الأحد، أغسطس 30، 2009

عما جرى فـ "وسط البلد".


(1)

في الأيام المنطقية. تلك التي انقرضت، فلم نعد نحيا بها ولا تحيا بنا. كانوا الذين هداهم الرب يسكنون بيوته، يصلون، يؤلفون أدعية جديدة، من بينها أن ينزل الله الهداية على القوم المفسدين، الذين حرموا أنفسهم من متعة الإلتزام.

خارج بيوت الله. كانوا الآخرين. الفاسدين الذين يعلمون بينهم وبين أنفسهم أن الله موجود بالفعل، وأن الإلتزام جميل "أوي"، وأن الصياعة مكروهة في معظم الأحوال. يمارسون فسادهم دون توقف، وإن كانوا على علم أيضاً، أن إخوة لهم في الإنسانية. يسكنون بيوت الله، يدعون لهم بالهداية..

لكن فاسد ابن فاسد وقف ذات ليلة في مقهى البورصة، وقال : "إنهم يدعون للمفسدين.. ونحن لسنا كذلك.. نحن فاسدين فقط، فسادنا يسكن داخلنا، فلا ندعو له، ولا نبشر به.. لماذا نكرههم إذن؟".

في الوقت ذاته، وقف واحد من أبناء الرب، في مسجد بجوار ساقية الصاوي، وأمسك المنبر بيمينه، وفي يساره الجدول الشهري للساقية (يونيو 2004). وقال : "يا إخواني.. إن الله أمرنا أن نشيع الحب بين الناس كافة، الفاسدين ليسوا مفسدين.. يلا نلعب سوا".

(2)

على غير المعتاد، وفي ليلة صيفية اشتبك فيها الحر مع المطر والبرق، خرجت الدعوة الجديدة، وتعالت في وسط البلد أصوات أجراس الكنائس تتشابك مع صوت إمام يصلي العشاء بمسجد قريب من البورصة، يتلو بصوت ناعم.. "قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا".. فيما شدت فرقة الورشة في حفل لها بالـ"تاون هاوس" تزامن مع الصلاة والأجراس "البحر زعلان مبيضحكش.. أصل الحكاية متضحكش"..


ويقال. أن الساوند سيستم في الـ"تاون هاوس" كان جيداً في تلك الليلة، بحيث تجاوز صوت الغناء مقهى التكعيبة وشارع شامبليون مروراً بميدان طلعت حرب وتمثاله، فمكتبة الشروق ومطعم "القزاز"، فممر البورصة، والمسجد في آخره.. بحيث قرر بعض الإخوة الخروج بعد الصلاة، والتوجه إلى "التاون"، لقضاء السهرة.

بحسب الشهود، فإن ما جرى ليلتها يعتبر المرة الأولى التي يحدث فيها اختراق بين الجانبين، ودارت إشاعات، أن السهرة امتدت للفجر، حتى أن بعض الإخوة فاتتهم الصلاة، في حين شوهد راقص من فرقة الورشة يصلي في خلفية المسرح.

صار بعضهم أصدقاء لبعض. الكل يسهر في وسط البلد. لأسباب أو لأخرى. العمل السياسي لا يزال مسموحاً، والليل يطوي من الأسرار ما يطوي، أسرار شباب الدعوة القديمة الجديدة، وأسرار عشاق "أفتر إيت".. والفجر في القاهرة، وسط مدينتها بالتحديد، لا يزال ساحراً، بحيث يلتقي الصديقان، فينسى كلاهما أن يسأل الآخر.. "جاي منين كدة؟".

تستمر العلاقات، يتحول بعضها إلى صداقة حقيقية، صلبة، تسمح لكل طرف أن يسحب الآخر في جولة سريعة داخل عالمه، لكن.. العمل السياسي سيصير ممنوعاً، فينغلق عالم أحدهم السري، ويتسع عالم الآخر، ومع سخونة 2005، قرر الطرفان أن.. "مصر يا رأفت". حيث كان أحدهما اسمه رأفت.

و"العمل المشترك سبيل الجميع إلى الخلاص".. كانت هذه الجملة ملخص مقال نشر وقتها في مجلة "البوصلة" التي تعبر عن اليسار الديموقراطي فيما يقرأها شباب الإسلاميين، المقال نقلته جريدة "الدستور" والتي لم يكن أحد يعلم، لأي تيار تنتمي. العدد الأول من الإصدار الثاني ملأت صفحته الأخيرة صورة "جيفارا"، فيما كتب في الصفحة الأولى تحت اسم الجريدة "استعنا ع الشقا بالله".

ويذكر التاريخ أن إخوة جامعة القاهرة اختاروا لعامهم الدراسي شعار "قوم يا مصري". في إشارة إلى أن "خيبر خيبر" لم تعد شعاراً مناسباً، وفي يقين تكون عند البعض منهم، أن القضية تخص "مصر" الآن، وداخل مصر، يوجد كل السهرانين في وسط البلد.. حتى مطلع الفجر.

ويذكر التاريخ، في هامشه، أن افتتاح سلسلة مواقع "يوتيوب" و"فيس بوك" و"بلوجر"، سمح لأبناء وسط البلد غير الأشقاء، بتبادل الأفكار والكتب والموسيقى والأفلام والمقالات والصور. مع العلم، أنه مع مطلع الألفية، كان بعض الإخوة قد تراجعوا عن "تحريم" الأشياء السابقة، وظهرت فتاوى تجيز الفرجة والسمع. وتؤكد أن يوتيوب ليس موقعاً إباحياً. رغم أنه سيصبح كذلك بعد قليل.

(3)

علماء الجغرافيا الإجتماعية، وهو علم يمكن حال اكتشاف القارئ أنه غير موجود، أن يعتبره صار موجوداً منذ اللحظة، هؤلاء، أعلنوا حيرتهم في تصنيف بضعة أماكن.

"سيلانترو" مثلاً، "كوستا" و"بينوس"، "باكري" و"كلومبوس"، "سينابون". ساقية الصاوي ومسرح روابط، التكعيبة والبورصة والـ"خن" و"منه فيه" والندوة الثقافية. مسرح الجنينة، "مكان"، "كونست"، المركز الثقافي الفرنسي، "سيداج". الهناجر، الأوبرا ومركز الإدباع، الأماكن التي نعرف أنها من الممكن أن توضع في ذات القائمة..

هل يمكن وصف "سيلانترو" باعتباره مقهى متحرر يجمع الشباب الحر الليبرالي، الذي يقرأ الإنجليزية، ويعرف "ميلان كونديرا" ويحمل اللاب توب، ويرتدي بناطيلاً ساقطة، ويصاحب فتيات غير محجبة؟.

