السبت، فبراير 28، 2009

طنط نادية وطنط سامية

أصبحت مسألة "الإبداع الشعبي" تشغلني بقوة هذه الأيام، خاصة مع عملي على إنهاء فيلم يحمل اسم "رحلة الحجيج" ويركز على الطقوس الشعبية المصاحبة للحج في مصر، وهي طقوس يظهر فيه حجم ابتكار العقل المصري البسيط لقدر من الفنون التي لم يكن لها أصل أو تاريخ عريق.

في الفيديو الموجود نجد شخص ما اختار التعبير عن حبه لحبيبته وأسرتها وأسرته وطنط نادية وطنط سامية وفتاة اسمها سماح يقول أنها محظوظة لسبب لم يذكره.

الفيديو إهداء للصديقة إيفون نبيل وللدكتور عبد الحليم حواس الذي ناقشت معه الفكرة الأسبوع الماضي.

الجمعة، فبراير 27، 2009

قبلات مسجونة.

إذن، فأبويا مسجون في سجن المرج منذ شهرين وأكثر، بقرار من وزير داخليتنا باعتقاله و150 شخص قرروا التظاهر يوم جمعة لفتح معبر رفح.. وقد انتهت الحرب، ولا يزال أبي معتقلاً.

أزوره كل خميس، وأجد نفسي مجبراً على مراقبة ما يحدث في الساعتين – مدة الزيارة – داخل القاعة الواسعة، التي تجمع المساجين والزائرين، مقسمة إلى قسمين، واحد للجنائي وآخر للسياسي، وهو تقسيم غير مرئي، فالجميع في حقيقة الأمر يجلسون في قاعة واحدة، كل نوع في ركن. تميزهم الألوان، الأزرق للجنائي والأبيض للسياسي، ولشخص مثلي، متفرغ للملاحظة، فإن ثمة أشياء أخرى تفرقهم.

في الخميس السابق للسبت، يوم الفالنتين، أدهشتني الكمية الكبيرة من الورود في يد زوجات لمعتقلين سياسين، لم أكن أعلم أن الإخوان يحتفلون بالعيد الرومانسي، الذي يحمل اسم قديس مسيحي، زوج الشباب سراً في وقت منعت فيه الدولة الزواج، فأعدم، وخلده العاشقين بعيد يحمل اسمه.

في اليوم السابق قرأت خبراً عن حملة لشباب الإخوان في جامعة القاهرة، تزامناً مع عيد الحب، مفادها أن حب الله ورسوله هو الحب الحقيقي، وكان رد فعلي متناسباً مع ما قرأت.. وفي المساء ذاته، توقفت قليلاً لشراء بضعة حاجات من سوبر ماركت على ناصية شارعي، فوجدت في الداخل شاشة تليفزيون مثبتة على قناة "الناس" وبها شخص ضخم، يجلس في منتصف الكادر، ويقول "يا مسكين.. تعرف إنت إيه عن الحب.. تعرف تحب ربنا؟ تعرف تحب الرسول.. أنت متعرفش حاجة عن الحب".. كان مظهره أقرب من الداعية لمدرب كرة السلة في النوادي المحلية.. سألت البائع في براءة بعد أن لاحظ وقوفي أمام الشاشة دقيقة أودقيقتين "مين الكابتن ده؟".. فرد باستهجان واضح "كابتن إيه يا كابتن.." وسكت برهة واستعد لقول شيء جديد.. إلا أني سحبت حاجاتي بسرعة، ورحلت.

لكن في داخل قاعة الزيارة كان الأمر مختلفاً.

رأيت من بعيد شاب معتقل يخرج لتوه من الباب الفاصل بين العنابر والقاعة، يبدو في حالة جيدة، هو على الأرجح استحم منذ قليل، ويضع عطراً جميلاً، يبدو متأنقاً، رغم أن ثيابه بالكامل بيضاء، تراه فتعرف أنه اهتم لأمر نفسه قبل أن يأتي إلينا.

ألقى بنظرة واسعة على المكان، يبحث عن أهله، حدد موقعهم وبدأ يتجه إليهم، هم أيضاً فعلوا، والتقوا في منتصف الطريق.

أتى إليه هذه المرة، أبوه، وأمه، وزوجته الشابة، وطفل صغير عمره أقل من عام، ينام معظم الوقت.

قبل رأس أبيه، واحتضنه بقوة، وكذلك فعل مع أمه، وكنت قد عرفت أنه لن يفعل ذلك مع زوجته، مراعاة للزحام، ولكونه من الإخوان المسلمين، الذين يتحدثون خارج السجن عن حب الله والرسول فقط.. أيضاً وجود الأب والأم يضفي على اللقاء جواً من الإحترام والرسمية..

لكن، وكأني مراهق يشاهد فيلم "تيتانك" للمرة الأولى، جذب الشاب زوجته تجاهه، بقوة، وكانت قد سلمت رضيعها إلى حماتها قبل ذلك بثانية، وأسكنها بين ذراعيه في حضن، ستحذفه الرقابة إن وجدته في فيلم لتامر حسني ومي عز الدين.

هي مخمرة، لها عيون جميلة، وأقصر منه ببضعة سنتيمترات، وتحبه، ويظهر ذلك في عيونها المثبتة تجاهه.. وفي هدوئها بين ذراعيه.

وهو رفيع، طويل، بشرته سمراء، وذقنه محددة ومهذبه، قصيرة للغاية، ستحتاج بعض الوقت لتعرف إن كان يتركها كعنوان إلتزام أم ضرورة روشنة.. يعشقها، سيظهر ذلك في أمرين.. القبلة القصيرة التي سيعطيها لها بعد الإحتضان.. ويده التي ستتحرك بعد ذلك مباشرة، تجاه بنطلونه، تشده لأسفل، وكأنها تحاول أن تداري تضخم عضوه.

وسينتهي الحضن والقبلة، وسيجلسون.

وسترى، إن كنت معي، في ركن الجنائيين، فتاة في العشرين، تقبل هي الأخرى يد أبيها.. وستخبر نفسك بقدر من التخمينات اللاإرادية.

تبدو الفتاة وكأنها غير موجودة، تنظر لساعتها كل دقيقتان، ولا تتحدث على الإطلاق.. كما أنها تثبت نظرها تجاه "طفاية حريق" معلقة على الحائط المقابل، وكأنها ترى فيها أمر يستحق الإهتمام عن أبوها الجالس إلى جوارها.

