سرياؤوسي يكتب كما يشاء
أين ذهبت الكتابة؟. ومن أين كانت تأتي أصلاً؟.
جرب أن تكون كاتباً. وتتوقف فجأة. أن تفتح صفحة بيضاء جديدة. وتحاول أن تكسر بياضها بسطورك وكلماتك. تفشل. تشعر أنك عاجز. وترى بياض الصفحة يسخر منك. كأنه زوجة شبقة. تطرح سؤالها المنطقي على زوجها في ليلة خميس صيفية.. "مالك يا راجل".
أفتح صفحة أخرى. أكتب. أكاد أنتهي. أتذكر رسالة على الموبايل جائتني منذ شهور. "مثلما يمنعون اللاعب من اللعب بقدم مكسورة خوفاً على صحته، عليهم أن يمنعوا الكاتب من الكتابة بنفس مكسورة خوفاُ على موهبته.. بلال فضل". أمسح ما كتبت. واسأل نفسي عما كسرها. فلا أحصل على إجابة.
أحاول من جديد. يحفزني تعليق على المدونة، أو إتصال تليفوني من صديق يطمئن. عتاب لطيف من زميل عمل. أو إيميل قارئ محترم، ورسالة على الفيس بوك من شخص مجهول. أحاول تحت الضغط. فأكتب من جديد. وأمسح. وأعيد قراءة رسالة بلال فضل. ولا نتيجة.
في الأسبوع الماضي. دخلت مكتبي فتاة ترغب في العمل معدة. سألتها الأسئلة المعتادة. وأجابت كما يقول الكتاب. وأضافت – ضمن حديثها المتصل عن مواهبها المتعددة – أن لها مجموعة قصصية مطبوعة. ورواية وديوان تحت الطبع. وأنها كتبت في عدة مجلات ومجالات. وجدتني أشجعها. وفي محاولة للظهور بشكل أفضل أضفت "أنا كمان كنت بكتب".
الفتاة في الحقيقة أعطتني أكثر مما أستحق. فسألتني. "فين؟". أجبت "عندي مدونة اسمها وأنا مالي". فابتسمت نصف ابتسامة. وقالت "سمعت مرة عنها". كدت أنفجر من الضحك. أعرف هذه الإجابة. حتى إن كنت اخبرتها أن مدونتي تحمل اسم "سرياؤوسي يكتب كما يشاء" لكانت ابتسمت ذات الإبتسامة، وعلقت نفس التعليق.
لم يشغلني ما فعلته الفتاة. بقدر ما توقفت أمام جملتي "أنا كمان كنت بكتب". للمرة الأولى أضبط نفسي متلبساً بالإعتراف. داخلي شيء ما يمنعني إذن. داخلي جزء ينظر للكتابة باعتبارها فعل ماضي انتهى ولا يملك القدرة على الإستمرار.
ثم أن داخلي شيء آخر يمنعني من التحول إلى "سيرياؤسي" قادر على كتابة ما يشاء وقتما شاء. في معتقداتي الداخلية. توجد صورة لشخص يحمل اسم "سيرياؤسي" وهو كائن بشري يملك صفات اسطورية. تتلخص في "القدرة". القدرة على فعل أي شيء في أي وقت بأي شكل والتغلب على أية عواقب أو موانع.
حتى المرة الوحيدة التي ظهر فيها شخص اسمه "سيرياؤسي" في السينما جسد شخصيته الفنان لطفي لبيب. وكان في أحد المشاهد يمشي في الشارع في زي سوبر مان، وهو ما يعني أن لديه بالفعل قدرة "سيرياؤسية" على فعل أشياء ما كان لشخص في سن وجسم وظروف لطفي لبيب أن يفعلها لو لم يكن اسمه "سيرياؤوسي".
ما يمنعني على التحول إلى هذا الـ"سيرياؤس" هو الإقتناع بأن أحدهم سيأتي ويقرأ بعد سنوات. وأن الوسوسة كنز لا يفنى. وأن الكتابة الجيدة. هي تلك التي جاءت بعد "شوقة". وأن الجملة الجميلة. هي التي مسح قبلها عشر جمل ليست على المستوى ذاته من الجمال.
