الاثنين، مارس 17، 2008

هروب


حكيت لأحمد عن قصتي مع مطاوع، ضحك، وقال أنه بالتأكيد سيكون أمراً مسلياً أن يقدمني لأصدقاءه قائلاً "أعرفكم على مطاوع".. سكت لحظة، وضحك مرة أخرى قائلاً، "لقد كتبت للتو على الشاشة التي أمامي جملة.. قلت فيها.. صديقي الذي يظن نفسه مطاوع".


لم تضايقني ضحكات أحمد على الإطلاق، بالعكس، جعلتني أتجاوب أنا الآخر في السخرية من نفسي، ومن مطاوع، ومن أحمد أيضاً.


الآن، أجكي لكم عن عن مطاوع.


القصة تبدأ في وقت ما، عرفت فيه الطريق إلى الكتابة، وكنت أعتقد أنني أعيش داخل شخصيات قصصي القصيرة، وبالتحديد، داخل مطاوع، الفتى البدين، بالعوينات السميكة، والبلوفر الكحلي بأكمام منسلة من أثر العض عليها دون قصد.


يخبرني مطاوع في كل مرة أخرجه من حجرته الضيقة تحت سلم بيتنا في كرداسة بأنه يعلم جيداً، أنني أكرهه.


يخبرني مطاوع بأنه يعلم أنني أحاول التخلص من الذكريات القديمة كلها دفعة واحدة، عبر فضحها وحكيها وإخبار الجميع بها.


يخبرني مطاوع أن الحكي الذي أمارسه كل ليلة، يسيء له كثيراً، وأنني أقسو عليه حتى كدت أقتله أكثر من مرة أثناء حكيي.


لا يعلم مطاوع أنني أراهن عليه هو وحده.


لا يعلم شيئاً عن الهروب.


سأخبره وأخبركم هذه المرة.


عندي حلم جديد، دائماً نقول أن لدينا أحلام قديمة، لكني هذه المرة أحلم حلماً جديداً، لم أكن أتخيل أني سأحلمه يوماً ما.

أحلم بأني أترك ورائي كل شيء، أي شيء، وأهرب.


أكون في طريق عودتي من العمل إلى المنزل، ثم أقرر فجأة أنني تعبت من المسير في هذا الطريق، وأني بحاجة إلى راحة طويلة.


أنام بجوار الرصيف، وأستقل قطار الفجر المتجه إلى الصعيد، وأنزل في بني سويف.


ليست بني سويف عى وجه التحديد، ربما الواسطي، أو مغاغة، أو قوص أو قفط.


أحد تلك المراكز الصغيرة التي لا تشغل بال أحد، التي يصلها الإنترنت بصعوبة، ويعلمون بالكاد أن هناك قناة جديدة على الدش اسمها "الجزيرة".. لا أتهكم هنا على الإطلاق.. إن حاول أحدهم أن يدافع عن قريته ويقول أن قفط أصبحت متحضرة، وأنهم يعرفون "الجزيرة" منذ سنوات، فسأبدي له أسفي على ذلك، فلازلت أتمنى ان أجد مكاناً يحتفظ لنفسه بمسافة بينه وبين العالم.. ولا أدري لماذا أقيس علاقة الناس بالعالم، بمدى علمهم بأمر قناة الجزيرة.


على كل حال، سأنزل في المحطة التي تروقني، سأترك قبل ركوبي القطار كل شيء، حقيبة اللاب توب، وساعتي، ودبلة زواجي، والبطاقة، كما سأتبرع بالعشرة جنيهات القديمة التي أحوشها منذ عام في طيات محفظتي الجلدية.


أركب القطار، وأزوغ من الكمسري، الذي سيمسكني فجأة، وسيصر على تسجيل محضر تهرب لي، لكني سأقفز في أقرب محطة، وتبدأ رحلة هروبي.


أصل هناك عند الظهر.. وأشعر بالجوع، فأقرر البحث عن عمل مناسب، أراني في حلمي أعمل فراناً.. أو إن شئت الدقة، صبي فران.


