الاثنين، يوليو 11، 2011

الجلسة الأولى : غسيل

(1)

الشارع ضيق، في نهايته محل بقالة متوسط الحجم، اختار صاحبه أن يكتب اسمه أعلى البوابة بأضواء النيون، بعد أسبوع، لاحظ أن النيون الأبيض مزعج، فطلب من ابنه احضار سلم وقام بدهان خطوط النيون بطلاء أخضر.. عندما تجد نفسك في بداية الشارع من الناحية الأخرى، ستلاحظ أن الضوء الأخضر يملأ نهايته..

في الشارع الواسع الموازي، يوجد محل أدوات صحية جديد، افتتاحه الليلة، وقد اختار صاحبه أن يكتب اسمه أعلى البوابة باستخدام لافتة بلاستيكية ملونة، تصنع بالكومبيوتر، وتضاء بالنيون الأبيض من الخلف.

أمام المحل توجد كراسي حمراء من النوع المستخدم في الأفراح ومجالس العزاء، كما توجد سماعات سوداء ضخمة ينطلق منها صوت مقرئ كويتي معروف يتلو سورة يوسف، وتوجد ماكينة فيها ضوء ليزر أبيض، موجه إلى السماء، وتتحرك بانسيابية، نهاية خط ضوء الليزر تحتك بنعومة مع السحب الكثيفة بأعلى.. فتصنع شكلاً جمالياً لا يلحظه أحد.

إذا كنت تقف أمام منشر الغسيل في الشارع الضيق، فسوف تشعر بالضوء الأخضر من يمينك، وإذا رفعت رأسك قليلاً سترى أضواء الليزر، لكن، ما الذي يمكن أن تراه على منشر الغسيل نفسه؟.

توجد خمسة حبال، كلها مشغولة بأصناف مختلفة من الغسيل، من مظهر الشباك، خلف المنشر، ستفهم أنها ليست شقة جديدة. وبقدرة بسيطة على الملاحظة، ستتمكن من معرفة عدد الذين يعيشون خلف الشباك.

في الحبل الأول، من جهة الشباك، توجد أعداد كبيرة من الملابس الداخلية، بيضاء وملونة، وبمقاسات متعددة. يشعر المصريون بقدر من الحرج تجاه مسألة نشر الملابس الداخلية في الحبل الأخير من ناحية الشارع، يتم سترها عادة في الحبل الأول. بحيث لا يتمكن المار من رؤية شيء، إلا الملابس العادية، التي لا يشكل عرضها أي حرج أو خجل.
هذه مقدمة طويلة، لما يمكن أن نحكيه بخصوص الحبل الأول.

(2)
أقصى اليمين، ترى جوربين، تم نشرهما بواسطة مشبك خشبي واحد. ستشعر أن الجوربين هما آخر ما تم نشره، الحبال مزدحمة بحيث تم حشر الجوربين في النهاية، فقط لأنه من الأفضل أن نقوم بنشر كل شيء، فدورة الغسيل والنشر داخل المنزل لا تتوقف، لا يوجد داعي لتوقفها، ولا توجد فرصة.

"أسماء" هي صاحبة الجوربين، تمكنت أخيراً من الهتاف بـ"الشعب يريد إسقاط النظام". بعد أن سمعت الجملة تتكرر كثيراً في التليفزيون. يمكن أن نفهم أن أسماء تملك أربعة سنوات فقط في هذا العالم.. طفلة صغيرة في بيت ممتلئ بالكبار، لم يخبرها أحد أن مجيئها لهذا العالم كان غلطة في ليلة صيفية جميلة.. فالأب والأم، يمارسان الجنس في الأساس لإنجاب الأطفال، وبالتالي، ليس من المفيد إخبار الطفلة بكذبة سخيفة كتلك.

بجوار الجورب، توجد جيبة قماشية سوداء، طويلة، رفيعة، مثلثة. تصبح أجمل عند رؤية "نهى" داخلها.. نسيت نهى هذه المرة أن تفتش جيوب جيبتها قبل وضعها في السبت البلاستيكي الأزرق المخصص للغسيل. لك أن تعلم أن داخل جيب صغير في جانب الجيبة، ترقد شريحة صغيرة تستخدم لتشغيل الهاتف المحمول، ما الذي دفع نهى لنسيان شريحتها داخل جيبتها، بل، كيف انتقلت الشريحة من داخل الهاتف إلى داخل الجيب؟.