إذن. أين ذهبت الكتابة؟, ومن أين كانت تأتي أصلاً؟.
أفتش الآن عن إجابة. فلا أجد. نسيت كل ما يتعلق بقدرتي السابقة. أقرأ لنفسي الآن فأشعر أن غيري كتب. أستحسن بعض السطور وأكره بعضها. واسأل. كيف كان هذا البني آدم قادر على الكتابة. من أين تأتي كتابته. ماذا الذي كان يفعله ليكتب بغزارة وينشر بثقة. وما هي مشاعره وهو يرى في نفسه قدرة على الإنتاج. إنتاج الأفكار والسطور والكلمات والتدوينات. إنتاج الكلام بشكل عام.
الكلام.. فالكتابة لم تذهب وحدها. الكلام المنطوق أيضاً. هل يمكن تصديق أن هذا البدين الذي إن أمسك طرف الحديث ابتلعه حتى نهايته أصبح كثير التلعثم غير قادر على إكمال جملة أو توصيل معنى. هل يمكن تخيل هذا الشخص عاجز عن الفهم من أول مرة. ومتعثر في قراءة صفحتين ثلاثة لرضوى عاشور أو إبراهيم أصلان. هل يمكن تخيل هذا البدين منحني أمام لاب توب يقرأ باهتمام في مدونة فتاة مصرية عادية تماماً ليس فيها ما يدهش أو يجذب. وهو الذي كان يعتقد – بل ويعلن إعتقاده على الملأ – أن التدوين في مصر ظاهرة ذكورية وأن نصيب البنات في التدوين بسيط لا تدعمه إلا دار الشروق التي اختارت مدونات بناتية فقط لنشرها في سلسلتها المعروفة. هل يمكن تخيل هذا البدين وقد بدأ يعيد النظر في أمر البدانة وكان قد قرر منذ سنوات أن يأخذ البدانة طريقة ومذهب ونظام. حين كان يرى في البدانة جمال وخفة وأيقونة إبداعية جديرة بالإحترام.
هل يمكن تخيل هذا البدين وقد أصبح خيال قابل للتخيل. هل يمكن؟
هل يمكن تخيل كاتب يسأل عن كتابته. ومتكلم يسأل عن كلامه. وقارئ يسأل عما يقرأه.
هل يمكن أن يتجسد العجز في صورة أعجز من ذلك؟.
أنا أعرف الإجابة. لكن شيء ما يقف بين وبين كتابتها. سحابة كثيفة. مياة بيضاء. ارتعاش في الأصابع وعجز عن حفظ أماكن الحروف على لوحة المفاتيح. حالة كاملة من ضياع كل مفاتيح الأبواب المهمة، والأدراج التي تحوي أشياء قد تفسد إن ظلت مخزنة.
إذن. وللمرة الأخيرة. أين ذهبت الكتابة ومن أين كانت تأتي أساساً؟.
لا يشغلني الأمر للدرجة. لست مهتماً بقضية الكتابة للنشر والطبع والتأليف وحفلات التوقيع وتعليقات المدونة والزملاء "السيرياؤسيين". تعلمت في السنوات السابقة الكتابة بالصورة وللصورة ولعلها تطفئ قدراً من نار حيرتي.
لكن ما يشغلني أمر آخر. فحين كانت الكتابة سهلة. متاحة وموجودة. يسيرة متيسرة. كنت أخطط لحياتي بطريقة سهلة. العمل حتى الثلاثين. تحقيق قدر من النجاح والتحقق. ثم الكتابة والكتابة والكتابة. التفرغ لها وفيها وبها.
يبدو الجزء الأول من الخطة قابل للتحقق. العمل على ما يرام. ولازلت في الرابعة والعشرين. تبقى سنوات ستة إذن – إن عشنا وكان لينا عمر – ويبدأ الجزء الثاني. إن ضاعت الكتابة. فما الذي يمكن أن أفعله بعد الثلاثين؟.
السؤال صعب ومر. لا أحتمل عناء التفكير في إجابة له. الأفضل أن أعيد طرح الأسئلة الأسهل. أين ذهبت الكتابة. ومن أين كانت تأتي؟. وأين يمكن الحصول على إجابة؟
..