أقف أمام الفرن، أستقبل الخبز على صدري، يلهبني البخار الساخن، وتصيبني لسعة كل دقيقة.


سيشفق صاحب الفرن على الصبي البدين الذي هو أنا، ويسمح له بالمبيت بجوار الفرن في المساء.


سأكسب 50 جنيه في الأسبوع، وسأشتري بلوفر بني بعد شهرين، وسأعرف الطريق إلى الاستحمام في حمام الجامع الكبير.


لن أهتم كثيراً بمعرفة إن كان هناك من يهتم بالبحث عني بعد هروبي، لم أهتم بممعرفة ماذا فعل هؤلاء بعد اختفائي، سأهتم فقط بالتأكد من أن مكاني الجديد لا يسمح لهم بالوصول إلي أبداًً.


لن أجلس على أي مقهى، حالتي المادية لا تسمح، لكني سأدفع لزملاء الفرن عشرة جنيهات، هي نصيبي في ثمن الشيشة التي سنشتريها مشاركة، لصنع جلسة أنس كل ليلة.


سأخبر الجميع أنني لا أجيد القراءة والكتابة، وسيعرفوني جميعاً باسم "مطاوع".. هو الاسم الذي اخترته لنفسي، والذي عرفت الطريق إليه في الغرفة الضيقة، أسفل سلم منزل كرداسة.


في المرة الأخيرة التي ذهبت إلى المنزل، لاحظت أن الغرفة قد هدمت، وفهمت أن مطاوع عرف طريقه إلى العالم المفتوح، هو الآن مثلي، بدأ يعرف الأشياء المهمة، بالتأكيد أصبح مطاوع يمتلك دشاً يسمح له بمشاهدة الجزيرة.


لن أسمح لمطاوع أن يصبح مثلي، وحتى إن فعل، فسأعود أنا لأؤدى دوره المهم في هذا العالم.


إن كان مطاوع اختار الخروج إلى الدنيا، فسأختار أن الهروب، أصيب نفسي بفقدان ذاكرة دائم، أنسى حياتي السابقة – الحالية. وأنطلق إلى عالم جديد.. يتكون من الفرن، والشيشةن والبلوفر، وحمام المسجد الذي أتحمم فيه كل أسبوع مرة.


لا أعرف إن كان الحلم ينتهي بأني سأعود مرة أخرى إلى الحياة السابقة، أقابل هؤلاء الذين عرفتهم، وأخبرهم بأنني لازلت على قيد الحياة، وأن اختفائي المفاجيء كان مجرد هروب.


دائماً ينقطع الحلم قبل النهاية. دائماً ينقظع على مشهد الوقوف أمام الفرن وقد أصبحت أكبر قليلاً، وأصبحت هذه المرة ألعب دور الفران، ويلعب فتى بدين آخر دور الصبي.

هناك 9 تعليقات:

خمسة فضفضة يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كلنا مثلك يحلم بالهروب الي الحريه ، الهروب من القيود التي نضع انفسنا فيها ، من المسؤليات الجسام التي تجثو فوق صدورنا وتمنعنا من التنفس بحريه

و جميله قصة هذا المطاوع الذي لم يعد مطاوع ، والذي حقق حلما اخيرا في الخروج الي الدنيا الواسعه ، اتمني الا يندم عما قليل ويحلم بالعوده الي غرفته الضيقه اسفل السلم في كرداسه

سلام

أبوشنب يقول...

لا امتلك دشا لاستقبال الفضائيات

لا اشاهد الجزيرة او غيرها

لا احلم بشئ ما فالاحلام رفاهية لمن هو مثلي

فقط احاول ان انهي ايامي

كل على حدة

انه

الهروب الكبيييير

وضـّاح يقول...

كلنا مطاوع

ولكني أظن أن مطاوع .. ربما يعمل صبي اسكافي , ويبيت في غرفة فوق السطوح , ويخرج مساء ليفترش بلاط السطوح ويتلحف بسواد السماء , وينطلق محلقا مع النجوم مستشعرا روعة الحياة ومعنى الحرية .. ويستيقظ على لسعة حر لأن الشمس أصبحت قريبة من وقت الظهيرة

a.aTeYa يقول...