ستفهم أنها قررت في لحظة سابقة أن تلغي هذا الجزء من حياتها، ألا تصنع فروقاً بين زيارة أبيها في السجن، وزيارته في القبر، تغلق هذا الجزء وتضعه ضمن ذكريات الطفولة القديمة.

لهذه الفتاة صديق في الخارج، لا يعرف شيئاً عن أمر أبيها المسجون، وهي تمنعه من زيارة البيت، وستقبل الزواج منه دون علم الأهل.. أما عن القبلات التي وضعتها على يد والدها، فهي – على أفضل الأحوال – عادة طفولية قديمة، تشبه قراءة الفاتحة أمام القبر.

ستفكر في التخمينات السابقة، وتلوم نفسك، وسترى في الركن السياسي مشهد مطابق، فتاة أكبر قليلاً تقبل يد والدها، وستضع التخمينات ذاتها، وستتوقف عن لوم خيالك.. وترك له العنان.

وفي الركن السياسي أيضاً، وفي مكان منزوي به، سترى زوج وزوجة، أكبر من السابقين، تجاوزا الأربعين بقليل، وأمامهما طفلان، ينظران إليك، وظهرهما للأب والأم، المقتربان قليلاً وثمة حركة أيادي خفية في الأسفل يكاد لا يلمحها أحد.. وإن راقبت أكثر، فسترى قبلات مسروقة بين الفمين، وستعرف أن ممارسة الجنس بعد الأربعين ليست كابوساً كما كنت تتخيل.

سألت أبي، "كلكم هنا إخوان؟"، فقال "أيوة، واحد بس سلفي هناك أهو".. ونظرت إلهي، يرتدي ترينج أبيض من ماركة يرتديها الجميع اسمها "SKY TOP SPORT" وتباع في التوحيد والنور بمقاسات متعددة، لكنه يرفع بنظلونه إلى أعلى، ويثني أطرافه عند القدمين، فلا فارق بينه وبين أي سلفي في الطالبية بالهرم.

ويقف أمام زوجته المنقبة، التي ترتدي نقاباً أسود وأسفله يظهر بنطلون جينز، وحذاء رياضي أبيض، وتقف في مواجهته تماماً، وبينهما مسافة أقل من المسافة التي سيتركها المخرج بين ممثل وممثلة في فيلم رومانسي أمريكي يعرض للكبار فقط.

فضفاضة الجلباب التي ترتديه الزوجة، لا يسمح لأحد بالتفكير في أن الجسدين متلاصقين، لكنهما كذلك، وهناك قبلات كثيرة تؤخذ من ناحية اليسار حيث لا يجلس أحد، كما أن الشفايف تتلامس وبينهما نقاب، وهو أمر جيد.

أدرت نظري، فرأيت الشاب الأول وزوجته، يقفان بجوار البوابة بعيداً عن الزحام، ويمسك الشاب بشيكولاتة، ويكسرها أجزاء صغيرة، فيمسك بجزء جزء، يضعه في فمه، ويقطم نصفه، ويسكن النصف الثاني في فم الزوجة الشابة.

في الجانب الآخر، السياسي أيضاً، كان شاب وفتاة أصغر في السن، أخبرني أحدهم بأنهم كانوا على وشك الزواج، إلا أنهم "كاتبين كتابهم"، كانت الفتاة تريح رأسها إلى كتفه، وكان هو يمسك أطراف كفها، ويعبث بأظافرها الطويلة المهذبة.. وعلى وجه كل منهما، ابتسامة مطمئنة.

....

في طريق العودة، سألتني زوجتي، خدت بالك؟.. قلت "طبعاً، وكان أمراً مثيراً".. سكت قليلاً، ورأيت أن أصلح المعنى، فقلت أنه كان جميلاً أن أرى وجه أخر لهؤلاء، وأني اسمتعت بتلك الحرية الجماعية التي قرر الجميع ممارستها.. وأضفت أشياء كثيرة.. منها أن ما رأينها ليس أكثر من قبلات حلال مسجونة.. في سجن المرج.

الاثنين، فبراير 16، 2009

حمادة


قال، وسأعرف بعد ذلك بساعة أن اسمه "حماده" : يا باشا أنت تسيبها ورجالتك يركنوها.

مساء الفلانين، وقد تحول فجأة إلى عيد قومي يحتفل به الجميع ويجعل الشوارع أكثر إزدحاماً من ليلة العيد الصغير.

أجبرتني الظروف، لا الحب أو الرومانسية، على الذهاب إلى باخرة تحمل اسم "نايل سيتي" ترقد في مكان مميز على ساحل الزمالك.

نصف ساعة لتجاوز الأمتار المائة الفاصلة بين ناصية الشارع ومدخل الباخرة، أخبرت زوجتي وصديقتنا المشتركة أن دخول الباخرة في تلك الساعة حلم جميل كنت غير متأكد من قدرتنا على تحقيقه.. لكن "حمادة" ظهر فجأة، وأشار بكفه الصغير محركاً إياه أعلى وأسفل يسألني إن كنت أبحث عن "ركنة" في مكان قريب.

فتحت الزجاج الكهربائي، وأملت رأسي للخارج قليلاً، وسألت : "ينفع أركن؟".. فقال جملته الأولى بثقة، وفتح بابي.. ودعاني للنزول بإنحناءةبسيطة من جسده الرفيع.. وكنت قد أدركت أنه انخدع ربما بمظهري، وأعطاني أكثر مما أستحق من المعاملة الطيبة.

سألته : "أسيب المفاتيح؟".

قال، "الباشا يسيب أي حاجة.. وإحنا نحطها في عنيننا".

شيء ما جعلني اسأل زوجتي، حين عادت خطوتان للخلف، لأخذ كيس بلاستيكي يحتوي هدية صغيرة كانت ترقد في الكنبة الخلفية للسيارة، "ليه هتاخدي الشنطة؟، الدنيا أمان".. رغم أنها رأتني قبل دقيقة أسلم مفاتيح سيارتي لشاب كل ما سأعرفه عنه بعد ساعة أن اسمه "حمادة".

لا تزال زوجتي قادرة على البقاء حريصة معظم الوقت، ودعت الحرص في وقت مبكر من حياتي.. بدأت أفهم فكرة أننا نكمل بعض، وقد ظلت لفترة تقنعني بها دون أن تجد مني أي اهتمام.

