السبت، يونيو 07، 2008

قتب!


هل سيصبح عندي "قتب"؟؟..

هل سينمو داخل ظهري ظهر آخر، يشكل قوس مشدوداً بالعكس، بطنه إلى قفاي.. ووجهه إلى الواقف خلفي.. هل ستفقد ملامحي لون الطفولة، وأتحول، بحكم العمر.. إلى رجل ناضج، مظهره يوحي بأكثر من سنه بعشر سنوات.. يهده التعب، ويعلن عدم القدرة على حمل المزيد من الكراتين..

إن أصبحت يوماً بـ"قتب"، فستكون الكراتين هي السبب بالتأكيد، سنوات عملي الأولى مع أبي، في مجال بيع الكتاب، حمل الكراتين من المخزن إلى بطن السيارة نصف النقل، والعودة بها، بعد المعرض، إلى المخزن مرة أخرى.

زمان، زمان جداً، بعيد هذا الوقت لدرجة أني غير متأكد من أنني ذات البني آدم الذي حدثت له هذه الأحداث، أيام كان عمري عشر سنوات ربما، كنت، وأخي، نحمل صباح كل جمعة، عشرة كراتين، من مدخل بيتنا، إلى ظهر سيارة أبي نصف النقل، كانت لدي أبي سيارة من هذا النوع، قديمة، ضيقة، وكان مكان الكاسيت فيها فارغاً، ومظلماً، وكنت أتصور أنه مكان ملاءم لسكن العفاريت، وأن هناك شبح يسكن في هذا الفراغ المستطيل، سيخرج في أي لحظة، ويقتل الجالسين في صالون السيارة.

لهذا السبب ربما كنت أفضل الجلوس في الصندوق الخلفي للسيارة، أجلس مرة، وأقف مرات، ممسكاً بسقف الكابينة، خلف أبي مباشرة، لأستقبل الهواء البارد – أو الساخن – بوجهي، بابتسامة ملائمة.

صباح كل جمعة، كنا ننزل، أنا، أخي، وأبي، إلى الشارع مبكراً، قبل الصلاة بساعة على الأقل، نحمل الكراتين، ونذهب بالسيارة إلى مسجد بعيد جداً عن منزلنا، يطل على ترعة المنصورية، كنت – ولا أعرف لهذا سبب – أتخيل أن هذا هو المسجد الذي يخطب فيه الشيخ الشعرواي، وبالطبع لم يكن الزحام يسمح لي بالدخول، لأعرف من هو الخطيب، كما أن عمري – وقتها – لم يكن ليسمح لي بمقارنة ما يقوله الخطيب – الذي لم يكن الشعراوي بأي حال – بما يقوله الشعرواي نفسه في خطبه المتلفزة.

نصل إلى المسجد، ونتولى جميعاً، أنا وأبي وأخي الأصغر، تنزيل الكراتين من صندوق السيارة إلى رصيف مجاور للمنزل، وسرعان ما تعمل أيدينا بقدر من الاحتراف، لتفريغ الكراتين من الكتب، وفرشها، بنظام معروف ومألوف، على الرصيف، في انتظار المصلين.

كنا أحياناً، نجلب معنا بعض الترابيزات الصغيرة، لفرش الكتب عليها، وكانت مسألة الترابيزات تخضع لمزاج أبي، فهو إن كان متحمساً اليوم، يصر على رفع الترابيزات من مدخل البيت إلى صندوق السيارة، وإن لم يكن كذلك، يكتفي بالكراتين، بدون ترابيزات، وقد أثبتت التجربة، أن وجود الترابيزة، لم يكن مؤثراً بأي حال على مبيعات الكتب.

كانت الكتب جميلة، أحجامها ثابتة، قطع صغير يشبه قطع روايات الجيب، معظمها لمؤلف واحد وبغلاف مميز، مؤلفها اسمه أحمد ديدات، عرفت بعدها أنها كان مسيحياً وأسلم بعد فترة طويلة. كانت تباع بسرعة، وإن كان سعرها لا يحتوي على مكسب كبير.

كتب أخرى أكبر، للشيخ الغزالي مرة، ولشيوخ آخرين، كان لدينا كتاب من القطع المتوسط عن الموت، وآخر عن المخدرات، وثالث عن النار، وكلها كانت تباع بسرعة مدهشة، كما أن أبي كان يملك أعداداً كبيرة من كتاب لمؤلف اسمه "عبد الصبور شاهين" يتحدث فيه عن رواية اسمها "أولاد حارتنا"، من تأليف رجل اسمه "نجيب محفوظ" يقال وقتها أنه قد حصل على جائزة اسمها نوبل، وهي جائزة غالية، يعطيها اليهود لهؤلاء الذين يسبون الدين، كما يقول شاهين في ظهر غلاف كتابه.

