الأحد، أغسطس 07، 2011

اسمع بقى يا سيدي

عندما يبدأ النهار بخبر وفاة حسن الأسمر. فإن الأمر أعمق من كونه مجرد مصادفة.

حين يكون إعلان حسن الأسمر هو آخر ما أشاهده قبل نومي، وحين تفلت مني ابتسامة، وأفكر دقيقة في الشخص الذي فكر في إحضار الأسمر من المكان الذي كان يختفي به، لجعله يروج لشركة اتصالات. حين يحدث هذا، فإن الأمر عميق.

الأمر عميق، لذا، سيكون من السخيف أن نقول المعتاد : "أوه يا حسن، لقد رحلت فجأة، وفي نفس الوقت الذي صنعت فيه إعلاناً مدهشاً".. هذه سخافة بالتأكيد. لا علاقة لرحيل حسن بالإعلان. أي شخص يموت هذه الأيام يخرج أحدهم ليقول أن توقيت الوفاة يحمل مصادفة ما، وهذه سخافة حقيقية. كل التوقيتات تحمل مصادفات. ما الداعي إذن لاستخدام الفلسفة في غير موضعها.

الأشياء تحدث لأنها تحدث. وحسن الأسمر مات لأن قلبه توقف. علينا أن نفكر بشكل أعمق. ما الذي تركه الأسمر فينا.. الأسمر نفسه، بما فعله في حياته. وليس فقط بتوقيت وفاته الذي جاء للمصادفة وهو يظهر على الشاشة من جديد.

كنوع من أنواع الوفاء، للأسمر حسن. سأعيش مع موسيقاه ساعة، وسأتذكره لوقت طويل وهو يلهو بدراجة هوائية في "أرابيسك". وسأعتبر حقاً أن "اسمع بقى يا سيدي".. هي البداية الحقيقة للعذاب..

الاثنين، يوليو 11، 2011

الجلسة الثالثة : نصف كيلو لبن.

في الصالة الضيقة، جلس الأستاذ عبد الحميد يشرح لطفلته الصغيرة سلمى مسألة مهمة، لماذا يأكل النمل السكر؟

وجهت سلمى هذا السؤال إلى والدها، مؤمنة أنها ستجد لديه الإجابة دون شك، وكيف لا، وقد اعتادت على إيجاد أجوبة نهائية وواضحة على كل سؤال تسأله في حضرة أبيها مدرس الجغرافيا الأستاذ عبد الحميد الرحيمي.

في المطبخ المجاور للصالة، والضيق أيضاً بطبيعة الحال، فشقة صالتها ضيقة لن تكون أبداً ذات مطبخ متسع. كانت السيدة حنان، زوجة الأستاذ عبد الحميد، مدرسة اللغة الأنجليزية، تقطع ما تبقى من أصابع الموز، داخل طبق نصف دائري كبير، ممتلي بقطع صغيرة من الفاكهة تعوم وسط مياة مذاب بها السكر، فيما تسميه باسم سلطة الفواكه، وهي تتركه في الثلاجة بعض الوقت، ثم تخرج الطبق الكبير وتعيد توزيع السلطة داخل أطباق صغيرة، حافظة لكل فرد في الأسرة "منابه"، وهذه كلمة تدل بطريقة أو بأخرى على القدر الذي يستحقه كل فرد من طبق سلطة الفواكه.

الساعة تقترب من التاسعة، والأنباء التي ينقلها الراديو في المطبخ، والتليفزيون في الصالة، وشباك الجيران من المنور، كلها تقول أن البلد ليست على ما يرام. إذن، يمكن أن تصبر سلمى قليلاً على أجابة سؤالها، خاصة وأنه فيما يبدو، فإن بقاء والدها في المنزل دون عمل سيستمر بضعة أيام..

بميكانيكة معتادة، وضعت السيدة حنان ورقة مستطيلة بجوار التليفزيون، وأخبرت زوجها، أنها طلبات مهمة، يجب احضارها من البقالة القريبة، أو الذهاب إلى السوبر ماركت في الحي المجاور، ذلك أن البقا ء في المنزل يستلزم وجود احتياطي من الغذاء يكفي لكل فرد في الأسرة منابه.

سحب الأستاذ عبد الحميد الورقة، ثم نزل. لم يجد أهمية لارتداء قميصه وبنطاله، اكتفى بالجلابية الواسعة، والشبشب البلاستيكي.

أمام ثلاجة زجاجية باردة، ممتلئة بأصناف مختلفة من الجبن، قال الأستاذ عبد الحميد طلبات زوجته، زجاجة زيت عباد شمس، وكيلو كامل من الجبن الأبيض ملح خفيف، وأربعة أكياس من العيش البلدي المغلف، وكيلو ونصف من اللبن كل نصف وحده في كيس منفصل.

