الأحد، أغسطس 30، 2009

عما جرى فـ "وسط البلد".


(1)

في الأيام المنطقية. تلك التي انقرضت، فلم نعد نحيا بها ولا تحيا بنا. كانوا الذين هداهم الرب يسكنون بيوته، يصلون، يؤلفون أدعية جديدة، من بينها أن ينزل الله الهداية على القوم المفسدين، الذين حرموا أنفسهم من متعة الإلتزام.

خارج بيوت الله. كانوا الآخرين. الفاسدين الذين يعلمون بينهم وبين أنفسهم أن الله موجود بالفعل، وأن الإلتزام جميل "أوي"، وأن الصياعة مكروهة في معظم الأحوال. يمارسون فسادهم دون توقف، وإن كانوا على علم أيضاً، أن إخوة لهم في الإنسانية. يسكنون بيوت الله، يدعون لهم بالهداية..

لكن فاسد ابن فاسد وقف ذات ليلة في مقهى البورصة، وقال : "إنهم يدعون للمفسدين.. ونحن لسنا كذلك.. نحن فاسدين فقط، فسادنا يسكن داخلنا، فلا ندعو له، ولا نبشر به.. لماذا نكرههم إذن؟".

في الوقت ذاته، وقف واحد من أبناء الرب، في مسجد بجوار ساقية الصاوي، وأمسك المنبر بيمينه، وفي يساره الجدول الشهري للساقية (يونيو 2004). وقال : "يا إخواني.. إن الله أمرنا أن نشيع الحب بين الناس كافة، الفاسدين ليسوا مفسدين.. يلا نلعب سوا".

(2)

على غير المعتاد، وفي ليلة صيفية اشتبك فيها الحر مع المطر والبرق، خرجت الدعوة الجديدة، وتعالت في وسط البلد أصوات أجراس الكنائس تتشابك مع صوت إمام يصلي العشاء بمسجد قريب من البورصة، يتلو بصوت ناعم.. "قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا".. فيما شدت فرقة الورشة في حفل لها بالـ"تاون هاوس" تزامن مع الصلاة والأجراس "البحر زعلان مبيضحكش.. أصل الحكاية متضحكش"..


ويقال. أن الساوند سيستم في الـ"تاون هاوس" كان جيداً في تلك الليلة، بحيث تجاوز صوت الغناء مقهى التكعيبة وشارع شامبليون مروراً بميدان طلعت حرب وتمثاله، فمكتبة الشروق ومطعم "القزاز"، فممر البورصة، والمسجد في آخره.. بحيث قرر بعض الإخوة الخروج بعد الصلاة، والتوجه إلى "التاون"، لقضاء السهرة.

بحسب الشهود، فإن ما جرى ليلتها يعتبر المرة الأولى التي يحدث فيها اختراق بين الجانبين، ودارت إشاعات، أن السهرة امتدت للفجر، حتى أن بعض الإخوة فاتتهم الصلاة، في حين شوهد راقص من فرقة الورشة يصلي في خلفية المسرح.

صار بعضهم أصدقاء لبعض. الكل يسهر في وسط البلد. لأسباب أو لأخرى. العمل السياسي لا يزال مسموحاً، والليل يطوي من الأسرار ما يطوي، أسرار شباب الدعوة القديمة الجديدة، وأسرار عشاق "أفتر إيت".. والفجر في القاهرة، وسط مدينتها بالتحديد، لا يزال ساحراً، بحيث يلتقي الصديقان، فينسى كلاهما أن يسأل الآخر.. "جاي منين كدة؟".

تستمر العلاقات، يتحول بعضها إلى صداقة حقيقية، صلبة، تسمح لكل طرف أن يسحب الآخر في جولة سريعة داخل عالمه، لكن.. العمل السياسي سيصير ممنوعاً، فينغلق عالم أحدهم السري، ويتسع عالم الآخر، ومع سخونة 2005، قرر الطرفان أن.. "مصر يا رأفت". حيث كان أحدهما اسمه رأفت.

و"العمل المشترك سبيل الجميع إلى الخلاص".. كانت هذه الجملة ملخص مقال نشر وقتها في مجلة "البوصلة" التي تعبر عن اليسار الديموقراطي فيما يقرأها شباب الإسلاميين، المقال نقلته جريدة "الدستور" والتي لم يكن أحد يعلم، لأي تيار تنتمي. العدد الأول من الإصدار الثاني ملأت صفحته الأخيرة صورة "جيفارا"، فيما كتب في الصفحة الأولى تحت اسم الجريدة "استعنا ع الشقا بالله".

ويذكر التاريخ أن إخوة جامعة القاهرة اختاروا لعامهم الدراسي شعار "قوم يا مصري". في إشارة إلى أن "خيبر خيبر" لم تعد شعاراً مناسباً، وفي يقين تكون عند البعض منهم، أن القضية تخص "مصر" الآن، وداخل مصر، يوجد كل السهرانين في وسط البلد.. حتى مطلع الفجر.

ويذكر التاريخ، في هامشه، أن افتتاح سلسلة مواقع "يوتيوب" و"فيس بوك" و"بلوجر"، سمح لأبناء وسط البلد غير الأشقاء، بتبادل الأفكار والكتب والموسيقى والأفلام والمقالات والصور. مع العلم، أنه مع مطلع الألفية، كان بعض الإخوة قد تراجعوا عن "تحريم" الأشياء السابقة، وظهرت فتاوى تجيز الفرجة والسمع. وتؤكد أن يوتيوب ليس موقعاً إباحياً. رغم أنه سيصبح كذلك بعد قليل.

(3)

علماء الجغرافيا الإجتماعية، وهو علم يمكن حال اكتشاف القارئ أنه غير موجود، أن يعتبره صار موجوداً منذ اللحظة، هؤلاء، أعلنوا حيرتهم في تصنيف بضعة أماكن.

"سيلانترو" مثلاً، "كوستا" و"بينوس"، "باكري" و"كلومبوس"، "سينابون". ساقية الصاوي ومسرح روابط، التكعيبة والبورصة والـ"خن" و"منه فيه" والندوة الثقافية. مسرح الجنينة، "مكان"، "كونست"، المركز الثقافي الفرنسي، "سيداج". الهناجر، الأوبرا ومركز الإدباع، الأماكن التي نعرف أنها من الممكن أن توضع في ذات القائمة..

هل يمكن وصف "سيلانترو" باعتباره مقهى متحرر يجمع الشباب الحر الليبرالي، الذي يقرأ الإنجليزية، ويعرف "ميلان كونديرا" ويحمل اللاب توب، ويرتدي بناطيلاً ساقطة، ويصاحب فتيات غير محجبة؟.

وهل يمكن اعتبار ساقية الصاوي مسرح للفنون الحرة، التي لا تقومها رقابة، أو تمنعها إدارة؟. وما علاقة مسرح للفنون بـ"طارق سويدان" الداعية الإسلامي الذي يقيم فيه لقاءاً سنوياً مع الشباب. وعلى خطاه يسير مصطفى حسني ومعز مسعود وغيرهم من الدعاة الجدد.

وهل مقاهي وسط البلد مكان يخص الشيوعيين وحدهم؟، على الأقل تلك هي الصورة التي يعرفها البعض، منذ افتتاح قهوة "ريش"، حتى إذاعة فيلم "الكرنك" على روتانا سينما في 2005 أيضاً.

بالطبع حين نذكر "الشيوعيين"، فإننا نقصد الأبناء الشرعيين لوسط البلد إجمالاً. نعلم جميعاً أن "شيوعي" هو الوصف الذي يستحقه كل يساري مصري، بغض النظر عن التيار الذي قرر الإنتماء إليه. فالشعب المصري خلقه أضيق من أن يعرف الفرق بين الناصري والتجمعي. ولنا في "فوزية البرجوازية" عبرة، لمن لم يعتبر حتى الآن.

