتم بما تؤمن به، تذهب هي وما تعتقد به إلى الجحيم – إن كان هناك جحيم فعلاً – ودوره يقف عند ذاته، يطرح أسئلته الشخصية، ويبحث عن إجاباته الخاصة، ولا يعنيه – إطلاقاً – كيف يمكن أن ترى الجماعة ما جاء به من أفكار كافرة وإبداع لا إيماني.


الكافر المؤمن يؤمن بالجماعة، لكنه يريد أن يؤذيها، فتبقى الجماعة أمام عينه، ينتقدها، يسبها، يستعرض عضلاته الكافرة، يريها كيف يمكن أن يزعجها بكفره.


الكافر الكافر لا يرى الجماعة أساساً، وللمفارقة، يمكن أن تجد لديه قدر من الإيمان ببعض ما تؤمن الجماعة به، لأنه حين كفر، فقد كفر بأشياء محددة، ولم يكن يكفر كرد فعل على إيمان الجماعة بشيء.


الكافر المؤمن، يكفر بكل ما تؤمن الجماعة به، وهو يرفض بينه وبين نفسه أن يضبط قلبه مؤمناً بأمر آمنت الجماعة به سابقاً.


الكافر المؤمن يسب الدين، ويسبب الإزعاج، الكافر الكافر في حاله، يكفر وحده، ويحترم الجماعة المؤمنة، لا شان له بها.. هو يكفر بأشياءه المحددة، فيما يكفر الكافر المؤمن بكل شيء.


يمكن لتبسيط المسألة مراجعة نوع معين من البشر المبدعين، الذين يصل إبداعهم لدرجة الوقوف عراة في الميادين العامة لإخبار الجماعة بكفره بها. هؤلاء كفار مؤمنين بالجماعة، ويقف كفرهم عند إخبار الجماعة أنهم كفروا بها وأن عليها أن تذهب إلى الجحيم..


النوع الثاني، يجعل الجماعة تذهب إلى الجحيم دون أن يخبرها، يمنع نفسه من رؤية الجماعة أساساً، ويركز على أفكاره وكفره، حتى إن وصل في نهاية رحلة الكفر إلى الإيمان بما آمنت به الجماعة ذاتها.


الفرق واضح، الكافر المؤمن يركز على استفزاز الجماعة باللعب في معتقداتها، ويبرز أسوأ ما داخله، وهو عورته، فيخرج إبداع مليء بالعورات الجنسية والدينية والأخلاقية.


الكافر الكافر، تستفزه الجماعة وتناقضاتها، فيجد نفسه مجبراً على إخراج أفضل ما فيه.. وهو الإبداع.


بمرور الوقت، ولأن الكافر الكافر طيب ولطيف ومؤدب مع الجماعة، تراجع الجماعة معتقداتها ذات مرة، فتسمح لنفسها بالإيمان ببعض أفكار الكافر الكافر، وتتحول أفكاره التي كانت يوماً كافرة إلى معتقدات إيمانية في عقيدة الجماعة.


لكن الكافر المؤمن، ولأنه ركز طاقته فقط على استفزاز الجماعة، ونسى أن يقدم أفكاراً حقيقية، فإن القصة تنتهي دون إبداع حقيقي، وينتهي الأمر عند كونه محاولات استفزازية للجماعة، لم تترك أي أثر.


إبداع الكافر الكافر ينفع الناس بمرور الوقت، والقاعدة الإيمانية القرآنية تؤكد أن ما ينفع الناس يبقى في الأرض، وأما الزبد، فيذهب جفاء..

(؟؟)


في النهاية، يبقى المؤمن مؤمن، والكافر كافر، وتبقى المبولة الوحيدة باقية مكانها، وفوقها ورقة مستطيلة عليها عبارة "حافظوا على نظافة المكان"..


المؤمن يقف أمام المبولة، ويحاول أن يسمع الكلام.. يتبول بهدوء، ويركز على هدفه..


الكافر يكتفي بالتبول، ويطرح سؤالاً منطقياً : هل من المعقول أن يحافظ أحدهم على نظافة المبولة بينما يتبول فيها؟

الأحد، أكتوبر 17، 2010

عن الكتابة، والعطف على الكلاب.