لم يعرف الأستاذ عبد الحميد أبداً الحكمة في تقسيم اللبن إلى أكياس متساوية، ولم يكن يرغب في معرفة السبب. في النهاية هذا أمر يخص زوجته ويريحها. وغالباً، فإن ابنته سلمى لن تسأله يوماً عن أمر كهذا، وإن سألته، فسيكتفي بالقول : اسألي ماما.

عندما عاد الأستاذ عبد الحميد إلى المنزل، كان شكله قد تغير بعض الشيء. جلبابه متسخ، وعليه بقع بيضاء. ورأسه متورم قليلاً، وهناك ثقب صغير يتوسط جبهته، بالتحديد في مكان زبيبة الصلاة التي تمنى يوماً أن يمتلكها.

كانت إحدى فردتي شبشبه مفقودة، ويمكن أن نفهم، إن الرصاصة التي اخترقت جبهته، جعلته يسقط على الأرض، ما جعل أكياس اللبن تنفجر كانفجار رأسه تماماً.

ليست كل أكياس اللبن، كيسان فقط، كيلو واحد، ليختلط الدم باللبن، في مزج غير مريح بين لوني الأحمر والأبيض، وهي ألوان متنافرة، لا نراها إلا على علم مصر بصحبة النسر، واللون الأسود الذي سترتديه الأستاذة حنان وباقي أسرتها حداداً على مقتل زوجها في الشارع الخلفي دون سبب واضح.

الشاشة تقول، أن الفوضى تعم البلاد، وأن السجون باتت مفتوحة، وأن البلطجية في كل مكان، والشباب الذين أحضروا لها جثة زوجها إلى المنزل، يقولون أن زوجها كان بطل لمظاهرة ضخمة خرجت من الحي المجاور، وأن حمله لطلبات المنزل، لم يمنعه من الهتاف "يسقط يسقط.. أرحل أرحل". حتى اصطاده القناصة حين ظنوا أنه قائد المسيرة.

السيدة حنان، لا تصدق أن زوجها مشى يوماً في مظاهرة، ولا أن للبلطجية مصلحة في قتله.

بعد صدور تصريح دفن الجثة، وبعد انتهاء الجنازة السريعة، عادت السيدة حنان إلى منزلها وجلست وحيدة في صالتها الضيقة. كان أطفالها متفرقين في بيوت الأقارب.

نظرت إلى المكان الذي اعتاد الأستاذ عبد الحميد الرحيمي الجلوس فيه، فوجدت كيس أبيض صغير. عليه من الخارج بعض النقط الحمراء، تذكرت على الفور أنه دخل منزلها مع جثة زوجها.

صف كيلو لبن ملوث بالدماء. هذا ما تبقى من الطلبات التي كتبتها في ورقة مستطيلة وطلبت من زوجها النزول لشراءها.

في جلستها الصامتة، سألت السيدة حنان نفسها، عما يجب أن تفعله بكيس اللبن الملوث بدماء زوجها. لسبب أو لآخر تظن أن له قيمة أكبر من قيمة أي كيس لبن آخر.

اللبن لبن كأي لبن، لكن الدم دم الأستاذ عبد الحميد الرحيمي الذي لا يقدره في هذا العالم أكثر من تلامذته إلا زوجته، ثم ابنته سلمى التي لم تعلم بعد السبب في أن النمل يأكل السكر.

فكرت السيدة حنان، أن اختيارتها محدودة، من الممكن رمي الكيس وتناسي الموضوع وكأنه لم يكن، فما أهمية نصف كيلو لبن وزوجها مات.

من الممكن أيضاً فتح الكيس وشرب اللبن، لكن، هل تفارق رائحة الدم الكيس؟. ثم أليست هذه قسوة نادرة، أن تشرب الزوجة اللبن الذي مات زوجها وهو يحاول إحضاره إلى منزلها.

من الممكن إعطاء الأمر بعداً أعمق. ستشرب السيدة حنان اللبن فقط في اليوم الذي يدخل قاتل زوجها السجن، أياً كان اسم القاتل، أو صفته أو وظيفته.

هذا تحدي، من ناحية، لن تتمكن السيدة حنان من شرب اللبن حامضاً أو منتهي الصلاحية، ومن ناحية أخرى، تعلم، كربة منزل محترفة، أن أقصى مدة يمكن الاحتفاظ خلالها بكيس لبن ملوث بالدم، هي عشرة أيام في أفضل الأحوال.. فالدم، لا يحفظ اللبن على أي حال.

ما الذي يمكن تقديمه للسيدة حنان حتى تتمكن من التصرف حيال نصف كيلو لبن ملوث بدم زوجها؟.

الجلسة الثانية : عزت والكشاف

من أين حصل عزت على الكشاف؟

كشاف كهربائي أصفر اللون، غريب بعض الشيء، لا يعمل بالبطارية، لا يعمل بالكهرباء. ذلك أنهم في وطن الكشاف الأصلي، هناك في الصين، اخترعوا طريقة تجعل الكشاف يعمل بالشحن اليدوي.