و هكذا تود الرحيل؟؟؟

كنت اعتقد ان "الاحلام" اكبر من ذلك كثيرا .. فصعقنى احدهم بقوله " كرهت الاحلام .. الكوابيس اصدق !! "


احب اقول ان حضرتك اكيد مش عارف اد ايه انا معجب بالمدونه ..

رجل فقد ظله يقول...

أخي العزيز براء....النص يعاني من ضعف في الصياغة اللغوية، وتقسيم الفقرات كان سيئا بحيث قطع الأفكار لوم يعطها وقتا جيدا لإتمام ذاتها.
الفكرة برأيي مصطنعة، وليست موجودة حتى في "قمامة" أفكارك. اصطنعت تعقيد الفكرة، وأحسبك سلكت بابا جديداً أو لعله "فن" جديد يوزاي فنون التعقيد لدى كثير من كتاب الغرب.
لا أدري إن كان ل"الفرن" دلالة تنعكس على الواقع ((قضية الأفران في مصر))، والحقيقة أنني لم أشعر أنك قصدت ذلك!
الأخطاء النحوية أخي براء موجودة، وأعذرك عليها.
تعليقي على مقتطفات من النص:
"حتى كدت أقتله أكثر من مرة أثناء حكيي"
استخدام حكيي غير موفق إطلاقاً، وكان من الأفضل استخدام "حديثي" أو "كلامي" مثلاً، فهو أفضل للصياغة. أعد قراءة الجملة لتجد ما أقول!
سأكتفي بهذا التعليق فقط!
انتقل للموضوع، أعرني يا براء أجد نفسي غير مصدق لما تكتب، وأراني أقول إنك مدع لا أكثر، وإنك حاولت أن تخرج لنا نصّا "متميزاً" يشبه في قماشته نصوص الأدباء الكبار.
ولأنني مقتنع تماما أنني لا اقرأ لبراء عادي بل اقرأ لكاتب مهم جدا، أجد نفسي مشجعاً لك لتطوير نفسك، لكنني لن أقف مجاملا أو مصفقاً كغيري، فأنا أراك متعثراً لكن -وبرغم بدانتك- ستحسن النهوض، فأنت تمتلك با شك أدوت كاتب "عملاق".
فكرة أعجبتني: الاتصال بعلم فاقد للاتصال فكرة جذبتني، ولأوضح: العالم الذي يفقد الاتصال هو ذاك العالم الذي يغيب عامداً أو غير عامد وسيلة كالجزيرة، فكرة جميلة ولن أستفيض بمدحها.
أخي براء تأكد أنني أكتب دائما ما أشعر به، وأتمنى أن لا تشعر بالضيق مما كتبت، وأملي فيك أنك ستسعد لانك تعرف أن مستوى الكلام لا يصل لمستوى التجريح، وإنما هو محاولة متواضعة من قارىء عادي لتقييم نص "عابر" لكاتب غير"عابر" في عالم فقدان الظل.
أخوك
رجل فقد ظله

رجل فقد ظله يقول...

براء أعذرني، هناك كثير من الأخطاء في الكلام الذي كتبت سابقاًـ تصرف بذكاء واقرأ النص كما أردته أنا! أشكرك
رجل فقد ظله

Home Theater يقول...

Hello. This post is likeable, and your blog is very interesting, congratulations :-). I will add in my blogroll =). If possible gives a last there on my blog, it is about the Home Theater, I hope you enjoy. The address is http://home-theater-brasil.blogspot.com. A hug.

توتة توتة يقول...

دا اسمه الهروب الكبير
هو تقريبا كلنا عندنا مطاوع بس بأسماء مختلفة

عمر أفندى و أبووه يقول...

محسسنى انك بالو كيهلو و بيحكيلى عن السيمائى او ساحر الصحراء اللى مرضاش يسميه على مدار الرواية ...و طلع دلوقتى اسمه مطاوع...


يا مطاوع

وحشتنى انتا و احمد اللى قولت عليه لانى حسه احمد زين من غير ما تقول ...بس هو زين اللى ممكن يكون ده رد فعله...