يمكن أيضاً في 2005، وما حولها من أعوام، التأريخ لميلاد بعض الحركات السياسية غريبة الأطوار. مثلاً بدأ البعض يدعو لمناهضة "العولمة". وتم تدشين "مؤتمر القاهرة" وهو تكتل لمناهضي "الإمبريالية العالمية" و"العنصرية". وسوف يستخدم لاحقاً، للتعبير عن رفض ممارسات النظام ضد الإخوان، وبالتحديد المحاكمات العسكرية 2007.

سيمارس المدونون هواياتهم في مسح كل خط فاصل، وسيصبح وسط البلد بمرور الوقت يشبه علامة مد. تمتد يميناً ويساراً دون أن يعترض أحدهم. وسيمر أحد الأجانب. وكان قد سافر للخارج عشر سنوات ماضية. سيمر صدفة أمام التكعيبة. وسيرى الأخ بجوار الرفيق. والمحجبة تدخن السجائر. وسيفهم وحده أن "مسرح الشارع" صار متسعاً للجميع. وأنها مسرحية جديدة تنتمي لنوعية "الخيال العلمي". وسيبوح لصديقه بأنها "بايخة قوي". صديقه هذا ينتمي لتنظيم "30 فبراير" وسيكون اسمه موجوداً بالطبع في دعوة الإضراب على الفيس بوك إبريل 2007.

بعض الأجانب صاروا يقابلون شباب الملتزمين في المركز الثقافي البريطاني. وسيسافر بعضهم لتركيا وفرنسا والدنمارك وألمانيا. وسيظهر "ملتقى الشباب العربي" وستطبع الدستور صورة حسن نصر الله في بوستر منفصل لدعم المقاومة اللبنانية. في حرب تموز 2006.

يلتقي المدونون في إفطار جماعي كل رمضان. ويعتبر البعض الإفطار دليل على أن الكل صائم، ويسجد أبناء الرب شكراً. على استجابة الدعاء القديم.

وستكون هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها علماء "جغرافيا المكان" عن "العولمة".
(4)

أمر في وسط البلد. فأجهل المكان. أتوه. وأنا العالم بمواطن جغرافيتها القديمة.
أتجاوز التكعيبة. وأخشى مقابلة أحدهم.
أجلس في ركن ضيق بمقهى مهجور. وأطلب من صديقة مخلصة أن تروي لي حكايات وسط البلد. وأكتفي بمراقبة الموقف من الخارج.
فلم أعد أعرف. إلى أين يجب أن ننتمي؟
"العيال الأخلاقية" في كل مكان.

هناك 7 تعليقات:

غير معرف يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
غير معرف يقول...

أنا تقريباً قدرت أستوعب الفكرة العامة ورا اللي إنت عاوز تقوله من تدوينتك دي يا أستاذ براء .. بس نفسي أفهم بجد يعني إيه عيال أخلاقية ؟
إبراهيم أحمد

غير معرف يقول...

انا مش عارف ليه يا براء انت مسحت التعليق بتاعى
المفروض لو انت حد صح مكنتش محسته
بس برضه عيله متخلفه انا بجد نفسى اقل ادبى عليك
بس مش عاوز اقل من نفسى بسببك
متستهلش اصلا
محمود عادل

AbdElRaHmaN Ayyash يقول...

ممكن تنجز و تكتب كتاب بقى ؟ :)
حقيقي مستني جدا حاجة مطبوعة تنزل لك

غير معرف يقول...

أيوة كدة يا براء ، عود أحمد و مبروك التعافي من الوعكة الأدبية ، تدوينة راااااائعة كعادتك

مرعى بتاع الكِلِمه يقول...

حسيت بحزن او حسره فى التدوينه دى
بس انا موافقك جدا بجد وحاسس بكل كلمه من كلامك

احنا بجد بقينا فى زمن غريب كله دخل فى كله فعلا والعيال الاخلاقيه بقت فى كل حته
متغيبش تانى يابراء

Hosam Yahia حسام يحيى يقول...

رووعه بجد

انا بأيد فكره عياش
بجد
فكر جدياً فى انك تعمل حاجه مطبوعه
بجد هتبقا مذهله
دمت مبدعاً