كنت أستمتع بالجلوس طوال وقت الصلاة بجوار الكتب، وما أن يخرج الناس من الجامع، حتى يلتف الناس حول رصة الكتب، وحول باعة آخرين يبيعون الفاكهة أو العصائر أو الجرائد.. كنت أعرف بعض الأسعار، واسأل أبي عما يغيب عني من أسعار.

كنت أحب أبي جداً، أتعلق به لأقصى حد، كنت أتعلق بجلبابه الأبيض الطويل، لم يكن أبي يحب الجلاليب البيضاء القصيرة التي يرتديها المصلين في ذلك المسجد، أكره الجلاليب القصيرة، أشعر أنها "مش حلوة"، بمقاييس الأطفال، كانت اللحية، والسواك، والجلباب القصير، كلها أشياء مش حلوة، جادة ورصينة وتدخل على القلب الخوف والرهبة.

ربع ساعة ويختفي الناس من حول الفرشة، ونتولى، أنا وأبي وأخي الأصغر، حمل ما تبقى من كتب، ورصها في الكراتين، وحملها داخل صندوق السيارة، والعودة إلى المنزل، وإنزالها مرة أخيرة إلى مدخل المنزل.

بقدر ما كنت أحب أبي، بقدر ما كنت أحب حمل الكراتين، لم تكن تلك العملية تسبب لي أي قدر من الإزعاج على الإطلاق.. كنت سعيداً بها، فخوراً بأني أفعلها صباح كل جمعة..

كنت أشعر بأني رجل صغير، أحمل هم هذه الأسرة، وأننا – أبي وأخي وأنا – شركاء في شركة صغيرة، ستكبر يوماً ما، وسنجلس نذكر هذه الأيام، التي كان رأس مالنا الوحيد فيها أكتافنا الضعيفة، القادرة على حمل الكراتين من وإلى السيارة.

كنت معتاداً، حين أقف بجوار الكتب، أن أرقب أبي من بعيد، يقف مع بعض الرجال، يتحدث عن أشياء عدة، كان أبي يبدو لي وكأنه شخص أسطوري، يعرف شيء عن كل شيء، كان يتحدث في السياسة، والأدب، والدين، وأحياناً كان يلقى – مع هؤلاء الذين انتهوا من صلاتهم منذ دقائق – بعض النكات والقفشات.

انتهت هذه الأيام فجأة، لا أعلم على وجه التحديد سبب امتناعنا عن الذهاب إلى المسجد البعيد بالسيارة والكراتين، بالتأكيد حدث شيء ما لا تستطيع ذاكرتي إلتقاطه، لكن السنوات التالية شهدت بعض الرخاء، أسس أبي شركته الخاصة، وأصبح لديه عشرات العمال القادرين على حمل الكراتين، وقد كان يحرص – ولا يزال – بين فترة وأخرى، على حمل كرتونة من هنا لهناك، أو على ربط كرتونة بنفسه، والتأكد من إغلاقها بإحكام، كما أنني شاهدته مرات كثيرة، يعطي نصائح ذهبية لبعض الموظفين الجدد، عن كيفية ربط الكرتونة، أو رص الكتب بطريقة سليمة تمنعها من السقوط ولو بعد مائة عام.. هكذا قال.

اختفت السيارة نصف النقل ذات الصندوق في ظروف غامضة أيضاً، باعها أبي ليشتري بعدها سيارة مستعملة من نوع "داتسون 1800".. وكانت بصندوق خلفي من نوع الـ"ستيشن"، وهو صندوق يسمح له برص مجموعة من الكراتين ونقلها لعملاء شركته الجديدة.

بمرور الوقت اختفت الداتسون، وحلت البيجو – الـ"ستيشن" أيضاً – محلها، وهو تغير قد يلفت النظر إلى أن الأسرة المتوسطة الحال قد شهدت بعض التحسن المادي.. وهو ما سيؤكده حلول الـ"شاهين" بعد ذلك بسنوات، ثم سيارة جديدة من موديل حديث يشتريها أبي هذه الأيام.

لا يزال أبي شغوفاً بإمتلاك سيارة بصندوق واسع، وعندما اصطحبني – الأسبوع الماضي – لصالة بيع السيارات التي سيشتري منها سيارته الجديدة، تقدم بسرعة من السيارة، وفتح الصندوق، وأشار لي بابتسامة ذات مغزي، "شايف كبير إزاي".. لا يعرف أبي أنه بنظرته أعاد لي ذكريات قديمة، بطعم الكراتين وصلاة الجمعة.