الكتابة إخلاص. وعلي أن أعترف أني لست مخلصاً لكتابتي بأي حال.

قد أكون مخلصاً لما أقرأ، لكن أبداً لم تنل الكتابة مني اهتمام قد أعطيه لغيرها من الأمور، العمل، الحب، تربية الطفلة الصغيرة، الرغبة الدائمة في الراحة أو المرح، والتعلق بالتسكع المستمر في الشوارع والمقاهي والطرقات.

من أين يأتي الإخلاص حتى؟، يعني، من غير المتوقع أن يكون الإخلاص حاضراً في علاقة كاتب بما يكتب، لو علمنا أن هذا الكاتب عرف كتابته صدفة، وأنه يلاقيها على صفحات مدونته، وفي المساحة المخصصة للـ"ملاحظات" على موقع "فيس بوك".

الطريقة الكلاسيكية القديمة للكتابة، تلك التي تتكون عادة من ورقة وقلم وأجواء ملاءمة، وساعة حظ... ورق أبيض وقلم بالحبر السائل، أو قلم الرصاص بالسن الحاد، إلى ما قاله الكتاب الأكبر سناً والأعمق تجربة.. تلك طريقة لم أعرفها.. لم أسمع صوت قلمي يجرح بياض الورقة، سمعت صوت أصابعي تدق على لوحة المفاتيح، تكتب بخط جيد، للأسف، لا توجد في الكومبيوتر خطوطاً سيئة.

في مرات أسأل نفسي، أنا أكتب؟، أم برنامج تحويل النقرات إلى حروف وجمل؟، أنا أكتب أم الكومبيوتر، أنا أكتب أم مخترع الشاشة والفأرة والطابعة والأجهزة المحمولة، أنا أكتب عن طريق الأجهزة، أم أنها تكتب خلالي؟.

الكتابة إخلاص، وأنا بشكل عام لا أعرف الإخلاص لشيء. أخلص للأشياء التي يبدو الإخلاص لها هو ذروة اللاإخلاص، على إطلاقه. أخلص للملل، أخلص للسرعة، أخلص للحركة، أخلص للضوضاء، أخلص للخوف من الوحدة..

والكتابة، في تقديري الصغير البسيط الفقير الضعيف، هي مجرد وسيلة لأن أبقى مخلصاً أكثر للأشياء التي أجيد الإخلاص لها، أكتب لأكسر الملل، وأزيد السرعة، وأضيف ضوضاءاً جديدة لضوضاء العالم من حولي، أكتب لأطمئن نفسي، لست وحدي، لست وحدي.

لماذا أكتب إذن؟، ربما لأني أحب أن أأسى على حالي، هذه حقيقة، أريد أن أحكي للأصدقاء على المقهى حكايات مؤسفة، حول حلمي الذي لا تسمح لي الظروف بفرصة تحقيقه، لأبدو رومانسياً في نظر فتيات يعرفوني للمرة الأولى، ولأن شكلي من بعيد، ومن قريب أيضاً، يبدو منفراً، بسبب البدانة وسوء تناسق الكتل، وطريقتي في تسريح شعري وترك ذقني دون حلاقة، فإن فكرة أنني كاتب مغمور تجعلهن يتناسين مظهري، ويقلن "يا له من حظ عاثر أودى بهذا الشاب إلى غير مكانه، لعله كان الآن كاتباً، يكتب في مكان ما، أشياء – قد – تستحق القراءة".

وأكتب لأني أكتب، الكتابة للذين عرفوها – دون أن يخلصوا لها – عبارة عن مرض مزمن لا شفاء منه إلا بالكتابة ذاتها، تأتي الفكرة، تزيد من حرارة جسدك، تتعرق بسببها، ثم تجمع ما تجده بين جنبات نفسك من شجاعة، تواجه شاشة جهازك، وتشعر أنك في مواجهة مباشرة مع العالم، وتراها مهمة مقدسة، أن تكتب، وأن تطلب من الآخرين أن يقرأوا، إذا ما سمحت لهم الظروف.