في الداخل، تناولنا عشائاً مكسيكياً ساخناً، كنت قد راهنت زوجتي، وصديقتها، أننا لن نجد فرصة لتناول العشاء في المطعم الذي قصدناه، وهو واحد من عدة مطاعم انتشرت في القاهرة في السنوات العشر الأخيرة، وكانت نقطة قوتي في الرهان أننا لم نتصل للحجز، وإن اتصلنا فالإجابة معروفة.. "للأسف يا فندم كله مشغول عشان الفلانتين".

لكن مظهرنا، أنا وزوجتي والصديقة، وابنتي الصغيرة على كتفي بابتسامة لا تفارقها، جعل مدير المطعم عند البوابة يؤكد وجود مكان، يبدو أنه أدرك أننا لم نأتي للفلانتين أو غيره، هي مجرد سهرة صغيرة للإحتفال بصديقة ستغادر القاهرة بعد ساعات لإنجلترا.. وستعود بعد ستة أشهر.

ساعة، كنا قد انتهينا من الطعام، ومن شرب خليط من الكولا بدون السكر والكريز، بناء على نصيحة من الصديقة المشتركة، تذوقته للمرة الأولى بحذر وفهمت أنه كان يستحق.. وخرجنا.

سأقتل هذا الشخص، رأيت سيارتي مركونة فوق الرصيف، هي في الواقع بين الرصيف وأرضية الأسفلت، أدركت أنني لو ركبتها، وبفعل وزني الثقيل، فإن أسفل السيارة ستصيبه أضرار كثيرة، إلتفت أبحث عن الشاب صاحب فكرة الركن..رأيته يجري قادماً.. بابتسامة واسعة، ومفاتيح سيارتي في يده "الباشا يستنى لحظة واحدة بس..".. ورأيت سيارتي تنزلق بليونة من أعلى الرصيف لتقف بمحاذاتي وبابها مفتوح يدعوني للركوب.

وصلت زوجتي وصديقتها لمكان السيارة، نويت أن أعطيه عشرة جنيهات لمعاملته الطيبة، تأكدت من أن زوجتي لن تراني، ستقتلني إن رأتني أفعل.. لكن صوتها جاء من الخلف.. "مش أقل من عشرة جنيه أكيد"، هي أيضاً تراه شخص يستحق.

أزعجني أن يكون تقدير زوجتي للأمور بقدر تقديري، فأضفت خمسة أخرى، ووضعتها في يده.. وسألته "اسم الكريم إيه؟".

تعلمتها من أصدقائي، أن اسأل هؤلاء الذين "نشاهدهم ولا نراهم" على حد تعبير صديقي أحمد، عن اسمائهم وأعمارهم وطبيعة دراستهم.. قالوا أن الأسئلة الصغيرة، تجلب لهؤلاء قدر لا ينتهي من البهجة، كما أنها تعطي لأمثالنا موضوعات دائمة يمكن الحديث عنها مع الأصدقاء المشتركين.

قال، بلهجة رسمية، وكأنه يعرف نفسه لقائد كتيبته، "حمادة.. رابعة آداب، من أمبابة، ومش مرتبط".

عجبتني الطريقة، سألته، كام سنة يا حمادة، قال "22 يا باشا.. فاضلي تيرم واتخرج".

فكرت أنني أستطيع أن أمنحه شيئاً إضافياً، شعرت أنه يجب أن أفعل لحمادة شيء أكثر من مجرد 15 جنيه أطويها بعشوائية وأدسها في يده.. كدت أعطيه كيساً بلاستيكياً به بقايا وجبة مكسيكية لم تتناولها صديقة زوجتي. لكني تراجعت. فما يحتاجه حمادة أكبر ربما من الطعام..

سألته "أقولك سر؟"..

رد "في بير ملوش قرار"..

كدت أسأله عن الطريقة التي يستطيع بها الرد بسرعة على أي جملة غير متوقعة، وعن روحه المتدفقة الدافئة في ليلة باردة كليلة الفلانتين، وعن حماسه المبالغ فيه، وعن ابتسامته، وعن قدرته على التكيف مع الواقع، وعن حبيبته التي غاب عنها عشية الفلانتين ليساعد أمثالي في إيجاد مكان مناسب لركن سياراتهم.. هو بالتأكيد لديه حبيبة مخلصة، رغم أنه أخبرني بكونه "مش مرتبط".

قلت "أنا كمان درست في آداب، صحافة وإعلام، ودلوقتي بشتغل مخرج ومتجوز وعندي بنت، أنا اشتغلت شغلانتك يا حمادة من 6 سنين"..

رد في سرعة "وماله يا باشا هو عيب؟؟"..

قلت "عمره ما هيبقى عيب، بس قلت أقولك إن المكان اللي أنت واقف فيه ده هيوديك مكان تاني أحلى وأحسن..كل سنة وأنت طيب يا حمادة.. أنت بطل".

تعلمتها أيضاً من "أحمد"، هو أخبر الطفل البدين – وقد كان يشبهني - ماسح الأحذية في المقهى بأنه بطل، وقال يومها أنه من المفيد أن نفعل ذلك مع الذين اختاروا أن يفعلوا شيئاً آخر غير التسول.

تحركت بالسيارة، وكانت زوجتي ترمقني بنظرة جميلة، تعرف هي أنني كنت أكذب، وأنه لم يحدث يوماً أن عملت كحمادة، لكني مستعد لفعل ذلك.. بدت زوجتي متفهمة لكذبتي الصغيرة وأسبابها.

قلت لصديقتنا المشتركة، الجالسة في الكنبة الخلفية، وقد كانت تعاني من بعض الحزن والضيق، أنني أخبرت حمادة بذلك لأنه يستحق أن يخبره أحدهم بأن مستقبل أفضل ينتظره.

لم تستوعب الفكرة تماماً، غيرت الموضوع.. قلت أنني سأكتب يوماً كتاب صغير، اسمه "حوارات صغيرة" أدون فيه ما جرى بيني وبين الناس في الشارع، وهي حوارات تستمر دقيقة أو دقيقتنا، ويمكن استخلاص بعض الأفكار منها.. كانت صديقتنا مشغولة بسفرها فلم تعلق، وكانت زوجتي منشغلة بالطفلة، تابعت القيادة، وكنت منشغل بحمادة.

الخميس، فبراير 05، 2009

عمق المأساة!




ما الذي فعله مطاوع حين غادرت زوجته إلى منزل والدتها؟

من الطبيعي أن نتوقع الكثير، فداخل مطاوع يجلس نموذج صغير للشيطان، صنعه مطاوع بنفسه، ومنحه بعضاً من قدرته السحرية على التفلسف والتمنطق والتنظير، لذا فالنموذج يعطيه الأفكار، ويدله على الطريق الصحيح للخطيئة، كما أنه يهون عليه من آثار الـ"عط"، ويجعله في كامل إدراكه، بأن ما سوف يحدث، لن يكون بأي حال، أسوأ مما حدث بالفعل.