لم يكن أبي مقتنعاً بمسألة ركوب سيارة موديل 2008، يقول أنه غير مهتم بالمظاهر، وأنه يحتاج سيارة تحتمل الكراتين التي يأخذها معه إلى العملاء أو المطابع، كان ينوي أن يشتري سيارة نصف نقل بصنودق خلفي وبـ"2 كابينة" بحيث تسمح بحمل الكراتين، وباصطحاب أخوتي الصغار في المشاوير العائلية.. لكن شيئاً ما أقنع أبي بأنه يستحق بعض الرفاهية أخيراً بعد رحلة شاقة في الحياة، توقف فيها أحياناً أمام مسجد على ترعة المنصورية لبيع الكتب مع ولديه الصغار.

أما أنا، فقد عملت مع أبي لفترة طويلة، انتهت مع نهاية عامي الدراسي الأول في الجامعة، بعدها قررت الرحيل وشق طريقي وبدء رحلتي الخاصة، دون أن أنسى أنني قد حصلت على بعض الخبرة من قبل، خاصة فيما يتعلق بحمل الكراتين وبيع الكتب، كما أني وجدت نفسي أخيراً، قادراً على الوقوف مع الرجال بعد صلاة الجمعة، للحديث في أمور عدة، السياسة والدين، وربما إلقاء النكات والقفشات.. لعل مظهري يبدو، لهذا الطفل الصغير، الذي رأيته يبيع الكتب بجوار المسجد، كرجل أسطوري، قادر على الحديث في أي شيء، وإن كان يرتدي بنطلون وقميص، رافضاً بأي حال، الخروج بالجلباب من باب البيت.

لا يعلم هذا الطفل، أن بيننا ذكريات مشتركة، فقد بدأت من حيث يقف، كما أن مسألة هامة تشغلني هذه الأيام تتعلق بالـ"قتب" الذي بدأ يظهر لي، وقناعتي التامة بأن الكراتين – التي يحمل الطفل مثلها كل جمعة - هي السبب..


هناك 8 تعليقات:

شــــمـس الديـن يقول...

الله

قصة جميلة فعلا

ما اجمل ان يكون للمرء خصوصياته و ذكرياتة الجميلة من الزمن البعيد الجميل

خاصة موضوع الجامع اللي بيخطب فيه الشيخ الشعراوي دا

بجد ليها طابع و رائحة حلوة اوي اوي اوي :)

غير معرف يقول...

ياعم براء القصة جميلة لكن اين الاثرالذى تركه ويقولون ان الحاضر جزء من الماضى اللى نسى ماضيه خسارة العتاب فيه يا براء اشرف جابر رزق

محمد يقول...

لا أتذكر أن ديدات كان مسيحياً وأسلم، أتذكر أنه مسلم جنوب أفريقي، اهتم بالمقارنة بين الأديان منذ طفولته لتعرضه لتعليقات مستفزة عديدة من أغلبية مسيحية لم يعرف وقتها كيف يرد عليها.

صاحب المضيفة يقول...

عرض رائع لمرحلة من حياتك تحتاج للمزيد من المتابعة والتسلسل


لا تحرمنا من ذلك فلنا شوق في متابعة الحكاية والتلذذ لجميل الديباجة والمعنى


دمت مبدعا وسلامي لمليكة هانم

صباح الخير يا مصر يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
صباح الخير يا مصر يقول...

وأنا مالي
**********
عندما يقرأ الانسان كثيرا و يعرف كثيرا فانه يكتشف انه يحمل الكثير من الاحلام و الاوجاع لما يحدث حوله انه قتب المسؤليه التى اعتقد انك تستطيع حملها انشاء الله
تحياتى ونصيحتى الا تتخلى عن القراءه التى هى السبب الرئيسى فى القتب الذى يظهر لمحترفى رفع الاحمال

akroot4ever يقول...

و انا مالي ...,

سعدنا بمعرفتك

عكروت للابد

:D

Yasser_best يقول...

كلماتك قريبة إلى النفس.. تلمس جوهر أيامنا بخفةٍ ووداعة

فكرت في المشهد الأساسي..تأملت صورة الطفل أمام الكراتين والكتب المرصوصة بعناية ساعة صلاة الجمعة

لا بد أن بائع كتب صغير قد اغتنم ساعات المساء يوم الجمعة ليروي هذه الحكاية