وهل يمكن اعتبار ساقية الصاوي مسرح للفنون الحرة، التي لا تقومها رقابة، أو تمنعها إدارة؟. وما علاقة مسرح للفنون بـ"طارق سويدان" الداعية الإسلامي الذي يقيم فيه لقاءاً سنوياً مع الشباب. وعلى خطاه يسير مصطفى حسني ومعز مسعود وغيرهم من الدعاة الجدد.

وهل مقاهي وسط البلد مكان يخص الشيوعيين وحدهم؟، على الأقل تلك هي الصورة التي يعرفها البعض، منذ افتتاح قهوة "ريش"، حتى إذاعة فيلم "الكرنك" على روتانا سينما في 2005 أيضاً.

بالطبع حين نذكر "الشيوعيين"، فإننا نقصد الأبناء الشرعيين لوسط البلد إجمالاً. نعلم جميعاً أن "شيوعي" هو الوصف الذي يستحقه كل يساري مصري، بغض النظر عن التيار الذي قرر الإنتماء إليه. فالشعب المصري خلقه أضيق من أن يعرف الفرق بين الناصري والتجمعي. ولنا في "فوزية البرجوازية" عبرة، لمن لم يعتبر حتى الآن.

يمكن أيضاً في 2005، وما حولها من أعوام، التأريخ لميلاد بعض الحركات السياسية غريبة الأطوار. مثلاً بدأ البعض يدعو لمناهضة "العولمة". وتم تدشين "مؤتمر القاهرة" وهو تكتل لمناهضي "الإمبريالية العالمية" و"العنصرية". وسوف يستخدم لاحقاً، للتعبير عن رفض ممارسات النظام ضد الإخوان، وبالتحديد المحاكمات العسكرية 2007.

سيمارس المدونون هواياتهم في مسح كل خط فاصل، وسيصبح وسط البلد بمرور الوقت يشبه علامة مد. تمتد يميناً ويساراً دون أن يعترض أحدهم. وسيمر أحد الأجانب. وكان قد سافر للخارج عشر سنوات ماضية. سيمر صدفة أمام التكعيبة. وسيرى الأخ بجوار الرفيق. والمحجبة تدخن السجائر. وسيفهم وحده أن "مسرح الشارع" صار متسعاً للجميع. وأنها مسرحية جديدة تنتمي لنوعية "الخيال العلمي". وسيبوح لصديقه بأنها "بايخة قوي". صديقه هذا ينتمي لتنظيم "30 فبراير" وسيكون اسمه موجوداً بالطبع في دعوة الإضراب على الفيس بوك إبريل 2007.

بعض الأجانب صاروا يقابلون شباب الملتزمين في المركز الثقافي البريطاني. وسيسافر بعضهم لتركيا وفرنسا والدنمارك وألمانيا. وسيظهر "ملتقى الشباب العربي" وستطبع الدستور صورة حسن نصر الله في بوستر منفصل لدعم المقاومة اللبنانية. في حرب تموز 2006.

يلتقي المدونون في إفطار جماعي كل رمضان. ويعتبر البعض الإفطار دليل على أن الكل صائم، ويسجد أبناء الرب شكراً. على استجابة الدعاء القديم.

وستكون هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها علماء "جغرافيا المكان" عن "العولمة".
(4)

أمر في وسط البلد. فأجهل المكان. أتوه. وأنا العالم بمواطن جغرافيتها القديمة.
أتجاوز التكعيبة. وأخشى مقابلة أحدهم.
أجلس في ركن ضيق بمقهى مهجور. وأطلب من صديقة مخلصة أن تروي لي حكايات وسط البلد. وأكتفي بمراقبة الموقف من الخارج.
فلم أعد أعرف. إلى أين يجب أن ننتمي؟
"العيال الأخلاقية" في كل مكان.

الثلاثاء، أغسطس 18، 2009

هموم الحياة

لا شيء يكتب على الفيس بوك. لا جديد. فقدت كل الجمل قدرتها على الإبهار. ومعظم الإفيهات باتت قديمة مملة. كإفيهات "صعيدي في الجامعة الأمريكية" أو اسوأ قليلاً.

سيكون من المفيد إنشاء موقع أو خدمة. ترسل لزبائن الفيس بوك كل يوم جملة جديدة تصلح لوضعها مكان السؤال الذي يطرح نفسه عليك مع كل "ريفرش"... "What is on your mind?".

ثم أن الإنترنت بطيء. يومين ثلاثة لتنزيل فيلم جديد. وساعة لضرب ألبوم موسيقى لفرقة تونسية. كيف تستقيم الحياة مع الإنترنت البطيء. وأي "ADSL" هذا الذي لا يـ"AD" ولا يـ"SL" من جوع أو داونلود.

ربما سرعة خطك بطيئة عن باقي خطوط البشر. تذهب إلى سيلانترو.. جنة الله في كافيهات الأرض. تجلس. تفتح اللاب توب. تحاول أن "تدلف" إلى الإنترنت بسهولة وليونة. فتكتشف أن تحالف موبينيل وإتصالات وسيلانترو يقف أمامك. اطلب كارت. ادخل على الموقع. سجل. انتظر تفعيل الخدمة. ثم تصل للإنترنت بعد نصف ساعة لتكتشف أنك قد نسيت ما كنت تريده أساساً من الإنترنت وصفحاته.. فتغمغم في آداء كوميدي "يقطع النت ع اللي بينتتتوا عليه".. فتتذكر "طير أنت".. وتذكر نفسك بمأساة أخرى.. الأفلام الجيدة في تناقص.. ودخول أفلام مثل "العالمي" مغامرة غير مأمونة.

وعلى ذكر سيلانترو. هل ذهبت إلى هناك مؤخراً. هل لاحظت ضياع كل المميزات. هل اكتشفت أن الأسعار أصبحت مستفزة. وأن ابتسامة العاملين انطفأت. وأن ورقة الحساب أصبحت تأتي دون أن تطلبها. وأن الإسبرسو التي طلبتها منذ ربع ساعة جاءتك باردة. وأن تي شيرت مقدمها لم تغسل منذ أسبوع. أين راح سيلانترو الجميل. كيف يمكن أن تستمر الحياة بدونه؟. أين أشرب الـ"شيري كولا" بعد اليوم؟.

الكولا.. وما أدراك ما الكولا. على المحور يوجد إعلان عن الـ"سمارت كومبو". وهو عرض جديد من "كوك دور" عبارة عن ساندوتش وسط. وبطاطس وسط. وزجاجة كوكاكولا متوسطة الحجم، رشيقة تكاد تشربها دون أن تفتحها. فإن فتحتها. تكاد تدلقها حتى وأنت تمسكها بشكل مستقيم.