يوجد في جانب الكشاف مكان يمكن الضغط عليه بشكل مستمر لشحن البطارية الداخلية بالطاقة، وجعل الكشاف قادراً على الإنارة.

ما الذي يجعل عزت يحتفظ بكشاف كهذا؟، هل اشتراه من راديوشاك مثلاً، بالطبع لا، لأن عزت لا يعلم ما هي ضرورة وجود محل مثل راديوشاك في الحياة، لم يدخله إلا مرة واحدة، وفشل في فهم طبيعة المحل، وغادره بعد أن لاحظ أن أسعاره غالية بشكل غير مبرر.

ثم أنه من الصعب تخيل عزت يدخل خصيصاً إلى محل لشراء كشاف.
هل حصل عليه – إذن – كهدية من صديق؟.
وهل يمكن أن يعطي أحدهم لصديقه هدية عبارة عن كشاف أصفر يعمل بالشحن. ثم أن عزت يعيش دون أصدقاء.

هل سرقه عزت من أحدهم؟
يمكن تخيل شخص مثل عزت يسرق فعلاً، هو لا يعتبر السرقة فعلاً مشينا بالكامل، عادي يعني. من الممكن سرقة إحدهم إذا كان هذا ضرورياً. لكن، ليس من المفيد أن نسرق كشافاً.

كيف إذن؟
ما حدث، هو أن عزت كان يجلس على مقهى اسمها "الفرافيش"، وهي تقع بجوار ممر البورصة الممتلئ عن آخره بالمقاهي.

وقف أمام عزت شاب لطيف، طلب منه أن يأخذ من وقته دقيقة، وكان يحمل في يديه مجموعة من الأشياء الصغيرة وبعضها يضيء وينطفئ بانتظام.

أخبره عزت أن أياً ما كانت السلع التي يبيعها فهو لن يشتري منه شيئاً. أخبره بذلك بلطف وصدق وهدوء وأدب.

فقرر البائع الشاب أن يرفع الحرج عن الزبون الذي لم يعد زبوناً، بعد أن رفض فكرة الشراء من أساسها. قال : "على فكرة يا باشا.. القهوة دي بتاعة الشواذ". ثم هم بالإنصراف.

كان عزت على استعداد لقبول أي شيء على نفسه. إلا فكرة الجلوس على مقهى يجلس عليه الشواذ، والسبب بسيط، عزت يخاف من كل ما يمكن أن يكون غير طبيعياً. الشواذ، الأقزام، والغرباء بشكل عام.

فكر عزت أن عليه أن يشتري أي شيء من البائع الشاب اللطيف. كان يحمل ماكينة حلاقة كهربائية، وعزت يحلق بانتظام عند الحلاق، ثم مضرب بلاستيكي أحمر يضيء بلون أزرق، فهم بعد ذلك أنه صاعق للناموس، لكن عزت يعيش في منطقة لا ناموس فيها.

ثم كشاف أصفر يعمل بطريقة مبتكرة، قرر شراءه، بعد أن أخبره الشاب أن سعره في المحلات عشرة جنيهات، لكنه سيبيعه له بخمسة، وسيعطيه معه طقم مفكات صغير هدية.

اكتشف عزت أنه لم يستخدم المفك أبداً في حياته، لكنه لم يجد حرجاً في أن يمتلك طقماً للمفكات، قد يستخدمه يوماً لسبب أو لآخر.

في غرفته بالمنزل، فتح عزت الدرج الأخير في مكتبه، ووضع الكشاف بجوار طقم المفكات، وكلاهما بجوار علبة الهاتف المحمول الذي اشتراه عزت قبل عامين ولا زال يحتفظ بالعلبة، عسى أن يحتاجها إذا قرر بيعه يوماً.

أغلق عزت الدرج بهدوء واطمئنان، عادة لا تمتد يد عزت لفتح هذا الدرج لأي سبب. وعند فتحه، فالسبب الوحيد هو الإحتفاظ بشيء لا يحتاجه عزت أبداً.

بعد هذا بعامين، ستمتد يد عزت لفتح الدرج، وإخراج الكشاف.

سيبتسم حين يكتشف أن الكشاف لديه قدرة على العمل بعد كل هذا الوقت، سيأخذه وينزل. وسيستخدمه لمدة يومين، في تفتيش السيارات المارة أسفل العمارة التي يسكنها، وذلك كجزء من نشاط سيعرف بعد ذلك باسم اللجنة الشعبية.

الآن، تمتد يد نسائية للدرج يومياً، تفتحه، تخرج الكشاف، وتتأكد من قدرته على العمل، ثم تعيده إلى مكانه وتغلق مرة جديدة.