أكتب لأحافظ على ذاكرتي، أخاف من النسيان على نفسي، أخشى أن تطير التفاصيل من رأسي، فأذهب للأصدقاء، طالباً منهم أن يقصوا علي من أمري ما نسيت، ولأن فكرة الإخلاص سخيفة، وقد منعت نفسي منها لأطول وقت ممكن، فسيكون من الغباء تخيل أن الأصدقاء سيستجيبون لرجائي، ويرون علي ما نسيت، وإن كنت نسيت، فقد اتنسيت، كما تقول أغنية شهيرة، وأنا أكره فكرة أن أعيش عالة على ما يتذكره الأصدقاء عني، أكرم من ذلك أن أعيش أنا على ما أتذكره من أمر نفسي.. الكتابة إذن، في جانب من جوانبها مسألة كرامة، محاولة للعيش بكرامة، وعادة ذميمة، أن تفقد كرامتك باستمرار أمام الورق الأبيض الذي تجد نفسك – مكرهاً – مأموراً بكسر بياضه، والكتابة عليه.

أكتب لأجل الكتابة، مجرد محاولة للإجابة على سؤال واحد متكرر، واجه معظم من كتبوا، حول ماهية الفعل الذي يمارسونه دون إرادة حرة..

في مقدمة كتابها "مفاوضات مع الموتى.. تأملات كاتب حول الكتابة"، تقول "مارجريت أتوود" وهي تصف موضوع كتابها : "عن الكتابة، مع أنه ليس عن كيفية الكتابة.. وهو أيضاً ليس عن كتابة شخص بعينه أو عصر محدد أو بلد دون آخر.. إنه عن الموقف الذي يجد الكاتب نفسه فيه، أو الموقف الذي تجد الكاتبة نفسها فيه، والذي قلما يختلف من كاتب إلى آخر، وما هي هذه الكتابة، بحال من الأحوال، هل هي نشاط إنساني، أم أنها تكليف إلهي، أم هي مهنة، أم عمل مضجر نؤديه من أجل المال، أو لعلها فن، ولماذا يشعر كثير من الناس أنهم مجبرون على آدائها؟".

وفي مكان آخر داخل الكتاب، فإنها تضع قاعدة هامة، تقول "عطفك على الكلاب لن يجعل منك كاتباً جيداً، الكتابة تصنعها الكتابة، لا شيء آخر". وفي الواقع، فإني لا أجيد العطف على الكلاب، بل أني لا أحبها أساساً، لكني قد أفعل ما هو أعقد من العطف فقط لأهرب من ساعة مواجهة الفراغ الأبيض ببرنامج الكتابة على الكومبيوتر، حين تزداد حرارتي، وأتعرق، مستعداً لساعة سحب الحروف والكلمات من داخل روحي، والبدء في النقر المستمر.

وأصارحك، تبدو لحظة بداية الكتابة هي أسهل ما في الأمر، لك أن تتخيل المرات العديدة التي أتوقفها أثناء كتابة فقرة واحدة، أو لتكوين جملة معقدة، أو وصف مشهد معين، هذا أيضاً قد يبدو سهلاً، مقارنة باللحظة الأكثر صعوبة، لحظة التوقف عن الكتابة، أو الوصول لقرار أنه من الأفضل أن يتوقف الأمر عند هذه النقطة، وأن هذه كتابة تبدو جيدة، ولا داعي لمزيد من الأسطر والفقرات وجمل الوصف، أو أنها سيئة لدرجة، أنه من الأفضل ألا أستمر بها.

في مرات، بعد أن أنتهي، أفكر في "مارجريت أتوود"، وأود أن أقابلها شخصياً، لأخبرها أن العطف على الكلاب أصعب – ألف مرة – من الكتابة الجيدة.