زجاجة الكوكا الجديدة مصممة بخطأ ما. يجعلها تفور بسرعة فور أن تفتحها. تاركة آثار جريمتك الـ"كوك دورية" في كل مكان. فإن نظفت آثارها. تركت قدر من "التلزيق" هنا وهناك. الحل أن تفتحها برفق. وبعناية فائقة. كأن بها "مية نار" أو "لبن عصفور". وهي طريقة نسبة نجاحها كبيرة. لكن توقع قدر من الفشل في بعض المرات.

وبذكر الكوكا. دعنا نتحدث عن علب الكولا المتسخة عند الحواف. تغسلها. تنظفها. تجلب منديلاً وتصنع منه طرفاً مدبباً. تدخله بين الحواف وتديره للوصول لأية شوائب متراكمة في الداخل. وتشرب. لكن ستظل أفكارك السوداء تلعب في عقلك.. هل أشرب كولا نقية.. هل نظفت العلبة جيداً.. أم أن أنفلونزا الـ"كانز" ستصيبني.. وسأتحول بمرور الوقت إلى فتاحة بيبسي تالفة.

الكانز يجعلني أفكر في إعلان كبير على المحور. به ثلاثة علب كانز كبيرة مجسمة تدور طوال الوقت. أحفظ شكل اللوحة. حين أقف تحتها كل يوم نصف ساعة على الأقل. في سيارة بدون تكييف.. في المرة التي قررت فيها الكشف على تكييف السيارة.. أدخل الفني مفك كبير في أحشاء الموتور.. سمعت صوت هواء يندفع للخارج.. انتظر قليلاً حتى هدأ الصوت تماماً.. وقال "باشا.. العربية كدة مفيهاش فريون.. لازم تتشحن.. هنعوز 130 جنيه"..

وبذكر المحور والكولا معاً. تجدر الإشارة إلى برنامج "عيش صباحك مع كوكا كولا".. وهو فقرة إعلانية تبدأ في الثامنة.. وتنتهي في العاشرة. وهو برنامج مميز.. حيث تذاع تنويهات عنه طول اليوم على نجوم إف أم.. وفي التنويه تسمع المذيع يستيقظ في الخامسة صباحاً مكرهاً كي يصل للإذاعة في الموعد.. تسأل نفسك كل صباح.. ولماذا كل هذا العناء.. مذيع ومذيعة يستيقظان في الخامسة فقط لقول خمس أو ست جمل بين 250 إعلان متتتاليين. أي ظلم هذا.

تسأل نفسك. ما الذي يمكن تقديمه لدولة مثل مصر لتجيز عدد أكبر من إذاعات الترفيه على الراديو؟. ولأي مدة سيستمر أسرنا في نجوم إف أم. الجميلة الرائعة المتنوعة.. بالإعلانات وبرامج الرعاية.

أنزل من المحور. ميدان لبنان. أمرق سريعاً من الإشارة الأولى في شارع لبنان. هي أغبى إشارة في مصر بشهادة كل من وقفوا يوماً بها. أربعة عساكر وضابط.. دون أي سيطرة. انتهز فرصة فتح الإشارة للجري. لو قرر الضابط سؤالي عن رخصي. فسيقع على الأرض من الضحك.. رخصتي انتهت من عام.. وسحبت منذ تسعة أشهر.. ولم أجددها.. سيصنعون لي تمثالاُ في إدارة مرور شبرا.

في المسافة من شارع لبنان للمكتب. أقلب في شرائطي وأبحث عن شيء جدير بالإستماع.. وسط البلد.. الليلة الكبيرة.. أنغام.. فضل شاكر.. شيرين.. عبد الفتاح الجريني.. حفظت كل الأغاني والألحان.. اليوم أرسلت لعمرو عزت.. وهو شخص تدور حوله بعض الإشاعات والأقاويل.. مفادها أنه على إطلاع بجديد الموسيقى وحديثها.. أرسلت أرجوه.. "والنبي يا عمرو باشا.. أبوس إيد كل مواطن أمبابي.. تراكين مزيكا محترمين اسمعهم لحسن أنا وداني هتتسد من التكرار".. جاء رد عمرو الكريم بقائمة طويلة من الروابط التي حال تنزيل ما بها من ملفات، يمكن الوصول لموسيقى جيدة.. أجرب الضغط. وأعود لأكتشف أن سرعة الإنترنت ستجعلني أسمع أول أغنية بعد أسبوع.

وبذكر إمبابة.. لنتحدث عن البرنس. أجمل مطاعم الكبدة في العالم. وواحد من أفضل الأماكن التي يمكن أن تأكل منها وفيها. لكنك تذكر وأنت تأكل هناك.. أن أفضل المطاعم في مصر عشرة أو عشرين.. تكتشفها في عام. وتستمتع بها عام ثاني.. وتنتهي الحكاية. لتكتشف أن الطعم المدهش اختفى. وأنك عرفت الأماكن المميزة وحفظتها وأنه لا جديد فوق ترابيزة الأكل. فيتساوى كوك دور مع سبكترا وسمسمة مع أبو شعراوي والبرنس مع بلبع وإلخ.

تكتشف، بمرور الوقت، وبانتهاءك من كتابة الصفحتين السابقتين. أنك تافه أكثر مما ينبغي. فهموم حياتك أبسط من أن تكتب. لكنك في الوقت نفسه، تؤمن بها، وتتألم لها. وتنظر لهؤلاء الذين يتحدثون عن همومهم المعتادة. الفقر والمرض والفساد، باعتبارها "هموم حقيقية"، بأنهم أشخاص مدعين في مجملهم. وأن الهم الحقيقي. هو الذي يمنع صاحبه من "عيش اللحظة". ما الذي يمكن أن أستفيده بديموقراطية حقيقية في مصر، وأنا لا زلت أبحث عن جملة جديدة أضعها على الفيس بوك؟.

الأربعاء، أغسطس 12، 2009

سرياؤوسي يكتب كما يشاء

أين ذهبت الكتابة؟. ومن أين كانت تأتي أصلاً؟.

جرب أن تكون كاتباً. وتتوقف فجأة. أن تفتح صفحة بيضاء جديدة. وتحاول أن تكسر بياضها بسطورك وكلماتك. تفشل. تشعر أنك عاجز. وترى بياض الصفحة يسخر منك. كأنه زوجة شبقة. تطرح سؤالها المنطقي على زوجها في ليلة خميس صيفية.. "مالك يا راجل".