لدى السيد مطاوع يوم كامل من الحرية، المرح، القدرة على التجاوز والطيران، السهر، مرافقة هؤلاء السفلة في شوارع وسط البلد، التدخين داخل المنزل، والنوم بملابس العمل، والضغط على علبة المعجون من أي مكان، ورفع صوت التليفزيون، والحديث مع الصديقات حتى الفجر، وطلب دليفري من أي مطعم وبأي كمية، والإستماع لشريط هيفاء وهبي في السيارة، وأشياء أخرى يمكن التغاضي عن ذكرها..

لكن السيد مطاوع اختار، بإرادة حرة كاملة، وبإدراك كامل لحجم المغامرة، أن يجلس بجوار الدفاية، بملابس قطنية منزلية أنيقة، ويمسك بكتاب ضخم لـ"ميلان كونديرا" عن فن كتابة الرواية، ويشاهد فيلم "The Leading Man" على أو تي في، ومتابعة تقارير إخبارية مختلفة على الجزيرة والعربية، ثم النوم مبكراً، والإستيقاظ بفارق ساعة زائدة عن موعد استيقاظه الذي طالما حددته زوجته دون رغبة منه أو رضا.

فقط دخن سيجارة صغيرة، وطلب وجبة بسيطة من كوك دور، وخلع فردتي شرابه في الصالة، دون وضعهما في المكان المخصص، السلة البلاستيكية الخضراء في الحمام.

في الصباح، لم يختلف الأمر كثيراً، استيقظ وحده، ارتدى الـ"بورنس" على اللحم، وجلس يشاهد الجزيرة، قرأ صفحتين من كتاب "كونديرا" في الحمام، وأخذ "دشه" اليومي، ثم نزل إلى العمل.

يمكن هنا الإنتقال للسؤال التالي مباشرة، ما الفارق إذن الذي صنعه غياب زوجة مطاوع؟.

لا شيء على الإطلاق، فقط حصل مطاوع على حقه الطبيعي في الهدوء والسكينة والراحة والحرية، وهي أشياء لم يكن مطاوع يهتم لها في الحقيقة، كان يعتقد أنه يحب الضوضاء، ويكره السكينة ويمقت الراحة، ولا يحتاج الحرية. لكنه – كزوج يفكر جدياً في أن يصبح مخلصاً لزوجته – أدرك أن الإستغناء عما سبق ترف لا يقدر عليه.

وهل يجتمعان؟، مممم.. تفهمني؟.. اسألك.. هل تجتمع الزوجة مع الراحة والسكينة والهدوء والحرية والمتعة والفرحة والكسل اللذيذ؟..

فيما سبق، ظن مطاوع أن زوجته على علم بما يحتاج، هي أخبرته بذلك، هل اختلفت احتياجاته إذن؟. أم أن قدرة زوجته على المعرفة أصابها شيء ما.

ستنزعج زوجة مطاوع فور علمها بأن زوجها قضى ليلته جالساً في المنزل وحده يشاهد التلفزيون ويقرأ الروايات.. هل لأن زوجته تكره ميلان كونديرا، هل لأنها تخشى على زوجها من مشاهدة بعض الـ"مزز" في قنوات القمر الصناعي الأوربي "الحمامة الساخنة" أو "hot bird"، الحقيقة أنها ستنزعج لأنها تعرف – دون أن يخبرها أحد – أن قضاء زوجها ليلته في المنزل وحده، يعني فردتي شراب في مكان غير صحيح، وبقايا طعام من كوك دور على الأرض، وطفاية سجائر على مسند الكنبة، كما أنها متأكدة من أن زوجها لن يهتم لأمر ترتيب شلت الكنبة بعد قيامه، فهو يرى أن المظهر العشوائي للشلت على الجنبة أجمل وأرق.

يحتاج مطاوع من زوجته هذا الإنزعاج ولكن لأسباب مختلفة، يحتاج منها أن تفكر في السؤال الذي طرحته عليه مساء الأربعاء الماضي "مطاوع، هو أنت فعلاً بتنتهز الفرصة عشان تفضل وقت أطول برة البيت؟".. لم يرد مطاوع وقتها لكنه أعطاها إشارات بصرية ولفظية بأنه يوافق على ما قالت.

إن فكرت زوجته في سؤال ليلة الأربعاء، فستعلم بالتأكيد أن هناك أشياء بسيطة يمكن منحها له لضمان وجوده لمدة أطول. وهي أشياء، يرى مطاوع كأي ذكر، سهولة منحها. وضرورة الحصول عليها.

أثناء كتابة هذه السطور، تتصل زوجة مطاوع لسؤاله.. "آجي النهاردة ولا بكرة؟"، يجيب بصراحة وصدق نادرين، "النهاردة طبعاً.. ليه تستني لبكرة؟".. يدرك مطاوع أنه حصل على جرعته التي يريد، وأن الفرار من القدر سيزيد من عمق المأساة.

الخميس، يناير 29، 2009

باكابورت


(1)

عند خروجي من أكتوبر، المنزل باتجاه العمل، ألتزم عادة بالسرعات المقررة في المسافة الفاصلة ما بين "ميدان جهينة" و"هايبر وان"، أعلم أن هناك لجنة مرورية ترابط عند الهايبر طوال اليوم، تصطاد صباحاً الخارجين من أكتوبر ومسائاً الداخلين إليها.. تلك طريقة على ما يبدو لإقناع الجميع بأن المدينة الجديدة تحولت إلى محافظة بالفعل.

اشتريت من السوبر ماركت المجاور للمنزل زجاجة مياة معدنية صغيرة وعلبة كولا ونوع جديد من الباتية بالجبن الرومي، تأكدت من كون الباتيه طازجاً، وأن حواف علبة الكولا نظيفة وأني لن أكون مضطراً لإثناء ورقة منديل لتصبح مثل السهم ودب حافتها بين حافة علبة الكولا لتنظيفها قبل البدء في الشرب.. تأكدت كذلك أن زجاجة المياة لم تفتح من قبل.. تلك أشياء لم أكن لأهتم بها من قبل، لكن طبيعة عملي – هذه الأيام - في المونتاج، والمساحة التي اكتسبتها من الهدوء وعدم التوتر، جعلتني أكتسب صفات كنت أعتبرها في السابق تافهة.. المجد للتفاهة التي تجلب السعادة..



تجاوزت اللجنة، وانطلقت، شاهدت سهم السرعة يشير إلى 130، خففت قدمي قليلاً لأخسر عشرة كيلومترات من السرعة. فتحت علبة الكولا.. وشربت.

جرعة قليلة، أقل ما يمكن أن تسحبه من علبة كولا فتحت لتوها، احتفظت بالكولا القليلة في فمي، حركتها ببطء، قبل أن أبلعها بهدوء ملاءم، جعلني هذا أشعر أني خارج مصر.

أشرب الكولا ببطء حين أفقد الإحساس بالزمن، وأنا لا أفقد إحساسي بالزمن في مصر، على الأقل في العام الأخير.. أيضاً السير بسرعة على المحور، والسيارة الحديثة التي لا يزعجني صوت ماتورها، كما أني شغلت التكييف على الدرجة الأولى. كلها أشياء جعلتني أشعر بمغادرتي للمكان.. لكن دون غربة أو ضيق، فقط شعرت كأني أراقب الطريق دون أن أكون داخله.. سحبت رشفة جديدة من الكولا.. وضغطت زراً في الراديو لأسمع نجوم إف أم.

روبي الجميلة تغني.. "أنت عارف ليه... بحبك ليه".. بدأت هلاوسي، رأيت روبي رفيقتي في الكرسي المجاور، رأيتني أعتذر لها عن أرضية السيارة المفروشة بالمناديل المستخدمة، أخبرتها بأني سأترك السيارة كلها عند البنزينة للتنظيف، وسأسير على قدمي المسافة الفاصلة بين البنزينة ومكتب المونتاج.. سألتها... "عارفة إنتي ليه أنا بحب جمالك".. ردت بنظرة بريئة خالية من الخجل. قلت.. "أحب الجمال القادر على إثارة جدل.. نصف أصحابي يظنون أنك أجمل بنت في مصر.. والنصف الثاني يراكي لا جميلة ولا بنت ولا مصرية.. أحب الجمال القادر على فتح باب النقاش.. الخلاف حول الجمال جزء من الجمال نفسه.. ولا إنتي إيه رأيك؟"..

......

انتهت أغنية روبي، غادرتني الهلاوس. انتهى المحور كذلك، وسأجد نفسي بعد قليل في ميدان لبنان ومنه إلى شارع جامعة الدول، ثم الدقي ومكتب المونتاج، سأخلف وعدي لروبي، وسأركن السيارة أمام المكتب مباشرة، ولتظل على حالتها السيئة.

انهمكت في العمل. لازلت أشعر أني خارج المكان، غرفة المونتاج هادئة ونظيفة، والشارع لا يدفع أي ضوضاء بتجاهي، كما أن رفيقي في الغرفة شخص غير مزعج ومؤدب، وقد قابلني عند دخولي شاب جميل سألني في أدب عن المشروب الذي أفضله فقلت "قهوة زيادة دوبل" فكان من نصيبي واحد من أفضل فناجيل القهوة التي شربت على الإطلاق.. علمت بعد ذلك أنه حضره بعناية على سبرتاية صغيرة.

(2)

لست في مصر إذن، لو انصرفت من هنا، فدخلت السينما في "نايل سيتي" ومنها إلى أكتوبر عبر المحور دون زحام، فسأعتقد أني غادرت البلد بالفعل. لكن شعوري أن مصر ستكشف لي اليوم عن جزء جديد من وجهها.

دخل محمود الغرفة، يساعدني محمود هذه الأيام في إخراج فيلم وثائقي طويل عن السينما الأمريكية. وأساعده أنا في جعله يدرك حقيقة المهنة التي تستعبدنا طوال اليوم..

محمود بمزاج متعكر. قال أن سائق التاكسي هو السبب.

"ركبت التاكسي.. لقيت السواق بيعيط.. قلتله مالك.. قالي دخلت أوضة النوم لقيت مراتي في حضن أخويا. مراتي المنقبة المحترمة المتدينة"..

حاول محمود تهدئة السائق.. قال له "يمكن أنت غلطان.. يمكن متهيألك".. يمكن هنا حذف الحوار، والقول بأن السائق أكد أن ما حدث لم يكن مجرد حضن أخوي أو غلطة بسيطة، وأن الأخ كان بينـ... بينـ.. بينـ.. وكررها ثلاثاً.



ضحكت، سألته، سبته إزاي يا محمود من غير ما تجيب رقم تليفونه، القصة دي مشوقة قوي، كان لازم نعرف الراجل ده هيعمل إيه بعد كدة.. لا يحب محمود طريقة تفكيري، يعتقد أن عليه أن يكون مهموماً نتيجة لما حدث، بالنسبة لي، تمنحني هذه القصص قدر لا ينتهي من البهجة.. أدرك أنني لم أرى بعد الوجه الحقيقي للأمور..

أفتح اللاب توب، أدلف إلى الفيس بوك.. أقلب في الرسائل الأخيرة التي وصلتني.. لدي 2176 رسالة لم أقرأها، سيغلقون حسابي إن لاحظوا إهمالي في قراءة الرسائل، لكني متمسك بموقفي تجاه الرسائل الدعائية التي لا تتوقف، والتي لن أتوقف عن كرهي لها..

وصلتني رسالة جديدة من شخص سيكون من الملائم تسميته "سيد"، جعلتني أتذكر بعض الأمور.

(3)

حين أصبحت من أهل الفيس بوك، سمعت أنه لتصبح ناشطاً في هذه العالم فإنه من الضروري أن تصنع جروباً ما.. وقد جربت مرة، وكانت النتيجة جروب وحيد يحمل اسمي في خانة الـ""، وقد جعلت موضوعها محبة كاتب صديق، وروايته التي ذاع صيتها في مصر خلال السنوات السابقة.

لم أستمتع بالأمر، فأنا جاهل بفنون إدارة الجروب، وقد حدثني صديقي مرتين أو ثلاثة يطلب مني حذف تعليق وضعه أحدهم عليه رابط إليكتروني لروايته موضوع الجروب، وقد استجبت لطلب الصديق فهو حقه وواجبي طالما رأيت في نفسي شخص ملائم لإدارة جروب على الفيس بوك.

بعد شهور من إطلاق الجروب، استلمت رسالة من فتاة يمكن أن نسميها "ريهام"، قالت ما معناه أنه سيكون من المفيد أن يصبح لهذا الجروب مدير وأكثر، وطلبت مني تفعيلها كمديرة مشاركة، وقد فتشت كثيراً حتى استطعت تنفيذ طلبها، مدركاً أن الوقت قد حان للتخلص من العبء الأخلاقي لإدارة جروب عن صديق وشخص محترم مثل مؤلف الرواية.

ونسيت الموضوع بالكامل، فقط لاحظت أن الصديقة ريهام نشيطة بالفعل، وأرى على صفحتي الرئيسية بضغة أخبار تقول أن ريهام وضعت صوراً جديدة وأن أعداد المنتمين للجروب في تزايد، وقد جعلني هذا أقتل أي تأنيب للضمير داخلي بخصوص الموضوع، فقط علمت عن نفسي أمراً جديداً أجهله، إدارة جروبات الفيس بوك.

ثم كانت رسالة "سيد".. لإنقلها لكم..

"أزيك يا عم براء.. نشالله تكون بخير بقى أنا يا سيدي عضو في الجروب، من زمن، من قبل ريهام ما تبقى حتى عضو مش أدمن، فوجئت النهاردة أن الأستاذة ريهام عملت لي ريموف من الجروب، تخيل، ليه بقى، عشان هي كانت عندي في الفريندز وعملت لها بلوك ، ليه بقى عملت لها بلوك لأنها رغم ان اسمي سيد إلا أنها كانت مصرة أني أنا الروائي صاحبك، وقعدت تبعت لي صور عريانة جنسية وتكلمني بدلع ، طبعا لما لقيتها بتدلع جاريتها وبعدين سألتها أنتي متعودة تتعاملي مع كل الرجالة كده وإذا كنتي بتتكلمي بالطريقة دي على النت متخليكي متسقة مع نفسك وتعالي نعمل كده في الواقع ، راحت قالبة عليا وقالت لي مش لما تبقى انت متسق مع نفسك الأول، :))))، تخيل كل الدلع والمرقعة لأنها كانت فاكراني الروائي ولما أصريت أني سيد قامت شايلاني من قايمة الفريندز بتاعتها، رغم انها هي اللي طلبت اني اضيفها للفريندز لما عملت جروب لنفس الروائي عن فيلم هو عمله قريب، وأنا أصلا ما عرفهاش ولا عمري قبلتها، ع العموم حقها هي حرة تشيلني من الفريندز ورديت عليها بأني عملت لها بلوك لأني مش طايقها ولا طايق تعليقاتها على كلامي تقوم تعمل لي ريموف من الجروب ؟!! ، يرضيك الكلام دا يا عم براء..

لو سمحت اعمل لي انفيتشن للجروب عشان اعرف اشترك فيه تاني وخليها تبعد عني وتشيلني من دماغها ، لو مش مصدقني أنا ممكن أفرود لك رسايلها ليا ولو اني مش عايز أسيء ليها ده مهما كان بنت :)))))

شكراً"..

ماذا تفعل لو كنت مكاني.. فكر فكر.. أنا أيضاً فكرت.. وكانت نتيجة تفكيري إيجابية جداً.. شوف كدة..

"ريهام ازيك..

بصراحة مش عارف ابدأ منين.. وصلتني رسالة من شخص انا معرفوش قلت ابعتهالك.. واحاول اعرف رأيك..

براء"..

ثم وضعت نسخة من الرسالة.. وشعرت بالراحة.. فكان الرد...

"أهلا براء

معلش اننا أول مرة نتكلم،نتكلم في حاجة قذرة بالشكل ده،لكن البنى آدم ده فعلاً مستفز،مش هاتكلم في تفاصيل من نوعية هو الروائي أو غيره، لكن فيه بينا حوارات طويلة المدي و بينه و بين سميرة (صديقة مشتركة ليا ولريهام) كمان، أقدر انا كمان ابعتلك حوارات معاه من نوعية اني باجري ورا الروائي و باكسبه بالجروب و الكلام ده، مع اني باقابل الروائي شخصياً كتير جداً بحكم شغلي في دار النشر نفسها، وتواجدي عموما في الساحة، ولو كان فيه بيننا حاجة كانت وضحت، ومع ذلك الشخص ده أكيد مش حد حقيقي، ده حد متقمص الشخصية دي، وداير يشتغلني أنا وسميرة بطريقة مستفزة، من أول الصور اللي بيقول عليها، لحد شتيمته فيا على الوال وفي التوبيكس، طبيعي أياً كان البني آدم ده مين، لو الروائي شخصياً، ماينفعش يكون ليه وجود في الجروب، وأياً كانت الحوارات اللي بيني وبينه، وانا بردو ماعرفوش شخصياً ولا عمري قابلته، ماينفعش يقولك ده و يقولك هابعتهالك، إلا اذا كان حد وسخ فعلاً وبتاع حوارات وفضايح، أكيد أنا حالياً ندمانة جداً اني اتكلمت مع حد زيه، بس دي مشكلة الفيس بوك في مصر..الناس بتاخده وسيلة للتجريس.

ماعلينا من كل ده،طبعاً انت حر جداً انك ترجعه الجروب او لأ..الجروب لا هيزيد ولا هيقل بواحد بس،بس لازم تبقى عارف أنه لو رجع مش هانلاحق على قلة الأدب و الوساخة اللي هاتبقى عالوال و في التوبيكس،مش عارفة من حقى أقولك ده ولا لأه...بس يمكن أنا حقيقية قدامك و انت عارفني،أولى من غريب مش قادرة أفهم هو عايز ايه مني ومن الروائي ومن مجرد فكرة جروب عالفيس بوك.



و ياريت أعرف ردك قبل ما تاخد معاه أى أكشن، لأن غالباً لو انت رجعته هيعتبر ده نوع من الانتصار عليا بعقله المريض و هايزيط في ده.

طبعاً من حقك تستزيدني في التفاصيل لو انت شايف ان شرحي للموقف قاصر

مستنية رأيك"..

كدت أبكي، فوصلتني رسالة جديدة من ريهام للإستدراك تقول..

"اه أحب أضيف على جملة (نعمل كده في الواقع)، الحد ده رفض يقابلني أو يقابل سميرة أو أى حد، ولما سألنا عليه كل الكتاب والأدباء اللي نعرفهم بعد الموقف الغريب اللي حصل ده امبارح، طلع ماحدش منهم شافه شخصياً ولا اتكلم معاه ولا يعرفه،ولا حتى تليفونه!!

أنا عارفة انا واجعالك دماغك من غير اى مناسبة وانت أكيد مشغول في الحياة بقدر كافي انك ماتهتمش بحوارات الفيس بوك و العوء ده.