لدى صاحبة اليد - وهي أم عزت في الغالب – سؤالين، من أين حصل عزت على الكشاف؟، وإلى أين ذهب عزت؟.

الجلسة الأولى : غسيل

(1)

الشارع ضيق، في نهايته محل بقالة متوسط الحجم، اختار صاحبه أن يكتب اسمه أعلى البوابة بأضواء النيون، بعد أسبوع، لاحظ أن النيون الأبيض مزعج، فطلب من ابنه احضار سلم وقام بدهان خطوط النيون بطلاء أخضر.. عندما تجد نفسك في بداية الشارع من الناحية الأخرى، ستلاحظ أن الضوء الأخضر يملأ نهايته..

في الشارع الواسع الموازي، يوجد محل أدوات صحية جديد، افتتاحه الليلة، وقد اختار صاحبه أن يكتب اسمه أعلى البوابة باستخدام لافتة بلاستيكية ملونة، تصنع بالكومبيوتر، وتضاء بالنيون الأبيض من الخلف.

أمام المحل توجد كراسي حمراء من النوع المستخدم في الأفراح ومجالس العزاء، كما توجد سماعات سوداء ضخمة ينطلق منها صوت مقرئ كويتي معروف يتلو سورة يوسف، وتوجد ماكينة فيها ضوء ليزر أبيض، موجه إلى السماء، وتتحرك بانسيابية، نهاية خط ضوء الليزر تحتك بنعومة مع السحب الكثيفة بأعلى.. فتصنع شكلاً جمالياً لا يلحظه أحد.

إذا كنت تقف أمام منشر الغسيل في الشارع الضيق، فسوف تشعر بالضوء الأخضر من يمينك، وإذا رفعت رأسك قليلاً سترى أضواء الليزر، لكن، ما الذي يمكن أن تراه على منشر الغسيل نفسه؟.

توجد خمسة حبال، كلها مشغولة بأصناف مختلفة من الغسيل، من مظهر الشباك، خلف المنشر، ستفهم أنها ليست شقة جديدة. وبقدرة بسيطة على الملاحظة، ستتمكن من معرفة عدد الذين يعيشون خلف الشباك.

في الحبل الأول، من جهة الشباك، توجد أعداد كبيرة من الملابس الداخلية، بيضاء وملونة، وبمقاسات متعددة. يشعر المصريون بقدر من الحرج تجاه مسألة نشر الملابس الداخلية في الحبل الأخير من ناحية الشارع، يتم سترها عادة في الحبل الأول. بحيث لا يتمكن المار من رؤية شيء، إلا الملابس العادية، التي لا يشكل عرضها أي حرج أو خجل.
هذه مقدمة طويلة، لما يمكن أن نحكيه بخصوص الحبل الأول.

(2)
أقصى اليمين، ترى جوربين، تم نشرهما بواسطة مشبك خشبي واحد. ستشعر أن الجوربين هما آخر ما تم نشره، الحبال مزدحمة بحيث تم حشر الجوربين في النهاية، فقط لأنه من الأفضل أن نقوم بنشر كل شيء، فدورة الغسيل والنشر داخل المنزل لا تتوقف، لا يوجد داعي لتوقفها، ولا توجد فرصة.

"أسماء" هي صاحبة الجوربين، تمكنت أخيراً من الهتاف بـ"الشعب يريد إسقاط النظام". بعد أن سمعت الجملة تتكرر كثيراً في التليفزيون. يمكن أن نفهم أن أسماء تملك أربعة سنوات فقط في هذا العالم.. طفلة صغيرة في بيت ممتلئ بالكبار، لم يخبرها أحد أن مجيئها لهذا العالم كان غلطة في ليلة صيفية جميلة.. فالأب والأم، يمارسان الجنس في الأساس لإنجاب الأطفال، وبالتالي، ليس من المفيد إخبار الطفلة بكذبة سخيفة كتلك.

بجوار الجورب، توجد جيبة قماشية سوداء، طويلة، رفيعة، مثلثة. تصبح أجمل عند رؤية "نهى" داخلها.. نسيت نهى هذه المرة أن تفتش جيوب جيبتها قبل وضعها في السبت البلاستيكي الأزرق المخصص للغسيل. لك أن تعلم أن داخل جيب صغير في جانب الجيبة، ترقد شريحة صغيرة تستخدم لتشغيل الهاتف المحمول، ما الذي دفع نهى لنسيان شريحتها داخل جيبتها، بل، كيف انتقلت الشريحة من داخل الهاتف إلى داخل الجيب؟.

الحكاية، أنه في عصر يوم جمعة، كانت نهى في زيارة إلى شارع محمود بسيوني بوسط البلد، بالتحديد في الشقة رقم 5 في العمارة الرابعة من جهة اليسار، قابلت هناك سعاد، التي تعمل خياطة، وتؤجر فساتين محتشمة تصلح لحضور حفلات الخطوبة والزفاف.