لن تغضب الكلاب إن عطفت عليها دون إخلاص حقيقي، على أن الكتابة تفعل.
يمكنني العطف على الكلاب في أي وقت، لكن هذا غير ممكن مع الكتابة.
يمكنني نسيان أمر الكلاب، لكن الكتابة لا تسمح بنسيانها.
الكلاب يمكنها أن تعض، وقد تؤدي بعض العضات إلى الموت، لكن عضة الكتابة لا تقتل، تصيبك فقط بجرح غائر في روحك، ويا له من ألم.
لا يمكن العطف على الكلاب عبر الكومبيوتر، لكن يمكن الكتابة عليه.
الكلاب تنبح، والكتابة تجعلك بحاجة لمن يعطف عليك.
إن عطفت على الكلاب بطريقة رديئة، لن يلومك أحدهم، إن كتبت بطريقة رديئة، فإن أحداً لن يهتم بالعطف عليك.

الثلاثاء، يوليو 06، 2010

حرف الواو.

إضافة حرب الواو قبل بعض الأسئلة، قد يغير معناها بحيث تختلط الأمور، فلا تدري، لأي سبب يا ترى طرح السائل سؤاله، لأي غرض، وبأية مناسبة؟.

مثلاً، مرة كنت في ندوة عن كتاب اسمه "ماذا علمتني الحياة؟"، وهي سيرة ذاتية لـ"جلال أمين"، الدكتور المتخصص في الإقتصاد. الرجل أعرفه من كتبه السابقة، مختلف، ودائم التطرق للمساحات التي قد تبدو مهجورة غير مطروقة.

كنت قد قرأت الكتاب قبل الندوة، وخيل لي أن السؤال الذي يحمله الكتاب يحمل دلالة غير تلك المقصودة، كأن الرجل يسأل، ما الذي تعلمته من الحياة؟، وهل الأشياء التي تعلمتها مهمة، وهل الحياة تعلمنا فعلاً؟، سألته في الندوة، ألم يكن أفضل في سياق ما حكيته عن حياتك أن تسمي الكتاب : وماذا علمتني الحياة؟.

سؤال آخر مشهور ومعروف، ويكتب عادة على غلاف شريط كاسيت انتشر في أواخر التسعينات، للنجم الشيخ "محمد حسين يعقوب"، والسؤال هو : لماذا لا تصلي؟.

هنا بالطبع سيظهر الفارق في المعنى، لو أن السؤال سبقه حرف الـ"واو"، تخيل شريط يطرح في الأسواق يسأل عن الأسباب التي تجعلك تمتنع عن الصلاة، ويتحدث بمنطقية شديدة عن أن الحياة بلا صلاة ممتعة، وهي في الواقع حياة بلا مسئوليات، وأن الذين عاشوا سنوات دون صلاة لم تصبهم أمراض خبيثة، أو أن الصلاة منذ الصغر هي في الواقع تسليم مبكر لحقيقة الدين، وغلق لباب الشك مثلاً.

لكن، هل إضافة حرف الـ"واو"، مقبولة بشكل عام قبل الأسئلة بشكل عام، يعني.. إذا كان من حق أحدهم أن يطرح السؤال مستخدماً صيغ الإستفهام المتفق عليها : ماذا، لماذا، أين، متى، كيف.. أليس من حق أحد آخر، أن يضيف حرف الـ"واو" على السؤال ذاته؟.

هل هذا مسموح؟.. وهل هذا مسموح؟.

الجمعة، يونيو 11، 2010

لماذا أنتم على الفيس بوك؟


على الفيس بوك يوجد شخص اسمه "فايز"، لا أعرفه، ولا يعرفني، عندما مررت على المكتب هذا المساء لالتقاط حاسوبي والعودة إلى المنزل والبدء في أجازة نهاية الأسبوع، قادني الشيطان الرجيم، إلى الجلوس قليلاً وتصفح الفيس بوك.

الحق أن الجو كان حاراً، والدنيا زحمة، وأسباب الملل كثيرة، لعل هذا ما قاد "فايز" إلى النقر على اسمي، وإرسال رسالة قصيرة تقول التالي :

أيها الإخوة.. تذكرو النية بالله عليكم فى كل عمل تعملوه..