صباح الورد

:)

ريهام تقولي خليك في حالك، وسأفعل هذا فعلاً، كتبت رداً مختصراً

"مفهمتش اي حاجة تقريبا.. وكمان مكنش قصدي انك تعتبريني بحقق في واقعة معينة لان الامر لا يعنيني.. انا مجرد ناقل للرسالة وطبعا لا هرجعه الجروب ولا بتاع.. لان مليش علاقة بالموضوع تقريبا..

فقط أكدت لي رسالتك ان الحياة تستمر في كونها باكابورت كبير.. والباكبورت هو البالوع الكبير الموجود عادة بدون غطاء في شوارعنا الحقيرة.

وطبعا ده مش معناه تصديقي لكلامه.. وعذرا ولا حتى كلامك.. انا في العموم ابدو غير مهتم.. وسأستمع لنصيحتك المخلصة.. واتفرغ لمشاغل الحياة الحقيقية..

براء"

فقالت ريهام..



"و أى باكابورت!!! ده انت لو سمعت مني كمية الحوارات اللي حصلت مع البنى آدم ده،ماتصدقش ان فيه حد فاضي للدرجة دي!!أو بمعني أصح فاضي و وسخ لدرجة غير مسبوقة،على الأقل بالنسبة لي.

شكراً طبعاً على أنك مش هاترجعه الجروب،و أنا ماقصدتش اني اعاملك معاملة المحقق،ولا أخليك تصدقني غصب،بالعكس أنا أقريت اني غلطانة اني اتكلمت معاه،و ما أنكرتش ان ردودي عالحوارات كانت من باب اني اجيب أخره و اعرف عايز ايه،و ده أدي إلي فضايح و تجريس زي مانت شايف في الآخر،غلطة و ندمان عليها على رأي هاني شاكر اللعين،و علمتني اني ماضيفش حد الا لما أكون عارفاه شخصياً.

أتمني لك حلول سريعة و جذرية لمشاكل الحياة الحقيقية

:) صباح الورد"..

على الجانب الآخر كنت أدير حواراً من نوع مختلف..



"صباح الفل.. بتقول ان عندك صور ونصوص حوارات بينك وبين ريهام.. ممكن اشوفها باعتبارها دليل على صدق كلامك؟"..

فكان الرد..

"
Said
January 15 at 10:53am
ريهام بعد الليلة اللي قضيناها في تبادل الصور الجنسية ، عندي شوية اسئلة ليكي بعيد عن الفيس بوك واسئلة الكاماسوترا والحاجات دي، أنتي عملتي كده ليه ، قصدي يعني اتجاوبتي مع الصور اللي بعتها ورديتي عليا بصور تانية ، انا مش فاهمك !!، انتي مش خايفة حد لما يشوف الصور على البروفايل من زمايلك في الجامعة مثلا بنات أو ولاد هيقول عليكي والا ده بالنسبة لك عااااادي ، انتي متعودة تعملي الحكاية دي مع ناس كتير ، قصدي يعني دا عادي !!!

أنا حقيقي مش فاهمك ، ممكن تتكلمي شوية عشان افهم
:)))))))))))

Riham
January 15 at 1:03pm
Report Message
تؤ
:))

Said
January 15 at 1:08pm

طب ايه رأيك نطبق عملي
:))))))))))
عايز المسك وابوسك على شفايفك الجوانية
عارفاها
;))

Loading...
Riham
January 15 at 1:21pm
Report Message
و إيه كمان؟
:))

Said
January 15 at 1:32pm
شكلك كده مقضياها سبعات من امبارح
:)))))))))
أنا هاريحك
انتي بتسخدمي صوابعك بس ولا بدخلي حاجات تانية معاها
:)))))))))))

Riham
January 15 at 1:52pm
Report Message

العزيزة ريهام"
لا أريد أن أبدو سخيفا أو متطاولا أو جارحا لمشاعرك ، بس كمان لازم تفهمي أني حسيت من بين سطورك بمشاعر لذيذة لا استحقها ولا أرغب أن تكون موجهة لي ، ليس رفضا بالتأكيد ،، الغشيم والغبي فقط فقط هو من يرفص النعمة ، تقدري تقولي انا مش حابب ادخل في علاقة من نوع ده ، مش عايز اشبط حد فيا وف الأخر أطلع ندل ومش أد المسئولية ، حاجات كتيرة ملعبكة أنتي في غنى عنها واقولك أيه ( لما تبقي ف سني ) أكيد هتفهمي ، أن كنت اتمنى انك لما تبقي في سني تبقي في حضن الراجل اللي يستهالك ، انا شوفت فيلم دنيا وطبعا أداء حنان ترك كان عبقري ويخلي الحجر يتحرك ويحس ، :) ، وحقك عليا يا ستي إذا كنت زعلتك ، راسك أبوسها ، أنا مش حاطط صورة في البروفايل لان كل الصور مش قد كده ، لكن طبعا عندي شعر ابيض وإن كان الشعر الابيض مش كل حاجة يا وئة ، فيه حاجات كتير المفروض تهتمي بيها وتلفت انتباهك ، : ))) ، ردك بيفكرني بشريهان في ( العذراء والشعر الأبيض ) رد طفولي ومراهق ولذيذ ، لكنه غير مناسب أبدا لواحد زيي
انا سعيد- سما وصفة - بصداقتك واتمنى انها تفضل صداقة لو ما ضايقيكيش
بيس"

___________________
فاكر المسج دي؟ أنا كنت باجيب آخرك بس ، أنا لما أكون مع حد"راجل" نظرة من عينه هتكفيني ،و أكيد مش هابقى معاه و مع عشرة غيره ، حطيتك قدام مراية و ماعجبنيش انعكاسك فيها ، و هاشيلك من الفريندس عندي..منوّر
:))

Said
January 15 at 2:00pm

يعني أيه حطيتيني قدام مراية
انا مازلت على صراحتي معاكي ، في البداية حسيتك واحدة بتحب روامنس أفلاطوني قولت افرملك عشان ما حبش اجرح لكن الكلام من يومين تلاتة لا رومانسية ولا حب ولا دياولو ، وانا ممكن احترم جدا ان واحدة تبقى شايفة ان ده جسمها وهيا حرة فيه ، وكنت منتظر منك أي تفسير لقيتك بتدلعي وعمالة هئ ومئ وما فيش حاجة مفرملاكي ، مالك كده لدغتك عقربة لما كلمتك عن الواقع والحقيقي ، انتي عايزة ايه يا ريهام ، مش تخليكي صريحة مع نفسك ، حابة الجنس الافتراضي مع واحد متعرفهوش ، ماشي ، عندك استعداد للواقع ماشي ، فيه حاجة تانية عندك احب اعرفها ، انا رغم سني وخبرتي ما عنديش مانع اتعلم ، ومش هشبط فيكي واقولك لا والنبي ما تمسحنش م الفريند ، انتي جيتي لي عشان الروائي وهتسيبيني عشان أيه ؟؟!! مش فارقة
سلااااااااااااااااااااااام