ولأن نهى نحيفة بشكل مثالي، وهي صفة أصبحت نادرة في بنات بلدها، فقد استلزم الأمر القيام يتضييق الفستان المطلوب، بحيث يلاءم جسدها، ولا يلحظ أحد أنه مؤجر.. من العيب أن تقوم فتاة مثل نهي بارتداء فستان تم تأجيره في خطوبة أخوها الوحيد.. أحمد.

وأحمد يرتدي الجينز الأزرق المجاور لجيبتها على الحبل، هو ليس أزرق بشكل كامل، يحمل صفة الـ"بلو بلاك" أي أنه في المسافة الوسط بين الأزرق الغامق والأسود الغامق بطبيعة الحال، وهو لون انتشر بين بنطلونات الشباب في السنوات العشر الأخيرة.

هذه هي المرة الثالثة التي تقوم فيها أم نهى بغسل بنطلون ابنها أحمد، دون أن تفارقه رائحة الغاز. يختار أحمد عادة عدم الدخول في نقاشات مع أمه بخصوص فلسفتها في الغسيل. هو يعتقد أن أمه لديها قدرة مستمرة على إفساد ملابسه الشبابية، بغسلها بماء ساخن، أو وضع ألوان غامقة مع ملابس بيضاء.. بعد خلاف امتد لسنوات قرر أن يستسلم، هو مقتنع بأن عدد الأبناء الذين نجحوا في تغيير سلوكيات أمهاتهم قليل للغاية، وهو على كل حال، ليس منهم.

يستسلم أحمد لأمه أيضاً في الصباحات التي توقظه فيها مبكراً لسبب وحيد، أن يخلع ما يلبسه وهو نائم لتتمكن من غسله ضمن دورة الغسيل الصباحية. حاول مرات كثيرة أن يعترض، دون جدوى.

على كل حال، سيغادر أحمد هذه الشقة بعد عدة أشهر، فقد بدأت رحلة زواجه بخطوبة ستحدث بعد أسبوع.

خطوبة، اختارت نهى أن تحضرها بفستان مؤجر من عند السيدة سعاد، وبينما كانت تعدل من مقاس الفستان، امتد الكلام بينها وبين زبونة أخرى، حول البلد والأحوال، مر الوقت بحيث تأكدت نهى أن أمها مصابة بقلق هستيري الآن، أخرجت هاتفها المحمول، حاولت الإتصال فلاحظت أن الهاتف غير قادر على اتمام المكالمة، حاولت مرة جديدة، دون نتيجة. بعد قليل فهم الجميع أن الهواتف كلها معطلة. كحل بديل أخرجت نهى شريحة كانت تحتفظ بها بعد أن أخذتها هدية عند شراء هاتفها الجديد، الشريحة الجديدة لا تعمل أيضاً، والشريحة الأولى مستقرة في جيب الجيبة السوداء.

(3)
أم نهى ترتدي عادة في المنزل هذه الجلابية الزرقاء المجاورة لبنطلون ابنها أحمد على الحبل. السؤال الوحيد الذي يمكن أن تسأله عن أم نهى هو : لماذا لا تتم منادتها بأم أحمد؟. رغم أنه ابنها الأكبر، وما هو اسمها الأصلي؟، وماذا كانت كنيتها في الوقت الفاصل بين ولادة أحمد، ثم ولادة نهى بعد ذلك بخمسة أعوام؟. الإجابة : لا توجد إجابة.

قد يفسر الأمر الحاج أمين، الذي ذهب إلى المقهى اليوم بالقميص البني، فالقميص اللبني منشور هو الآخر بجوار جلابية زوجته.

توجد مقولتين تلخص حياة الحاج أمين، الأولى أن "مفيش حاجة هتحصل"، والثانية، مطلع أغنية شهيرة لأم كلثوم، اللي شوفته قبل ما تشوفك عنيا، عمر رايح، يحسبوه إزاي عليا.

الجملة الأولى هي شعاره الحقيقي في الحياة، يعتقد الذين يعرفون الحاج أمين، أنه لم ينظر خلفه يوماً قط، لم ينظر خلفه بالمعنى الحرفي، عادة تراه يجلس على المقهى وعيونه مصوبة أمامه بشكل مستقيم، فالحاج يؤمن، أن لا شيء خلفه يستحق.

هو ليس حاجاً أصلاً، مظهره يجعلك فقط تهبه لقب الحاج من باب الاحترام، أو الدعوة له بأن يصير كذلك يوماً، رغم أنه هو نفسه، لم يخطط يوماً للحج أو العمرة. مضى الرجل حياته غير مهتماً بها، فهل من المنطقي أن يهتم لأمر يخص ما سوف يحدث بعد وفاته؟.

أما الجملة الثانية، فهي التي تعمل داخل عقله بلا توقف، وهو يعتقد أنه يغنيها لكل عيل من عياله، أحمد، نهى، أسماء، بترتيب حضورهم إلى العالم، وبترتيب ملابسهم المنشورة على حبل الغسيل.

بدقة، يجر الحاج أمين خطاً بين مرحلة وأخرى في حياته، عندما انتهت دراسته الجامعية، لم يخرج منها بحب أو صداقة أو انتماء سياسي يمكن أن يكمل به الحياة خارج أسوار الجامعة. وكانت أهدافه في حياته العملية واضحة، أن يعمل حتى يحصل على أجر، وأن ينال معاشاً معقولاً حين يتقاعد. وعندما لاحظ أنه أصبح أباً لثلاثة عيال تزوج أمهم في الوقت الذي كان عليه أن يتزوج فيه، قرر أن تكون حياته كلها لهم. مؤمناً بشعاره الأساسي : مفيش حاجة هتحصل. وهو يقرأ الجرائد بانتظام، ويجلس على المقهى يتابع ما يتم بثه على الشاشة، فقط ليتأكد أن شيئاً لن يحدث فعلاً.

(4)
بجوار قميص الحاج أمين، يوجد جاكيت أسود، قماشه ثقيل، هذه هي المرة الأولى له على هذا الحبل. القميص أتى به أحمد، في ليلة باردة، وصل فيها إلى شارعهم الضيق في حلوان منهكاً تملأه رائحة الغاز والخل.

الجاكيت يخص ضابط أمن مركزي، مجهول الاسم، قرر خلع ملابسه الرسمية فور انسحاب الشرطة من الميدان، وكان صديق أحمد يراقبه، بحيث لملم الملابس الملكية ووضعها في كيس بلاستيكي على سبيل الاحتياط، وعندما اشتكى أحمد ليلاً من برودة الجو، كان على الجاكيت أن يبارح الكيس، ويستقر فوق كتفي أحمد، الذي نزع على الفور النجوم الصفراء أعلى الكتفين، وللمصادفة، كان مقاس الجاكيت ملائماً تماماً.

أم نهى لا تعرف كل هذا، جاكيت أسود متسخ داخل المنزل، يجب أن يدخل فوراً إلى دورة الغسيل، بغض النظر عن المكان الذي أتى منه.

لأن الشارع فارغ تماماً، ولأن الوقت سرقنا ونحن نحكي هذه القصة، فإن يداً ستمتد بهدوء، تقطع الحبل من اليمين واليسار، وتحمله هو وما عليه من ملابس، إلى المجهول.

في الصباح، ستعتقد أم نهى أن الفاعل حرامي يسكن شارعهم، وستعتقد أن الحل هو مراقبة الجيران بهدوء ورؤية ملابسهم، عسى أن تظهر القطع المسروقة يوماً، وستقول نهى أنه سجين هارب يبحث عن أية ملابس ليتخلص من زي السجن الأزرق. سيقول أحمد أنه من فلول النظام، فيما سيستمر الحاج أمين في قراءة الصحف، عله يجد خبراً يعرف من خلاله الجاني.

أسماء، صارت مقتنعة أن كافة الأشياء الشريرة التي تحدث في هذا العالم بسبب رجل عجوز اسمه مبارك، لكنها لا زالت غير قادرة على فهم كيفية وقوع سرقة كبيرة بهذا الحجم، أخذت كمية ضخمة من ملابس الأسرة، رغم أن النظام، سقط بالفعل؟!. على كل حال أسماء تردد.. إيد واحدة.

حلقة تجريبية من مسلسل : ثورة مضاعفة
من أعمال ورشة قطع أول

الرسالة الأولى : إلى إياد صالح، بخصوص نكتة يسرا

أما بعد، أما قبل، أما أما..
في القاعة التي لم تكن واسعة بما يكفي، ولا ضيقة، كنا أنت وأنا، ومعنا ستة، نشاهد الفيلم الذي كان علينا أن نشاهده حتى لا نعتقد يوماً أن شيئاً مهماً قد فاتنا..

في الربع الأول من الفيلم، فتحت أنت حقيبتك وأخرجت جهازك، وانهمكت في العمل، كان عليك أن تفعل ذلك، لم تكن هناك قيمة مضافة لمشاهدة ما يحدث على الشاشة..

في الربع الأخير من الفيلم، وبينما انتهيت أنا من فعل كل الأمور المسلية التي يمكن فعلها خلال مشاهدة فيلم ممل، فكرت أن علي أن أكتب لك رسالة، بخصوص الأشياء التي بدأت تحدث مؤخراً، دون أن نفهمها..
ما الذي يحدث يا إياد؟، لماذا يفعلون ذلك بنا؟.. نحن لم نخطئ، ذهبنا إلى هناك بحسن نية.. ما الداعي إذن لفعل ذلك بنا..

تقول أنه ليس علينا أن نفهم كل شيء، هذا مستحيل أساساً، يجب أن تبقى بعض الأشياء غير مفهومة لأن هذا يعطينا أمل في الحياة، ولذة في اكتشاف أمور جديدة.. أنا موافق تماماً. لكن في المقابل، لو استمر الحال هكذا، فمن الممكن أن ينتهي المطاف بنا – أنا وأنت – وقد اتجهنا لحضور ورشة عمل مع المخرج الشاب الجميل، الذي نحبه، (تعلم بالطبع أني أكذب) ليعلمنا أن السينما فن لطيف، وأن علينا أن نكتب أفلاماً وألا نيأس، لأنه هو نفسه كتب أفلاماً كثيرة ثم ألقاها في المرحاض.. المشكلة، أننا لازلنا نعتقد أن حتى فيلمه الوحيد الذي خرج به علينا يستحق أن نلقيه في المرحاض.. هل سنخبره بهذا وقتها، أم سنسأله أسئلة صعبة، من نوعية : أخبرنا كيف استطعت أن تنتج سينما نظيفة لا تظهر فيها سيقان مزة هنا أو هناك..

أوه يا إياد، سأخبرك مرة أخرى أن علينا أن نصنع أفلاماً ثم سأضيف كلمة : بقى.. بمعنى أن علينا أن نصنع أفلاماً لمواجهة الملل.. أنت وأنا والذين يجلسون حولنا على المقهى يعلمون أن السينما غير مهمة فعلاً.. المهم، هو التظاهر بأنك تهتم للسينما، وأن لديك شيء تقوله.. المهم النفس.. والنفس الحلو يحتاج إلى كلام فيه قليل من الموسيقى والحزن والأمل، والكلام عن السينما جميل، إذن، وبينما يذهب عم مجدي لإحضار حجر جديد، علينا أن نتحدث عن السينما، حتى يأتي أحدهم ويغير الموضوع.

لا شيء يهم يا إيدو لا شيء يهم.. ستمر الأيام، وسنفعل في السنوات القادمة أشياء جميلة. وسنجلس من آن لآخر على المقهى نسأل، متى شعر رجل الشطرنج أن السنوات مرت سريعاً؟ قبل أن يركب الباخرة؟، بعد أن وصل؟، أم حين كان يلعب الشطرنج على الرصيف مع الرجل الذي سنفهم في النهاية أنه لم يكن موجوداً أصلاً..

ستسامحني على الفقرة السابقة، أنا الآن أفشي سر خطير.. لكني أعلم مسبقاً أنك ستسامحني.. لهذا أحبك يا إيدو.. لأنك لا تحملني أكثر مما ينبغي..

أنت تفهم في الأصول، لا تحاول أن تفسرني، ولا أنا أحاول أن أفسرك.. ربما من فترة إلى أخرى نجلس قليلاً نتحدث عن أنفسنا.. نضحك على الصورة التي يرانا عليها الآخرون، نجتهد في وصف العلاقات المعقدة التي تجمع بين زملاؤنا.. ونشتكي – بكذب واضح – من هموم الحياة، ثم نعلن قبل رحيلنا أن كل شيء سيصبح جميلاً، وأن الأشياء كلها لا تستحق أن نخسر صحتنا.. وأن الأصدقاء المشتركين لديهم ما يجعلهم يبدون كرجال نزلوا لتوهم على الكوكب، ويشاهدون أفلام الأبيض وأسود بمنتهى الإنبهار..

الإتفاقية المشتركة هي الحل، كانت فكرة لامعة فعلاً. لا أدري من أين أتيت بها.. أصبحت أستخدم الاتفاقية يومياً. شيء مذهل أن يصبح لديك صديق حقيقي تعقد معه اتفاقية كالتي بيننا.. ثم تطبق شروطها بنفس راضية.. لم أكن أتخيل حجم الراحة النفسية التي أشعر بها في كل مرة أنفذ فيها اتفاقيتنا.. خاصة وأن ضميري مرتاح، أنك هناك، فيما وراء البحار، تطبق الجزء الخاص بك بمنتهى الرضا.. صديقي أنت يا إيدو.. صديقي صديقي يعني.. لا هزار..

عموماً، كنت أريد أن أقول أن الفيلم كان يستحق أن تفتح جهازك وتعمل داخل القاعة.. ولأن هذه الرسالة ستنشر على الإنترنت، وسيقرأها أناس غيري وغيرك.. علينا أن نعطيهم شيء يفرحوا به، وبالمرة يمكن أن ينسيهم الموضوع الأصلي فلا يزعجونا بأسئلة عن الاتفاقية وعن الشطرنج وعن عم مجدي.. نحن نهتم للجمهور في البداية والنهاية، الفن فن، لكن الجمهور جمهور أيضاً.. أفكر أن أكتب لهم ما جعلني أؤمن أن وجودك في حياتي ليس حدثاً مستقبلياً، وأنك لم تكن صديقاً عابراً.. وأن صداقتنا جزء أصيلة من خرسانة المجرة الفضائية التي سنزورها يوماً.. إنها نكتة يسرا

حيث تقول الحكاية، أن الفنانة المشهورة كانت تركب طائرة، وبينما تطير في السماء، سقطت فجأة في البحر.. غرق كل الركاب، عدا يسرا، وراكب آخر.. فبعد وقت طويل من مقاومة الغرق، انتهى بهما الحال على جزيرة مهجورة.
في اليوم الأول، ابتسم لها، وفي اليوم الثاني اصطاد خروفاً وجعلها تأكله. في اليوم الثالث تحدثا كثيراً، وفي اليوم الرابع حدث ما كان يجب أن يحدث منذ اليوم الأول عندما تجد نفسك على جزيرة مهجورة ولن يأتي أحد لإنقاذك أنت أو يسرا..
بعد فترة، شهر ربما، وبعد أن شعر الراكب المحظوظ بقدر كبير من الملل.. طلب منها أن تحلق شعرها كله.. وقد فعلت، ثم طلب منها أن تجلب بعض القش من الأرض وتصنع منه لحية كثيفة.. ثم أخذها من يدها وجلسا على الشاطئ.. تأمل البحر قليلاً ثم قال : أما يا براء يسرا دي طلعت حكاية، شهر معاها في الجزيرة لوحدنا.. ياه.. حصل بينا العجب..

وقد أخبرتني يا إياد، أن حكمة هذه القصة، أن الخطيئة بحاجة دائماً لصديق مخلص تخبره عنها.. وقد كانت هذه رسالتي الأولى.. ومن الممكن أن نؤجل الحديث عن الخطايا للرسائل القادمة..

الكلاب أولاً

توجد لوحة إعلانية ضخمة للغاية، تطل على المحور، بالتحديد عند نهايته وقبل دخولك مباشرة إلى ميدان لبنان..
اللوحة بيضاء، لكن كلب أسود ضخم يحتل مساحة لا بأس بها داخلها..

بجوار الكلب، وبخط إنجليزي رديء، مكتوب
The Art of Training
وبخط أقل رداءة وبحجم أصغر، يوجد رقم تليفون في الأسفل، بالتحديد أسفل أقدام الكلب الأسود الضخم..

كما هو مفهوم، فالأمر يتعلق بتدريب الكلاب، ليس فقط القيام بتدريبهم على أمور جميلة ولطيفة ومفيدة، بل أيضاً، فعل هذا بفن.. وهو ما تعنيه حرفياً كلمة آرت. وهذا دون شك، أمر جميل.

فكرت، بينما أقود سيارتي، أن أطلب الرقم المكتوب أسفل الإعلان، وأخبره أن "الفقراء أولاً يا ولاد الكلب"، راجعت نفسي حين لاحظت، أن صاحب الإعلان يقول رسالته بوضوح، حيث يعتقد أن "الكلاب أولاً يا ولاد الفقراء".

عندما وصلت إلى ميدان لبنان، كان أمر اللوحة لا يزال يشغلني، بالصدفة كانت ياسمين حمدان تغني في الراديو.. تخصص الإذاعة ساعة يومياً للأغاني الغريبة والمريبة، مثل ياسمين ومشروع ليلى وزياد رحباني..

"لازم فرحان مبسوط بزحمة الستات عليك". هذا بالضبط ما كانت تقوله ياسمين، خارج السيارة، كانت هناك عدة فتيات ممن يمكن أن نطلق عليهن "مزز" دون مبالغة، الفتيات تفعلن أشياء مختلفة، في انتظار التاكسي، في انتظار أحدهم، في انتظار الانتظار.

بشكل أو بآخر، قررت الإتصال بصاحب تدوينة "الفقراء أولاً يا أولاد الكلب". كانت فكرتي واضحة جداً..
في المرة القادمة، وعندما تقرر أن تصبح جريئاً، عليك أن تتحلى بقدر من الحزم والصرامة. أنت تؤكد أن الفقراء أولاً.. هذا حقك، بل أنه حقيقي فعلاً. لكن أن تخاطب المجتمع بقولك : يا أولاد الكلب، فإن الأمر يبدو بسيطاً وسهلاً. تبدو ليناً ولطيفاً، والأمر لا يحتمل اللطافة.

أقترح عليك، أن تغير العنوان قليلاً، وتبحث عن شيء أكثر قوة.. يعني.. من جانبي تناسبني أكثر كلمات مثل.. أولاد القحبة، أولاد الوسخة.. هذا واقعي أكثر، هذا مناسب.