لماذا أنتم على الفيس بوك؟؟ مثلا، أخوة فى الله، تعارف بناء، صلة رحم، الاهتمام بشئون المسلمين، قضاء حاجة مسلم، إدخال سرور على قلب مسلم، تفقد الإخوان، الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ونشر الفضيلة، دعوة إلى الله، محاولة النهضة بالشباب وترقية لغة الحوار، مشاركة المسلمين ووضع بصمة فى كل حالات الحراك الاجتماعى والسياسى والدينى والاخلاقى..

.........

بعد قرأت سطور فايز، قرأتها مرة أخرى، حددتها، سحبتها إلى صفحة داخل جهازي، كبرت الخط، وقرأتها مرة ثالثة، عدت إلى "فايز" الذي يقضي ليلته مطمئناً بين جوانب الفيس بوك بعد أن توضأ وصلى وحمد الله وأثنى عليه وفتح جهازه وجدد نيته، سألته : "الكلام ده بجد؟"، قال : "نعم"، كررت سؤالي مرتين، وكرر هو إجابته، سألته : "تعرفني؟"، قال : "لا"، سألته عن دوافعه التي وقفت وراء إرساله لهذه الرسالة، قال : "ربنا يبارك فيك".

فكرت، فكرت، فكرت، نقرت هنا وهناك، دخلت على صفحة "فايز"، فوجدت صورة كبيرة لغلاف كتاب ديني اسمه "استمتع بحياتك". هنا فقط أدركت الفكرة. ضحكت، وتفهمت أن "فايز" كان يحاول أن يستمتع.

الخميس، يونيو 10، 2010

تدين


عندما أخبرني صديق، أن قصة حبه ستنتهي، لأن خطيبته تعتقد في مسألة أن الموسيقى حرام. قدت سيارتي بسرعة على طريق الواحات، وفكرت، ثم صعدت إلى المنزل وقميصي نصف مفتوح، رأيتني مخموراً بالكامل، ضائع، أرغب في قتل نفسي، أو إمساك الكرة الأرضية براحة يدي، وتقليبها يميناً ويساراً بهدوء، كأني أتأملها، أو كأني أبحث على قشرتها الخارجية عن شيء جديد يوحي بالأمل.

نمت، ورأيت في أحلامي عدة رموز، طفل صغير يلعب في مروحة حديدية، يدخل إصبعه داخل الشبكة، ويقترب قليلاً، بمرور الوقت سيقترب أكثر، وستقطع المروحة إصبعه، فيدرك أن اللعب ليس مفيداً مع كل الأجهزة.

في اليوم التالي، بدأت أضع نهاية للأمر، فكرت في نظرية، قلت أن الدين يأخذ من وقتنا أكثر مما ينبغي، فعلاً. في كل مكان، في كل وقت، في كل شيء. ثم قررت أن أتخيل الحياة دون أي شيء حرام. فاكتشفت ببساطة، أن الله بنفسه رضى أن يأمرنا بالصلاة عدة مرات في اليوم، في زمن لا يتجاوز النصف ساعة. وهو بالحساب، يعني واحد على ثمانية وأربعين. حوالي نصف في المائة. ما يعني، أن النسبة العادلة لوجود الدين بشكل عام، في الحياة بشكل عام، يمكن أن تصبح اثنين أو ثلاثة أو أربعة. عدة صلوات، بعض الفروض الأخرى، وكفى الله المؤمنين.

هنا فقط، أواجه نفسي بالفزورة، من اخترع التدين إذن؟ وما معنى الكلمة أساساً.

بالنظر إلى تكوينها، تجدها على وزن، تفعل، ولا حاجة لأن ندرك أن الوزن يشير إلى أن هناك مبالغة ما، هناك شيء مفتعل. هناك أمر غير طبيعي يحدث.

شعرت، وبصدق بالغ، أني أكتشفت شيئاً جديداً. وأشفقت، على الذين يضيعون وقتهم في محاولة الإفتعال. ثم قررت البدء بنفسي، والإخلاص لفكرة أن الدين بيني وبين الله، وأن مسألة دخول آخرون على الخط تشبه إصلاح سيارة حديثة خارج التوكيل.

قمت إلى الصلاة، وقررت أن أكف في المستقبل عن اللعب في المروحة.