أفتح صفحة أخرى. أكتب. أكاد أنتهي. أتذكر رسالة على الموبايل جائتني منذ شهور. "مثلما يمنعون اللاعب من اللعب بقدم مكسورة خوفاً على صحته، عليهم أن يمنعوا الكاتب من الكتابة بنفس مكسورة خوفاُ على موهبته.. بلال فضل". أمسح ما كتبت. واسأل نفسي عما كسرها. فلا أحصل على إجابة.

أحاول من جديد. يحفزني تعليق على المدونة، أو إتصال تليفوني من صديق يطمئن. عتاب لطيف من زميل عمل. أو إيميل قارئ محترم، ورسالة على الفيس بوك من شخص مجهول. أحاول تحت الضغط. فأكتب من جديد. وأمسح. وأعيد قراءة رسالة بلال فضل. ولا نتيجة.

في الأسبوع الماضي. دخلت مكتبي فتاة ترغب في العمل معدة. سألتها الأسئلة المعتادة. وأجابت كما يقول الكتاب. وأضافت – ضمن حديثها المتصل عن مواهبها المتعددة – أن لها مجموعة قصصية مطبوعة. ورواية وديوان تحت الطبع. وأنها كتبت في عدة مجلات ومجالات. وجدتني أشجعها. وفي محاولة للظهور بشكل أفضل أضفت "أنا كمان كنت بكتب".

الفتاة في الحقيقة أعطتني أكثر مما أستحق. فسألتني. "فين؟". أجبت "عندي مدونة اسمها وأنا مالي". فابتسمت نصف ابتسامة. وقالت "سمعت مرة عنها". كدت أنفجر من الضحك. أعرف هذه الإجابة. حتى إن كنت اخبرتها أن مدونتي تحمل اسم "سرياؤوسي يكتب كما يشاء" لكانت ابتسمت ذات الإبتسامة، وعلقت نفس التعليق.

لم يشغلني ما فعلته الفتاة. بقدر ما توقفت أمام جملتي "أنا كمان كنت بكتب". للمرة الأولى أضبط نفسي متلبساً بالإعتراف. داخلي شيء ما يمنعني إذن. داخلي جزء ينظر للكتابة باعتبارها فعل ماضي انتهى ولا يملك القدرة على الإستمرار.

ثم أن داخلي شيء آخر يمنعني من التحول إلى "سيرياؤسي" قادر على كتابة ما يشاء وقتما شاء. في معتقداتي الداخلية. توجد صورة لشخص يحمل اسم "سيرياؤسي" وهو كائن بشري يملك صفات اسطورية. تتلخص في "القدرة". القدرة على فعل أي شيء في أي وقت بأي شكل والتغلب على أية عواقب أو موانع.

حتى المرة الوحيدة التي ظهر فيها شخص اسمه "سيرياؤسي" في السينما جسد شخصيته الفنان لطفي لبيب. وكان في أحد المشاهد يمشي في الشارع في زي سوبر مان، وهو ما يعني أن لديه بالفعل قدرة "سيرياؤسية" على فعل أشياء ما كان لشخص في سن وجسم وظروف لطفي لبيب أن يفعلها لو لم يكن اسمه "سيرياؤوسي".

ما يمنعني على التحول إلى هذا الـ"سيرياؤس" هو الإقتناع بأن أحدهم سيأتي ويقرأ بعد سنوات. وأن الوسوسة كنز لا يفنى. وأن الكتابة الجيدة. هي تلك التي جاءت بعد "شوقة". وأن الجملة الجميلة. هي التي مسح قبلها عشر جمل ليست على المستوى ذاته من الجمال.

إذن. أين ذهبت الكتابة؟, ومن أين كانت تأتي أصلاً؟.

أفتش الآن عن إجابة. فلا أجد. نسيت كل ما يتعلق بقدرتي السابقة. أقرأ لنفسي الآن فأشعر أن غيري كتب. أستحسن بعض السطور وأكره بعضها. واسأل. كيف كان هذا البني آدم قادر على الكتابة. من أين تأتي كتابته. ماذا الذي كان يفعله ليكتب بغزارة وينشر بثقة. وما هي مشاعره وهو يرى في نفسه قدرة على الإنتاج. إنتاج الأفكار والسطور والكلمات والتدوينات. إنتاج الكلام بشكل عام.

الكلام.. فالكتابة لم تذهب وحدها. الكلام المنطوق أيضاً. هل يمكن تصديق أن هذا البدين الذي إن أمسك طرف الحديث ابتلعه حتى نهايته أصبح كثير التلعثم غير قادر على إكمال جملة أو توصيل معنى. هل يمكن تخيل هذا الشخص عاجز عن الفهم من أول مرة. ومتعثر في قراءة صفحتين ثلاثة لرضوى عاشور أو إبراهيم أصلان. هل يمكن تخيل هذا البدين منحني أمام لاب توب يقرأ باهتمام في مدونة فتاة مصرية عادية تماماً ليس فيها ما يدهش أو يجذب. وهو الذي كان يعتقد – بل ويعلن إعتقاده على الملأ – أن التدوين في مصر ظاهرة ذكورية وأن نصيب البنات في التدوين بسيط لا تدعمه إلا دار الشروق التي اختارت مدونات بناتية فقط لنشرها في سلسلتها المعروفة. هل يمكن تخيل هذا البدين وقد بدأ يعيد النظر في أمر البدانة وكان قد قرر منذ سنوات أن يأخذ البدانة طريقة ومذهب ونظام. حين كان يرى في البدانة جمال وخفة وأيقونة إبداعية جديرة بالإحترام.

هل يمكن تخيل هذا البدين وقد أصبح خيال قابل للتخيل. هل يمكن؟

هل يمكن تخيل كاتب يسأل عن كتابته. ومتكلم يسأل عن كلامه. وقارئ يسأل عما يقرأه.

هل يمكن أن يتجسد العجز في صورة أعجز من ذلك؟.

أنا أعرف الإجابة. لكن شيء ما يقف بين وبين كتابتها. سحابة كثيفة. مياة بيضاء. ارتعاش في الأصابع وعجز عن حفظ أماكن الحروف على لوحة المفاتيح. حالة كاملة من ضياع كل مفاتيح الأبواب المهمة، والأدراج التي تحوي أشياء قد تفسد إن ظلت مخزنة.

إذن. وللمرة الأخيرة. أين ذهبت الكتابة ومن أين كانت تأتي أساساً؟.