Riham
January 15 at 3:20pm
Report Message
عشان الروائي
:))
سلام

Said
January 15 at 3:29pm
والصور العريانة والدلع اللي فات عشان الروائي برضو
:)))))))))))))))
أحا


Said
January 15 at 3:59pm
بالمناسبة ما تنسيش تلحقيه قبل ما يتجوز
ولو أني أشك أن واحد محافظ ومحبكها قوي زيه يبصلك
يا خسارة كنت فاكر أنك متسقة مع نفسك زيادة عن كده

Riham
January 15 at 4:04pm
Report Message
لو كنت انت متسق مع نفسك بزيادة عن كده كنت عملت أكونت باسم" الروائي"
يا ..يا روائي..
:)

(4)

ما الذي حدث بعد ذلك؟. دلني الزميل "سيد" على مكان ما في الفيس بوك يمكن فيه رؤية بعض الصور الجنسية التي أرسلتها ريهام له، وهي تحمل توقيعها واسمها، لكنها ليست صورها الشخصية.

واستمر حواري مع ريهام في كون الدنيا باكابورت كبير، وقد أخبرتها بنيتي نقل الحوار إلى المدونة فرحبت بذلك.

واستمر "سيد" يطالبني بتفعيل عضويته من جديد، لكني طلبت منه مهلة للتفكير.. ولازلت أفكر.

تبادلت مع ريهام أرقام الهواتف، إلا أني لم أستخدم رقمها، ولا هي استخدمت رقمي.

أخبرت صديقة بالقصة، فضحكت وشخرت وسكتت قليلاً، ثم قالت.. باكبورت فعلاً، وقد أخبرتني بالأمس في مكالمة هاتفية قصيرة، أنها قابلت بالصدفة في معرض الكتاب وبمقر دار النشر التي يأتي ذكرها سابقاً كلاً من ريهام وسميرة، وقد سألاها من باب الإحتياط إن كانت تعرف شخص اسمه "سيد" فقالت لا.. وهي بالفعل لا تعرفه.

تبقى شخصية "سيد" مجهولة، لكن شخصية ريهام والروائي تحتاج فقط إلى قدر بسيط من التخمين والتفتيش لمعرفة عمن نتحدث.

أبقى أنا غير مهتم بكل ما حدث.. وقد عدت تلك الليلة إلى أكتوبر، بعلبة كولا جديدة، وزجاجة مياة معدنية صغيرة، سحبت من الكولا جرعات أكبر، فقد أصبح من غير الملائم الشعور بأني خارج مصر.

الأحد، نوفمبر 30، 2008

بقاء..


في الحلم رأيت نفسي أجري مكالمة هاتفية قصيرة مع رجل عجوز، تربطني به صلة قرابة، وكنا قد اتفقنا – في وقت سابق من الحلم نفسه – على أن نموت سوياً، فهناك مرض بدأ ينتشر، ويقتل كل الناس، والإيمان بالله جعلنا نقتل أنفسنا قبل أن يقتلنا المرض باعتبار أننا أموات في كل الحالات.

في لحظة فارقة – في الحلم – قررت أنني لن أستسلم للموت، وأني أفضل البقاء ورؤية العالم بعدد أقل من البشر، والموت بشكل طبيعي والذهاب للذين ماتوا مبكراً وإخبارهم بما حدث بعد أن رحلوا.

اتصلت بالرجل العجوز الذي تربطني به صلة قرابة. قلت له أنني أعتذر عن موعد الموت المشترك لنا في الغد، امتعض، قال "إزاي يعني.. إحنا مش متفقين نموت سوا.. هو كلام عيال ولا إيه؟".. قلت له "معلش يا خالي.. موت إنت لوحدك.. وأنا هبقى أخلص شوية حاجات في إيدي وأحصلك على طول".. كنت صادقاً.. لم أكن أسخر منه بأي حال. هو أيضاً سألني باهتمام.. "حاجات إيه؟"..

فكرت، وقررت الإجابة على السؤال بصدق.. قلت له "يا خالي أنا عندي بنت لسه مكملتش سنة.. وكمان عندي شوية حاجات عايز أكتبها.. ومحتاج شوية وقت عشان أركز وأقعد اخلصها.. نفسي يا خالي أشوف بنتي وهي عندها سنة ونص وبتقولي يا بابا وبتمشي لوحدها.. ونفسي أكتب الكلام اللي أنا عارف إنه أهم من أي شيء كتبته قبل كدة"..

بكيت وأنا أكلمه، هو أيضاً لم يجادلني، أغلق الهاتف في هدوء، وساد صمت طويل.. في الحلم.

رأيت نفسي بعدها أشارك في طقس رحيل الرجل العجوز.. نائم هو على الأرض وسط دائرة كبيرة من الأقرباء والمعارف. ويتولي قريب آخر عملية الإعدام، يضرب حقنة صغيرة في وريده، بها سائل يبدو أنه الطريق السريع إلى الموت الهادئ. تقلب الرجل يميناً ويساراً، بدا أنه كان يتألم، أو أنه يرسل إلى الحضور رسالة بأن الموت يصاحبه ألم ما.. وهو ما جعل المسؤلين عن تنظيم عملية الإعدام ممتعضين من تصرفات العجوز، فقد كانوا يروجون للأمر باعتباره سهلاً بسيطاً، يخلص الفرد من الألم، وينقله إلى الراحة.. حتى أني كنت أسمع صوت أصالة بأغنية "أكتر من اللي أنا بحلم بيه" في خلفية المشهد.. هنا لاحظت أن الأمور تتجه نحو العبث، وأدركت أنني أحلم، وأني أملك القدرة على الإستيقاظ والخروج من كل هذا..

......

تحت الماء الساخن أثناء الاستحمام اليومي الصباحي فكرت.. أكانت هذه أسباب كافية للبقاء على قيد الحياة.. رؤية الطفلة تكبر وكتابة بعض الأشياء؟..