الحكاية، أنه في عصر يوم جمعة، كانت نهى في زيارة إلى شارع محمود بسيوني بوسط البلد، بالتحديد في الشقة رقم 5 في العمارة الرابعة من جهة اليسار، قابلت هناك سعاد، التي تعمل خياطة، وتؤجر فساتين محتشمة تصلح لحضور حفلات الخطوبة والزفاف.

ولأن نهى نحيفة بشكل مثالي، وهي صفة أصبحت نادرة في بنات بلدها، فقد استلزم الأمر القيام يتضييق الفستان المطلوب، بحيث يلاءم جسدها، ولا يلحظ أحد أنه مؤجر.. من العيب أن تقوم فتاة مثل نهي بارتداء فستان تم تأجيره في خطوبة أخوها الوحيد.. أحمد.

وأحمد يرتدي الجينز الأزرق المجاور لجيبتها على الحبل، هو ليس أزرق بشكل كامل، يحمل صفة الـ"بلو بلاك" أي أنه في المسافة الوسط بين الأزرق الغامق والأسود الغامق بطبيعة الحال، وهو لون انتشر بين بنطلونات الشباب في السنوات العشر الأخيرة.

هذه هي المرة الثالثة التي تقوم فيها أم نهى بغسل بنطلون ابنها أحمد، دون أن تفارقه رائحة الغاز. يختار أحمد عادة عدم الدخول في نقاشات مع أمه بخصوص فلسفتها في الغسيل. هو يعتقد أن أمه لديها قدرة مستمرة على إفساد ملابسه الشبابية، بغسلها بماء ساخن، أو وضع ألوان غامقة مع ملابس بيضاء.. بعد خلاف امتد لسنوات قرر أن يستسلم، هو مقتنع بأن عدد الأبناء الذين نجحوا في تغيير سلوكيات أمهاتهم قليل للغاية، وهو على كل حال، ليس منهم.

يستسلم أحمد لأمه أيضاً في الصباحات التي توقظه فيها مبكراً لسبب وحيد، أن يخلع ما يلبسه وهو نائم لتتمكن من غسله ضمن دورة الغسيل الصباحية. حاول مرات كثيرة أن يعترض، دون جدوى.

على كل حال، سيغادر أحمد هذه الشقة بعد عدة أشهر، فقد بدأت رحلة زواجه بخطوبة ستحدث بعد أسبوع.

خطوبة، اختارت نهى أن تحضرها بفستان مؤجر من عند السيدة سعاد، وبينما كانت تعدل من مقاس الفستان، امتد الكلام بينها وبين زبونة أخرى، حول البلد والأحوال، مر الوقت بحيث تأكدت نهى أن أمها مصابة بقلق هستيري الآن، أخرجت هاتفها المحمول، حاولت الإتصال فلاحظت أن الهاتف غير قادر على اتمام المكالمة، حاولت مرة جديدة، دون نتيجة. بعد قليل فهم الجميع أن الهواتف كلها معطلة. كحل بديل أخرجت نهى شريحة كانت تحتفظ بها بعد أن أخذتها هدية عند شراء هاتفها الجديد، الشريحة الجديدة لا تعمل أيضاً، والشريحة الأولى مستقرة في جيب الجيبة السوداء.

(3)
أم نهى ترتدي عادة في المنزل هذه الجلابية الزرقاء المجاورة لبنطلون ابنها أحمد على الحبل. السؤال الوحيد الذي يمكن أن تسأله عن أم نهى هو : لماذا لا تتم منادتها بأم أحمد؟. رغم أنه ابنها الأكبر، وما هو اسمها الأصلي؟، وماذا كانت كنيتها في الوقت الفاصل بين ولادة أحمد، ثم ولادة نهى بعد ذلك بخمسة أعوام؟. الإجابة : لا توجد إجابة.

قد يفسر الأمر الحاج أمين، الذي ذهب إلى المقهى اليوم بالقميص البني، فالقميص اللبني منشور هو الآخر بجوار جلابية زوجته.

توجد مقولتين تلخص حياة الحاج أمين، الأولى أن "مفيش حاجة هتحصل"، والثانية، مطلع أغنية شهيرة لأم كلثوم، اللي شوفته قبل ما تشوفك عنيا، عمر رايح، يحسبوه إزاي عليا.

