الاثنين، فبراير 16، 2009

حمادة


قال، وسأعرف بعد ذلك بساعة أن اسمه "حماده" : يا باشا أنت تسيبها ورجالتك يركنوها.

مساء الفلانين، وقد تحول فجأة إلى عيد قومي يحتفل به الجميع ويجعل الشوارع أكثر إزدحاماً من ليلة العيد الصغير.

أجبرتني الظروف، لا الحب أو الرومانسية، على الذهاب إلى باخرة تحمل اسم "نايل سيتي" ترقد في مكان مميز على ساحل الزمالك.

نصف ساعة لتجاوز الأمتار المائة الفاصلة بين ناصية الشارع ومدخل الباخرة، أخبرت زوجتي وصديقتنا المشتركة أن دخول الباخرة في تلك الساعة حلم جميل كنت غير متأكد من قدرتنا على تحقيقه.. لكن "حمادة" ظهر فجأة، وأشار بكفه الصغير محركاً إياه أعلى وأسفل يسألني إن كنت أبحث عن "ركنة" في مكان قريب.

فتحت الزجاج الكهربائي، وأملت رأسي للخارج قليلاً، وسألت : "ينفع أركن؟".. فقال جملته الأولى بثقة، وفتح بابي.. ودعاني للنزول بإنحناءةبسيطة من جسده الرفيع.. وكنت قد أدركت أنه انخدع ربما بمظهري، وأعطاني أكثر مما أستحق من المعاملة الطيبة.

سألته : "أسيب المفاتيح؟".

قال، "الباشا يسيب أي حاجة.. وإحنا نحطها في عنيننا".

شيء ما جعلني اسأل زوجتي، حين عادت خطوتان للخلف، لأخذ كيس بلاستيكي يحتوي هدية صغيرة كانت ترقد في الكنبة الخلفية للسيارة، "ليه هتاخدي الشنطة؟، الدنيا أمان".. رغم أنها رأتني قبل دقيقة أسلم مفاتيح سيارتي لشاب كل ما سأعرفه عنه بعد ساعة أن اسمه "حمادة".

لا تزال زوجتي قادرة على البقاء حريصة معظم الوقت، ودعت الحرص في وقت مبكر من حياتي.. بدأت أفهم فكرة أننا نكمل بعض، وقد ظلت لفترة تقنعني بها دون أن تجد مني أي اهتمام.

في الداخل، تناولنا عشائاً مكسيكياً ساخناً، كنت قد راهنت زوجتي، وصديقتها، أننا لن نجد فرصة لتناول العشاء في المطعم الذي قصدناه، وهو واحد من عدة مطاعم انتشرت في القاهرة في السنوات العشر الأخيرة، وكانت نقطة قوتي في الرهان أننا لم نتصل للحجز، وإن اتصلنا فالإجابة معروفة.. "للأسف يا فندم كله مشغول عشان الفلانتين".

لكن مظهرنا، أنا وزوجتي والصديقة، وابنتي الصغيرة على كتفي بابتسامة لا تفارقها، جعل مدير المطعم عند البوابة يؤكد وجود مكان، يبدو أنه أدرك أننا لم نأتي للفلانتين أو غيره، هي مجرد سهرة صغيرة للإحتفال بصديقة ستغادر القاهرة بعد ساعات لإنجلترا.. وستعود بعد ستة أشهر.

ساعة، كنا قد انتهينا من الطعام، ومن شرب خليط من الكولا بدون السكر والكريز، بناء على نصيحة من الصديقة المشتركة، تذوقته للمرة الأولى بحذر وفهمت أنه كان يستحق.. وخرجنا.

سأقتل هذا الشخص، رأيت سيارتي مركونة فوق الرصيف، هي في الواقع بين الرصيف وأرضية الأسفلت، أدركت أنني لو ركبتها، وبفعل وزني الثقيل، فإن أسفل السيارة ستصيبه أضرار كثيرة، إلتفت أبحث عن الشاب صاحب فكرة الركن..رأيته يجري قادماً.. بابتسامة واسعة، ومفاتيح سيارتي في يده "الباشا يستنى لحظة واحدة بس..".. ورأيت سيارتي تنزلق بليونة من أعلى الرصيف لتقف بمحاذاتي وبابها مفتوح يدعوني للركوب.

وصلت زوجتي وصديقتها لمكان السيارة، نويت أن أعطيه عشرة جنيهات لمعاملته الطيبة، تأكدت من أن زوجتي لن تراني، ستقتلني إن رأتني أفعل.. لكن صوتها جاء من الخلف.. "مش أقل من عشرة جنيه أكيد"، هي أيضاً تراه شخص يستحق.

أزعجني أن يكون تقدير زوجتي للأمور بقدر تقديري، فأضفت خمسة أخرى، ووضعتها في يده.. وسألته "اسم الكريم إيه؟".

تعلمتها من أصدقائي، أن اسأل هؤلاء الذين "نشاهدهم ولا نراهم" على حد تعبير صديقي أحمد، عن اسمائهم وأعمارهم وطبيعة دراستهم.. قالوا أن الأسئلة الصغيرة، تجلب لهؤلاء قدر لا ينتهي من البهجة، كما أنها تعطي لأمثالنا موضوعات دائمة يمكن الحديث عنها مع الأصدقاء المشتركين.

قال، بلهجة رسمية، وكأنه يعرف نفسه لقائد كتيبته، "حمادة.. رابعة آداب، من أمبابة، ومش مرتبط".

عجبتني الطريقة، سألته، كام سنة يا حمادة، قال "22 يا باشا.. فاضلي تيرم واتخرج".

فكرت أنني أستطيع أن أمنحه شيئاً إضافياً، شعرت أنه يجب أن أفعل لحمادة شيء أكثر من مجرد 15 جنيه أطويها بعشوائية وأدسها في يده.. كدت أعطيه كيساً بلاستيكياً به بقايا وجبة مكسيكية لم تتناولها صديقة زوجتي. لكني تراجعت. فما يحتاجه حمادة أكبر ربما من الطعام..

سألته "أقولك سر؟"..

رد "في بير ملوش قرار"..

كدت أسأله عن الطريقة التي يستطيع بها الرد بسرعة على أي جملة غير متوقعة، وعن روحه المتدفقة الدافئة في ليلة باردة كليلة الفلانتين، وعن حماسه المبالغ فيه، وعن ابتسامته، وعن قدرته على التكيف مع الواقع، وعن حبيبته التي غاب عنها عشية الفلانتين ليساعد أمثالي في إيجاد مكان مناسب لركن سياراتهم.. هو بالتأكيد لديه حبيبة مخلصة، رغم أنه أخبرني بكونه "مش مرتبط".

قلت "أنا كمان درست في آداب، صحافة وإعلام، ودلوقتي بشتغل مخرج ومتجوز وعندي بنت، أنا اشتغلت شغلانتك يا حمادة من 6 سنين"..

رد في سرعة "وماله يا باشا هو عيب؟؟"..

قلت "عمره ما هيبقى عيب، بس قلت أقولك إن المكان اللي أنت واقف فيه ده هيوديك مكان تاني أحلى وأحسن..كل سنة وأنت طيب يا حمادة.. أنت بطل".

تعلمتها أيضاً من "أحمد"، هو أخبر الطفل البدين – وقد كان يشبهني - ماسح الأحذية في المقهى بأنه بطل، وقال يومها أنه من المفيد أن نفعل ذلك مع الذين اختاروا أن يفعلوا شيئاً آخر غير التسول.

تحركت بالسيارة، وكانت زوجتي ترمقني بنظرة جميلة، تعرف هي أنني كنت أكذب، وأنه لم يحدث يوماً أن عملت كحمادة، لكني مستعد لفعل ذلك.. بدت زوجتي متفهمة لكذبتي الصغيرة وأسبابها.

قلت لصديقتنا المشتركة، الجالسة في الكنبة الخلفية، وقد كانت تعاني من بعض الحزن والضيق، أنني أخبرت حمادة بذلك لأنه يستحق أن يخبره أحدهم بأن مستقبل أفضل ينتظره.

لم تستوعب الفكرة تماماً، غيرت الموضوع.. قلت أنني سأكتب يوماً كتاب صغير، اسمه "حوارات صغيرة" أدون فيه ما جرى بيني وبين الناس في الشارع، وهي حوارات تستمر دقيقة أو دقيقتنا، ويمكن استخلاص بعض الأفكار منها.. كانت صديقتنا مشغولة بسفرها فلم تعلق، وكانت زوجتي منشغلة بالطفلة، تابعت القيادة، وكنت منشغل بحمادة.

هناك 14 تعليقًا:

AbdElRaHmaN Ayyash يقول...

:)
عجبتني حتة الانسانية دي :)
بجد حلوة

Che Ahmad يقول...

سيدي براء
انت بطل

محمود يقول...

عارف يا براء
يختلف تماما الانسان عن الانسان
انا لما رحت النايل ستي و بسبب الركنة دي انا شايل لحد دلوقتي الوصل اللي ملوش اي معني اللي اديهوني علشان الركنة
بعد ما سألت حد اللي هو غالبا حمادة او واحد من رفاقه
وقالي احنا مأجرين من المحافظة
يا نهار اسود !!!!
المحافظة بتأجر الشارع و الركنات
انا طبعا كبرت في دماغي بقي و مش دافع و حديث لا ينتهي عن الحقوق و الواجبات و الضرائب
انتهت بان الناس اللي معايا بتقولي دماغك يا عم .... ولان هما اصحاب العربية و انا ببقي قاعد جنبهم بكتفي اني اخد الوصل علي امل اني اعمل حاجة
بس صدقني بعد البوست بتاعتك دي انا مش هتخانق تاني و ربنا يخلي الابطال اللي زي حمادة

غير معرف يقول...

بوست رائع
:)

غير معرف يقول...

حلوة أوي الحركة دي

رجل من غمار الموالى يقول...

أختلف معك يا أخى
أى مستقبل رائع فى الآنتظار؟
...........
مثل هذه الشعارات والكلام الفاضى
من جد وجد ومن زرع حصد
كلام ولى زمانه.

.....
سامحك الله ..خدعت الشاب
........

أين حقوق المسلمون يا كفره ؟ يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
محمود يقول...

هو في ايه ؟؟؟؟!!!!!!
جماع ايه و تنفيس ايه ؟؟؟؟؟!!!!!

ام محمد و عمر يقول...

السلام عليكم يا ابو مليكة

رغم اختلافي معك في بعض كتاباتك
لكن البوست ده من احلي ماقرأت لك

بس جنب كلامك الحلو ده لحمادة كنت اديته كيس الاكل المكسيكي يسند بيه طوله في اللف و الجري علي العربيات :)

سلامي لدعاء و مليكة

ام مليكة يقول...

ايه يا استاذ عمال تحكي وتتحاكى وتقول صديقتنا المشتركة، وبعدين صديقة زوجتي ما تقول هنادي وخلاص ولا تكونش منعتك من الكتابة او التصريح باسمها خليها على الله يا عم براء وعلى فكرة انا عرفت غلطتي ومش هاحاول اقدم لك نصائح تاني يا خسارة الخمسة جنيه مش كانت نفعتنا دلوقتي يا عم براء، تمن نص كيلو سمك برضو ولا اقول لك يلا تصرفها في عرق العافية يا عم حمادة يا بختك براء بيه بيحكي عنك باعجاب، امك داعيالك

شادي أصلان يقول...

رائعة تلك الكلمات الغارقة في الانسانية

والتي تعبر عن اشياء نتمني لو انها اصبحت عادات تتحكم في علاقتنا بالبشر

تسلم دماغك وانسانيتك

بدراوى يقول...

جميلة اوووووى يا براء
موقف و انت كتبته بصيغة درامية حلوة اووووى

مصـ( الخير )ـعب يقول...

براء .. بقالي كتير ما قريتلكش حاجة كده..
عجبتني جدا فوق ما تتخيل

Ola يقول...

اول مرة اجى المدونة بتاعتك و أول مرة اقرالك حاجة

ماعرفش ليه اول حاجة اقراها كانت البوست دى بالذات .. بس بجد اسلوبك رائع و انت انسان جميل اوى

مش هافوت حاجة هاتكتبها بعد كده :))