لا يشغلني الأمر للدرجة. لست مهتماً بقضية الكتابة للنشر والطبع والتأليف وحفلات التوقيع وتعليقات المدونة والزملاء "السيرياؤسيين". تعلمت في السنوات السابقة الكتابة بالصورة وللصورة ولعلها تطفئ قدراً من نار حيرتي.

لكن ما يشغلني أمر آخر. فحين كانت الكتابة سهلة. متاحة وموجودة. يسيرة متيسرة. كنت أخطط لحياتي بطريقة سهلة. العمل حتى الثلاثين. تحقيق قدر من النجاح والتحقق. ثم الكتابة والكتابة والكتابة. التفرغ لها وفيها وبها.

يبدو الجزء الأول من الخطة قابل للتحقق. العمل على ما يرام. ولازلت في الرابعة والعشرين. تبقى سنوات ستة إذن – إن عشنا وكان لينا عمر – ويبدأ الجزء الثاني. إن ضاعت الكتابة. فما الذي يمكن أن أفعله بعد الثلاثين؟.

السؤال صعب ومر. لا أحتمل عناء التفكير في إجابة له. الأفضل أن أعيد طرح الأسئلة الأسهل. أين ذهبت الكتابة. ومن أين كانت تأتي؟. وأين يمكن الحصول على إجابة؟
..

الثلاثاء، أبريل 21، 2009

حركات متناظرة متواترة

قبل القراءة : السطور القادمة ليست من تأليفي، والتعليق الذي يخصني يوجد في النهاية.

.......

أقام عزت القمحاوي روايته الجديدة "الحارس" على ثلاث أفكار لامعة.

أولها فكرة القامع / المقموع، ذلك أن الرواية العربية تعاملت، غالباً، مع شخصية القامع، دون أن تلمس، إلا نادراً، القمع الداخلي الذي يقع عليه.

وثانيها: الكيان السلطوي المتكلس، الذي تترجمه جملة حركات متناظرة متواترة، تجعل منه كياناً ميتاً، حتى لو بدا غير ذلك.

وثالث الأفكار يتجلى في معنى السلطة المستبدة، التي تحتاج الطقوس والإشارات والرموز، قبل أن تحتاج إلى البشر، كما لو كان لباس السلطان هو السلطان.

نسج القمحاوي هذه الأفكار متوسلاً، فنياً، عنصرين : تمايز الملامح الإنسانية قبل الوصول إلى السلطة، وتراجعها إلى حدود التلاشي، بعد الوصول إليها، ذلك أن ملامح الإنسان وحريته لا ينفصلان.

ولعل هذا التلاشي، الذي هو أثر للتكلس ومحصلة له، هو ما يجعل ملامح المستبدين متقاربة، كما لو كانت السلطة تعيد خلق البشر وتعطيهم أسماء جديدة. أما العنصر الثاني فيتكشف في سخرية لاذعة، هي وصف موضوعي للسلطة وتنديد بها في آن.

في رواية "الحارس" يطرح عزت القمحاوي أسئلة الرواية العربية في سياق جديد، يقضي بالبحث عن أشكال فنية مطابقة.

...........

ما سبق يحمل اسم "فيصل دراج"، وهو شخصية مجهولة بالنسبة لي بسبب جهلي وغبائي وقلة ثقافتي وضيق افقي وكسلي في الإطلاع، وقد كتبت تلك السطور بلون أسود، على خلفية صفراء فاقع لونها لا تسر الناظرين، هي ظهر غلاف رواية تحمل اسم "الحارس" لمؤلفها الذي يظهر اسمه بين السطور "عزت القمحاوي" وهو أديب وصحفي مصري بجريدة أخبار الأدب وله عدد من مقالات الرأي المنشورة في جرائد مصرية وعربية. وله شعبية وجمهور يحترم ما يكتبه، ولعلي واحد منهم.

الرواية من إصدار دار "العين" التي سأكون ممنوناً لأي شخص يذكر لي أهمية وجودها، وما خرج منها من مطبوعات يمكن أن يقرأها قارئ عادي مثلي.

وقد لفتت سطور "دراج" نظري لسببين، الأول أن الكتاب ذاته هو واحد من ثلاث كتب، وضعت دون قصد في دولاب خشبي صغير، لم نجد له مكان في شقتنا فاستقر به الحال – بناء على رغبتي التي أقنعت بها زوجتي – في الحمام بجوار المكان المخصص للجلوس.

ودون إرادتي تمتد يدي كل مرة أجلس فيها لقراءة أي شيء، ولأني أعرف أن جلستي قصيرة، لا تكفي لقراءة فصل من رواية أو مقال كامل في جريدة، فقد ركزت على الكتابات القصيرة، وكانت سطور "دراج" واحدة منها.

أما السبب الثاني، فهو أسلوب الكاتب من ناحية، وتراكيبه من ناحية أخرى. فقط سأقول أني لم أفهم كلمة واحدة مما قرأت. وأني سأمتنع عن قراءة الرواية كنوع من الإحتجاج على ما وجدت في خلفيتها.

الأحد، أبريل 19، 2009

بين بين.

يقول صديقي المقرب، أنني أخبرته في مكالمة تليفونية مساء أمس، بأن "نفسيتي تعبانة"، وكانت مكالمة قصيرة اعتذرت له خلالها عن إنجاز بعض الأعمال.

انزعجت بشدة. انكرت قولي، أنا في الحقيقة لا أتذكر أني قلت أي شيء بخصوص نفسيتي، كما أني لا أشتكي عادة بخصوص صحتي النفسية حتى للأصدقاء المقربين.

لكني لاحظت، وقد أصبحت ألاحظ كثيراً في الأيام الأخيرة، ودونت العديد من الملاحظات في أوراق صغيرة بخط اليد أو على صفحات الوورد. لاحظت أنني بالفعل مرتبك وأني بدأت أفقد السيطرة شيئاً فشيئاً.

يمكن أن أقول الأن أنني "لست على ما يرام"، هذا الوصف يلاءمني، كما أنه يصف حالتي التي لا أتمكن من وصفها.

جلوسي الطويل بالمنزل في الأسابيع الماضية، ونومي المستمر، والعمل القليل الذي أنجزه يومياً، ثم القلق بخصوص بعض المشروعات المؤجلة، والمستقبل بشكل عام، وذهابي للقسم لإستخراج "فيش" لإقتراب موعد تقدمي للتجنيد، وفكرة أنني قد أنال أخيراً حريتي في السفر سواء للعمل أو للدراسة أو حتى للمتعة.

وأيام التصوير الثلاثة التي يمكن وصفها بالسيئة، الأول والثاني مرا دون تصوير دقيقة واحدة أو حتى تشغيل الكاميرات بسبب إجراءات أمنية عقيمة. والثالث صورت فيه مقابلتان بالإنجليزية ثم أدركت أنني سأكون غبياً إن إستكملت إخراج الفيلم، فاتصلت بالمنتج أعتذر له بلطف عن استكمال العمل، فتشاجرنا، وحدثت أمور لا يمكن وصفها بالجيدة.

ثم أني بدأت أنام في منتصف اليوم، ساعتين أو ثلاثة، بالإضافة إلى الساعات العشر التي أنامها في الليل، أو بعد الفجر مراعاة للدقة. بالإضافة إلى إرتفاع ضغط الدم الذي أصابني مرتين أو ثلاثة، واختفاء الأصدقاء، للسفر، للإنشغال، أو لأنهم صاروا يفقدون الكثير من روحهم، فصارت مقابلة البعض منهم تجلب على نفسي كماً لا يحتمل من الضيق والحزن والرغبة في البكاء.

يمكن إضافة الرغبة في البكاء إلى السطور السابقة، والعجز عن البكاء أيضاً، والأوقات التي صرت أقضيها مؤخراً مع فتيات يفضلن البكاء أمامي والحديث عن همومهن العاطفية العادية، وحين ابدأ الحديث عن نفسي، يتظاهرن بأن ثمة مشكلة خطيرة ستحدث حال دخولهن منازلهن بعد الثالثة صباحاً.

ثم عيد زواجي، الذي لم أقدم فيه لزوجتي أي شيء يستحق، لأني مشغول في الأساس بالإجابة على السؤال الأهم، لماذا تزوجت؟، وهل كان قراراً صائباً، وإن لم يكن، كيف يمكن إصلاح قرار خاطئ مثل الزواج، وأي إجابة سأختار للسؤال الذي تطرحه زوجتي منذ أسبوعين عن رأيي في الإنجاب مرة أخرى لتحصل طفلتي على أخ أو أخت مقارب لها في السن.

والتليفزيون الذي أصبح مملاً، ومواقع الإنترنت بطيئة التحديث، وأصحاب المدونات الأغبياء الذين لا يضعون الجديد في صفحاتهم، والصحف التي امتنعت عن شراءها، ومحلات المقاسات الكبيرة، التي أصبحت تقدم نوعيات اسوأ من الخامات والموديلات والألوان.. لكن الأسعار تتقدم.

رغبتي في الحديث مع أحمد نصر الدين، صديقي المقيم في دبي، لإخباره فقط بأني لست على ما يرام. صوت أحمد يمنحني الكثير من الذكريات. كما أن أسلوبه في الحكي، يبسط الهموم، ويرى المشاكل أمراً عادياً، يجب التعامل معه، ومصادقته.

والجو المتقلب، وفقداني السيطرة أثناء القيادة عدة مرات، فصارت زوجتي تقود بطريقة أفضل، ورخصة السيارة التي انتهت منذ 5 شهور، وتم سحبها منذ ثلاثة شهور، وتزجرني زوجتي بسببها منذ سبعة شهور، قبل أن تنتهي المدة أصلاً، وربما قبل أن نشتري السيارة، والضيق الذي يصيبني كلما فكرت في ضرورة الذهاب لتجديدها. وهو أمر يستغرق يوم واحد.

والرجل الذي يعطيني الأموال التي عشت منها الشهور السابقة، وسأعيش عليها الشهرين القادمين حتى ينتهي رصيدي، المكالمات القصيرة بيننا، التي يخبرني فيها بأن علي معاودة الإتصال في اليوم التالي، وأتصل، فيقول مثلما قال، فأغلق الخط بلطف، وأبكي، معلناً أن اسوأ ما يمكن أن يحدث لي على الإطلاق، هو المشاكل المالية، فهي بطريقة ما تشعرني بأني مهدد، وفاشل، وحقير، وشحاذ، وهي بطريقة أخرى، تجلب الغضب إلى زوجتي، فيبدأ الخلاف، وهي بشكل إجمالي، تشعرني بأني مغفل، وأني غير قادر على تأمين الأموال اللازمة لزوجتي وطفلتي.

وقسط السيارة التي صرت أدفعه بعد موعده بأسبوعين، ولن أدفعه هذا الشهر أساساً، والموظف الذي يحدثني من البنك، ويبدو كضابط أمن دولة، يهددني بذكاء، وأخبره بأني دفعت وأن المشكلة بالتأكيد عند نظامهم الإليكتروني، وأني لا أقبل أن يحدثني موظف بهذا الشكل، وأحتد عليه معلناً أني سأقدم ضده شكوى لخدمة العملاء، فيجيب ببرود، أنه أيضاً سيحصل على رفض من البنك على الشيك الذي يحمل توقيعي، فأتنازل عن الحدة في لهجتي، ويدرك هو أنني كنت أكذب بخصوص النظام الإليكتروني.

اقتناع زوجتي بأن حالة من الحزن أصابتني بعد أن شتمني أحدهم بشدة في تعليقات مدونتي. تقول أنها تعرفني عندما أحزن، وتسألني لماذا لم أحذفه طالما ضايقني، أقول أني لم أغضب فعلاً، ثم أني لا أحذف التعليقات أبداً باعتبارها حرية رأي.

ذهابي المتكرر إلى الحمام، لم أذهب في حياتي للحمام أكثر من مرتين أو ثلاثة في اليوم، أصبحت أقيم داخله بالفعل، رغم أني بدأت أكل نصف كمية الطعام بسبب الإقامة في المنزل.

جنون زوجتي بمسألة الإقامة في شقة تمليك. وتسويقها فكرة السفر للعمل بالخارج كحل لكل المشاكل، وإرتيابها بخصوص المحل الذي نرسل إليه ملابسنا للكي، تطالبني بأن أعد قطع الملابس التي يحضرها الصبي، وأحسب، البنطلون بنص جنيه والقميص بخمسة وسبعين. اليوم، ورغم سفرها، اتصلت، سألت إن كانت الملابس قد أتت، أجبت بالإيجاب، سألت، كام دفعت، قلت خمسة وربع، قالت بأن هناك خطأ في الحساب، وطالبتني بعد القطع وأنا معها على الهاتف، ثم عادت في مكالمة تالية وقالت، "مظبوط".

ورواية "عراقي في باريس"، لصموئيل شمعون، التي قرأت النصف الأول منها، فأدركت الفارق بين ما هو حقيقي وأصيل، وبين ما هو مقلد ومزيف، وفهمي الأكيد، لحقيقة أن منتجي النهائي، إن استمر بي الحال على ما هو عليه، سيكون مزيفاً جداً، بحيث يكشفه الجميع بسهولة، وبحيث يبصقون على اسمي وقبري وأولادي.

الإرتياب بخصوص ما أكتب هذه الأيام، والدخول على الإنترنت كل ساعة لمعرفة جديد التعليقات، والإحباط لعدم وجود إشارة على الرضا أو السخط من القراء، فقط يكتفي بعض أصدقاء الفيس بوك بالضغط على أيقونة "like"، أو أجد تعليق من شخص لا أعرفه يتحدث عن شيء لا علاقة له بما كتبت. يبدو أن هوسي القديم بالتقييم المستمر لما أفعل يضرب من جديد.

والوقت الطويل الذي مر وأنا أشعر بأني منطفئ، فاقد للوني الأساسي، عاجز عن الإنطلاق والتحرر وابتكار الأفعال الجديدة غير المتوقعة، غير قادر على إدهاش الآخرين. وهو أمر طالما لازمني في سنواتي الماضية، قدرتي على ترك إنطباعاً جيداً في المقابلات الأولى مع الغرباء. أو حتى ملاحظة انطلاقي في الحديث حول موضوع معين لأكثر من عشر دقائق دون توقف، ولمح نظرات الإستحسان في عيون المستمعين. وهو أمر حدث لآخر مرة منذ عامين أو أكثر.

ويبدو أنني كبرت، أو أنني صرت معروفاً ومكشوفاً ومفهوماً ومألوفاً ومقروءاً بحيث يعرفني الآخرون كما أعرف نفسي فندرك جميعاً أن لا شيء يقال.

وبالإضافة إلى كل ما سبق، يجب إضافة حالة البين بين. لحظة. لا أملك ما أقوله عن البين بين. كل ما سبق هو بين بين. النفسية التعبانة. أيام التصوير بدون تصوير، حساب قطع الملابس، الأصدقاء، الطفل الجديد، كله بين بين.

الصديق المقرب كان على حق إذن. يحسن أن أبقى وحدي قليلاً. أو يحسن، للذين يعتقدون معرفتهم الوثيقة بي - بحيث يملكون حلولاً مبتكرة - الإقتراب.


الأحد، أبريل 12، 2009

بعبعة.



السطور القادمة رسالة من قارئ مسيحي بمناسبة "أسبوع الآلام"، وقد رأيت نشرها هنا، بعد التأكيد على أن ما بها من آراء تخص المرسل وحده، وأن الأمثلة المذكورة لا علم لي بها على الإطلاق، وقد تدخلت بحذف اسمه ووضع اسمي حفاظاً على سرية شخصيته، وتضحية بحياتي الغالية.. وسيصبح من الصعب تفسير الموقف لزوجتي حال إصرار البعض منكم على التعليق بآراء إنفعالية تنتمي لنوعية البعبعة.

..............

يلفت نظري أن "الزواج" في المسيحية يوصف بكونه"سر" من أسرار الكنيسة السبعة.

لا أفهم المعنى على التحديد، لكن تبقى لفظة "سر" مناسبة أكثر من أي وصف آخر للصلة التي تنشأ بين رجل وإمرأة تجعلهما يسكنان بيتاً واحداً، ويتشاطران سريراً ضيقاً، وينجبان أطفالاً عدة، ويواجهان المجتمع كثنائي، رغم أن كلاً منهما فشل في المواجهة منفرداً، ورغم أنهما يدركان – بمرور الأيام – فشلهما الأكبر في مواجهة بعضهما.. أو حتى أنفسهما.

وقد تكونت لدي، بالتجربة، والملاحظة، عدة أفكار أساسية، تتعلق بالسر. يمكن تدوينها هنا، والإضافة عليها أو الحذف، بحسب ما يرى أصحاب التجارب والملاحظات الأخرى.

لاحظت، على سبيل المثال، أن الزوجات في العالم، لديهم شكاوى متشابهة، واحدة منهن تتعلق بالطريقة والتوقيت والأسلوب الذي يستيقظ به الرجل.

ترى المرأة في نفسها – بطريقة أو بأخرى – أنها "منبه" لزوجها، في حياته وبعد مماته ولأولاده من بعده وما بقي من ذريته إلى يوم الدين.. وأبسط واجبات التنبيه هي إيقاظه بالأساليب المتعارف عليها، واحد منها هو النداء باسمه بصوت مرتفع من الغرفة المجاورة أو الحمام أو المطبخ، وبالطريقة ذاتها التي يكره الرجل أن يناديه أحدهم بها، بنفس أسلوب اختصار المسافات الفاصلة بين الحروف في اسمه، فإن كان تعيس الحظ يحمل اسم "براء"، يتحول إلى "راء"، أو "آء"، أو "ءءءءءء".

والنداء يكون متكرر لعدد لا نهائي من المرات، لكن بدرجات متفاوتة من قوة الصوت والدلالات والإشارات التي تحملها الطريقة المختصرة للحروف، ولأن النداء المنتظم الرتيب لا يوقظ نائماً، تكسر الزوجة اللحن بعد فترة، وتفاجئه بالنداء مرتين متتاليتين، أو مرة واحدة بصوت عالي، أو ثلاث مرات ملحقات بجمل تعبيرية مثل "حرام بقى أنا زهقت"، "قوم يا شيخ قامت قيامتك"، أو "فز قوم عشان الشغل خلينا نلاقي ناكل آخر الشهر"، أو "خمس دقايق ونازلة وهاخد العربية".. وإلخ.

الزوجة، تشبه قائد معسكر الكشافة، تنام بعد أن ينام الجميع، وتستيقظ قبلهم، وسط حيرة باقي أفراد المعسكر، وسؤالهم عن القدرة الخارقة للقائد الذي لا يراه أحد نائماً.

جربت مرة الإحساس، وفعلت ما يتوجب على قائد أن يفعل، وفهمت، أن "متعة القيادة"، تمنح القائد شعوراً بالراحة، والسكينة والهدوء، ما يجعله قادر على فعل العجائب، التي يستغرب لأمرها "الرعية" البسطاء.

وجربت كقائد، أن أراقب للحظات، مظهر الرجال نائمين، وشعرت تجاههم بعدوانية شديدة، لعل أحد أسبابها رغبتي في النوم مثلهم، أو اقتناعي بأنهم مجموعة من الكسالى عديمي الفائدة، وقد ظهرت عدوانيتي فور استيقاظهم، وكذلك تفعل الزوجات.. حين تختار أسوأ الأخبار، لإعلانها، أو التذكير بأغبى ما في اليوم من إلتزامات، بحيث يشعر الزوج بأنه يكذب حين يتلو دعاء الصباح "الحمد لله الذي أحيانا بعد أن أماتنا"، وإن كان وحده الله يحمد على المكروهات.

لكن ما هو أهم وأخطر، أنني جربت كزوج، أن استيقظ قبل زوجتي، وكنت أمر بوعكة صحية جعلتني ألازم السرير أياماً، ومنحتني القدرة على الإستيقاظ في أي وقت فقد نمت ما لم أنمه في حياتي من قبل، ورأيت زوجتي تنام إلى جواري في سكينة وهدوء، وتبدو مرهقة – بحق – من أعمال المنزل وعملها الخاص وأمور الطفلة الصغيرة، تنام كما ينام عامل أدى واجباته كلها، ويتنظر المزيد من الواجبات في الصباح، نظرت طويلاً لزوجتي، ولم أشعر بأي عدوانية، لكن انهالت الأسئلة في رأسي وقلبي، الأسئلة المنطقية لرجل يمر بوعكة صحية.. من هذه السيدة؟، وما الذي تفعله إلى جواري؟، ولماذا ترتسم تلك المشاعر الغاضبة على وجهها؟، وإن كانت زوجتي حقاً، فلماذا تزوجتها؟، وكيف؟، وأين؟، ومتى؟، وما هي الأسباب والدوافع؟، وهل كنت عاقلاً بما يكفي؟، ناضجاً بما يكفي؟، غبياً بما يكفي؟..

أدركت، بعد دقائق، أن الأسئلة السابقة كلها بلا إجابة، الأمر الوحيد الذي علمته، أن استيقاظ الزوجة أولاً أمر جميل ورائع، وأن الإعتراض على الأسلوب رفاهية لا داعي لهاولا مبرر.

لنترك الإستيقاظ جانباً، ونلاحظ أمراً آخر. رجال الكوكب الحمقى، يرون بطريقة أو بأخرى، أن مناداة الزوجة بكلمة "ماما" أمر جميل لطيف محبب لقلب الزوجة.

كنت أزور مصدراً مهماً الأسبوع الماضي، رجل في السبعين، ودخلت سيدة تماثله في العمر، قدمها لنا، "المدام"، ثم شرع يناديها "ماما.. تعرفي بابا إتدفن فين"، "ماما.. تعلميلنا شاي وحياتك".. وهكذا.. وخرجت وأنا لا إعلم إن كانت السيدة أمه فعلاً، أم أنها "مدام" والده، حيث كانت المقابلة في الأساس بخصوص الأب.. لازلت لا أعرف إجابة.

لكن ما بدأت أفهمه، أننا – رجال الكوكب – نمارس عادة علنية بشعة، نحول زوجاتنا إلى أمهاتنا، وما هن أمهاتنا، إن أمهاتنا إلا اللاتي ولدتنا.. ولأن الزوجة كائن عرف عنه – في الكوكب – الرقة والدقة. ولأن الأمومة شعور غريزي عند كل إمرأة، ولأن الجنة تحت أقدام الأمهات، تصدق الزوجة الفكرة، وتشرع في التنفيذ.

"شيل هدومك بعد ما تقلعها"، "ماتسبش الصابونة في المية عشان ما تبوش"، "عايز تشتري هدوم، بص على دولابك وشوف الأول الهدوم دي، وأنا واثقة إنك هتلاقي هدوم كويسة وإنت ناسيها ومش بتلبسها"، "العربية بتصرف بنزين كتير"، "ليه تدفع اتنين جنيه بقشيش للدليفري، المطعم ده بيحسب جنيه خدمة توصيل"، "إقلع الشبشب قبل ما تدخل ع السجادة"، "إقلع الجزمة قبل ما تدخل من باب الشقة"، "قفلت باب الشقة قبل ما تدخل تنام"، "إفرش الملاية كويس قبل ما تنام، أنا عمري ما شفت حد بيبهدل الملاية كدة وهونايم عليها"، "خد طبقك في إيدك، ويا سلام لو تغسله"، "وطي التليفزيون شوية، إنت ليه بتحب تتفرج وصوته عالي، وبعدين ده فيلم أجنبي يعني بتقرأ الترجمة مش محتاج صوت"، "براحة شوية وإنت سايق"، "قوم صلي"، "تصلي إزاي وأنت مش متوضي"، "لحقت تصلي"، "مين بيكلمك"، "عايزك في إيه"، "إنتوا مش كنتوا لسه مع بعض"، "مفيش نزول، إنت خلاص دخلت البيت والساعة بقت حداشر"، "ما أصل البيت بقى اللوكاندة الخصوصي بتاعتك يا بيه"، "أنا صارفة لحد دلوقتي 600 جنيه في مصروف البيت"، "حسبي الله ونعم الوكيل"، "الفيلم ده شفناه ألف مرة قبل كدة"، "إقلب من على القرف ده".

لكن، إن توقف الرجال عن الإحساس بأنهم أطفال، هل تتوقف النساء عن الإستمرار في كونهن أمهات؟. تعرف أنت الإجابة، إن كنت توقفت، لكني لا أعرفها كوني لم أتوقف.

ما أعرفه، أني تركت بيت أبي وأمي، لأنال الإستقلال، والحرية، وإمكانية صناعة الفرح والتمرد والجموح، واخترت زوجة تشبه أمي، فصارت أمي، وصارت أيضاً عاجزة على فهم خطورة تحول الزوجة إلى أم، وقد أخبرتها، أنها بمرور الأيام ستفقدني، كما تفقد الأم ابنها حين يكبر قليلاً ويخرج عن طوعها إلى طوع "إمرأة أخرى" فقالت.. "عايز تفهمني إنك مضايق من الحياة الرائعة اللي إحنا عايشينها، وإن تضحياتي الكتيرة مش عاملة فرق، بص، إنت بس أكيد عندك مشاكل في الشغل ومحتاج تبعبع شوية، وأنا مش هرد على أي حاجة أنت قلتها وهعتبرها مجرد بعبعة".

هنا تبرز ملاحظتي الثالثة والأهم، قدرتهن على الإختزال والإختصار وإدراك الغيبيات والوصول للسبب الأصلي للمشكلة، وعدم الإكتراث، والتواءم، والمرور بأضيق الممرات، وقتل الأسئلة، تدهشني تلك القدرة. لا تزال تدهشني، بحيث استمر في الإستيقاظ بعد زوجتي، ومنادتها بماما، والبعبعة دون أن أدرك أنه لا جدوى من ذلك على الإطلاق.

.........

انتهت رسالة القارئ، ونحن بدورنا نهنئه بالأعياد، ونعده بتوصيل صوته إلى المسئولين.. المحرر.