الجملة الأولى هي شعاره الحقيقي في الحياة، يعتقد الذين يعرفون الحاج أمين، أنه لم ينظر خلفه يوماً قط، لم ينظر خلفه بالمعنى الحرفي، عادة تراه يجلس على المقهى وعيونه مصوبة أمامه بشكل مستقيم، فالحاج يؤمن، أن لا شيء خلفه يستحق.

هو ليس حاجاً أصلاً، مظهره يجعلك فقط تهبه لقب الحاج من باب الاحترام، أو الدعوة له بأن يصير كذلك يوماً، رغم أنه هو نفسه، لم يخطط يوماً للحج أو العمرة. مضى الرجل حياته غير مهتماً بها، فهل من المنطقي أن يهتم لأمر يخص ما سوف يحدث بعد وفاته؟.

أما الجملة الثانية، فهي التي تعمل داخل عقله بلا توقف، وهو يعتقد أنه يغنيها لكل عيل من عياله، أحمد، نهى، أسماء، بترتيب حضورهم إلى العالم، وبترتيب ملابسهم المنشورة على حبل الغسيل.

بدقة، يجر الحاج أمين خطاً بين مرحلة وأخرى في حياته، عندما انتهت دراسته الجامعية، لم يخرج منها بحب أو صداقة أو انتماء سياسي يمكن أن يكمل به الحياة خارج أسوار الجامعة. وكانت أهدافه في حياته العملية واضحة، أن يعمل حتى يحصل على أجر، وأن ينال معاشاً معقولاً حين يتقاعد. وعندما لاحظ أنه أصبح أباً لثلاثة عيال تزوج أمهم في الوقت الذي كان عليه أن يتزوج فيه، قرر أن تكون حياته كلها لهم. مؤمناً بشعاره الأساسي : مفيش حاجة هتحصل. وهو يقرأ الجرائد بانتظام، ويجلس على المقهى يتابع ما يتم بثه على الشاشة، فقط ليتأكد أن شيئاً لن يحدث فعلاً.

(4)
بجوار قميص الحاج أمين، يوجد جاكيت أسود، قماشه ثقيل، هذه هي المرة الأولى له على هذا الحبل. القميص أتى به أحمد، في ليلة باردة، وصل فيها إلى شارعهم الضيق في حلوان منهكاً تملأه رائحة الغاز والخل.

الجاكيت يخص ضابط أمن مركزي، مجهول الاسم، قرر خلع ملابسه الرسمية فور انسحاب الشرطة من الميدان، وكان صديق أحمد يراقبه، بحيث لملم الملابس الملكية ووضعها في كيس بلاستيكي على سبيل الاحتياط، وعندما اشتكى أحمد ليلاً من برودة الجو، كان على الجاكيت أن يبارح الكيس، ويستقر فوق كتفي أحمد، الذي نزع على الفور النجوم الصفراء أعلى الكتفين، وللمصادفة، كان مقاس الجاكيت ملائماً تماماً.

أم نهى لا تعرف كل هذا، جاكيت أسود متسخ داخل المنزل، يجب أن يدخل فوراً إلى دورة الغسيل، بغض النظر عن المكان الذي أتى منه.

لأن الشارع فارغ تماماً، ولأن الوقت سرقنا ونحن نحكي هذه القصة، فإن يداً ستمتد بهدوء، تقطع الحبل من اليمين واليسار، وتحمله هو وما عليه من ملابس، إلى المجهول.

في الصباح، ستعتقد أم نهى أن الفاعل حرامي يسكن شارعهم، وستعتقد أن الحل هو مراقبة الجيران بهدوء ورؤية ملابسهم، عسى أن تظهر القطع المسروقة يوماً، وستقول نهى أنه سجين هارب يبحث عن أية ملابس ليتخلص من زي السجن الأزرق. سيقول أحمد أنه من فلول النظام، فيما سيستمر الحاج أمين في قراءة الصحف، عله يجد خبراً يعرف من خلاله الجاني.

أسماء، صارت مقتنعة أن كافة الأشياء الشريرة التي تحدث في هذا العالم بسبب رجل عجوز اسمه مبارك، لكنها لا زالت غير قادرة على فهم كيفية وقوع سرقة كبيرة بهذا الحجم، أخذت كمية ضخمة من ملابس الأسرة، رغم أن النظام، سقط بالفعل؟!. على كل حال أسماء تردد.. إيد واحدة.

حلقة تجريبية من مسلسل : ثورة مضاعفة
من أعمال ورشة قطع أول

ليست هناك تعليقات: