الاثنين، يوليو 11، 2011

مظبوط

في المدخل الرخامي البارد، كنا أربعة.
وائل، علاء، أحمد، وأنا.. يجمعنا انتظار الوقت المناسب للدخول إلى الأستديو. أمامنا شاشات صغيرة متنوعة الأحجام، مضبوطة على الإنترنت، نكتب كل قليل عن أي شيء، ونقرأ تعليقات الأصدقاء على مسألة تأخر دخولنا إلى الأستديو.. الجو اللطيف يمنعنا من الملل.

السقف عال، والأصوات حوالنا أيضاً. ومن جهة بعيدة يراقبنا شخص يبدو أنه مدير إنتاج البرنامج.. بعد فترة، اقترب، وسألنا عن أحوالنا، كنا قبل مجيئه صامتين.. وكان الملل على وشك أن يجذب هو الآخر كرسياً وينضم إلينا..

سألنا الرجل، "شربتوا حاجة؟".. تبادلنا جميعاً ابتسامات ادعاء الخجل، وساد صمت للحظة. جاء من بعيد شاب ينتمي إلى البوفية، ودون طلباتنا في ورقة صغيرة..

كان الشاي ضرورياً بالنسبة لي، مع زجاجة صغيرة من المياة المعدنية، واختار أحمد الكولا.. فيما طلب علاء ينسون بجرعة "مظبوطة" من السكر..

بعد رحيل الرجلين، سأل علاء عما تعنيه تحديداً كلمة مظبوط.. وأجاب وائل بأنها غالباً معلقتين ونصف من السكر. فكرت أن أعترض، فقد طلبت شاي زيادة، وكنت أعني أيضاً معلقتين ونصف من السكر. وفي اعتقادي، أن مظبوط تشير إلى معلقة ونصف، وليس إلى معلقتين ونصف.

جاء الينسون، وشربنا كلنا. ثم دخلنا إلى الأستديو وسجلنا حلقة من الممكن وصفها هي الأخرى بالمضبوطة.

في طريق العودة إلى المنزل، كان السؤال يجلس بجواري على الكنبة الخلفية لسيارة القناة. هل يمكن أن تكون لكلمة مظبوط أكثر من معنى؟

هجمة - غير - مرتدة

دين، سياسة.
سياسة، دين.

(1)
عندما قال "السادات" جملته الشهيرة، "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"، فإنه، لم يكن يقصد المعنى الحرفي لما قال، على كل حال، كان عليه – ربما – أن يكتفي بالجزء الأول من الجملة، ويصمت.

السادات نفسه لم تكن لديه القدرة على تطبيق مقولته وإثبات صحتها، نظرة سريعة على نهاية خطبته الشهيرة في البرلمان، التي عزل فيها البابا ووزع على الشعب حزمة من القرارات، ربما تؤكد أنه عجز عن فصل الدين عن السياسة.

في نهاية الخطبة، (كانت خطاباً ثم تحولت إلى خطبة)، ردد السادات أمام أعضاء البرلمان – وأغلبته من المسلمين – الآيات الأخيرة من سورة البقرة، "أعفو عنا، وأغفر لنا، وأرحمنا، أنت مولانا فأنصرنا على القوم الكافرين".. كان النواب مبهورين ببلاغة الرئيس حتى أنهم رددوا بين كلمة وآخرى "أمين"، غير مدركين، أن الرئيس كان يقصد البابا، بكلمة الكافرين، ويطلب من الله أن ينصره عليه!.

هذا ليس موضوعنا، يكفي فقط أن نتأمل إشارة "لا" في مقولة السادات، لنتأكد أن بها بعض التطرف، السياسة، بل الحياة كلها، لا تعرف أو تعترف بالحلول النهائية القاطعة.. يمكن أن يكون بالسياسة بعض الدين.. هذا مؤكد، السؤال هو : هل يمكن أن يكون بالدين بعض السياسة؟.

بداية، يجب التأكيد فقط أن المقصود بالدين هنا هو أي دين، والمقصود بالسياسة هي أية سياسة، بصراحة، لست على استعداد للدخول في نقاشات لا تنتهي، حول الإساءة التي قد أوجهها لأي من الدين أو السياسة، أنا بشكل عام ضد الإساءات، مطلبي الوحيد في العالم أن نلعب جميعاً سوياً..

(2)
أحقر اللحظات التي عشتها في طفولتي كانت حين يقرر الأطفال إقصائي بعيداً عن الملعب وقت المباراة، بحجج فارغة، منها أني بدين، أو لا أجيد اللعب، أو لا أرضى بمهمة حراسة المرمى التي لم تكن تأتيه الكرة أبداً لبراعة الفريق الذي ألعب به، واعتماده خطط الهجوم طوال الوقت.

كنت خلال حراستي للمرمى، أدعو الله أن يتمكن فريق الخصم من تنظيم هجمة مرتدة، حتى تقترب الكرة من مرمانا، وأصبح قادراً على لمسها.

إقصائي في اللعب، خلق مني طفلاً بيضاوياً، عندما تمكنت من شراء كرة، كنت أمنع الجميع من اللعب بها، أو أحملها وأرحل حين يحدث في الملعب أي شيء يزعجني.. كان الجميع حريص على ارضائي، فقط لأني صاحب الكرة، لم تكن لديهم أية أسباب أخرى تجبرهم على احتمالي، حتى إذا ظهرت كرة أخرى، انصرفوا عني، لأبدأ بعدها التفكير، كيف يمكن أن أفسد عليهم لعبهم بكرة غير كرتي؟!.

الإخوة المدافعين عن علاقة الدين بالسياسة، لديهم بعض الحق، السياسة هي فن الممكن، وعلم التعايش، كيف يمكن أن تصبح الأمور ممكنة إذا قرر قادة المجتمع من أهل السياسة عدم الإكتراث بديانة الشعب؟، وكيف سنتعايش جميعاً إذا أهملنا حقيقة أن بعضنا ينتمي للدين (أ)، والبعض الآخر ينتمي للدين (ب)؟.. أغلب الظن أن الدعوة للفصل التام، غير صحيحة، أو لنقل أن بها بعض التعسف.

في المقابل، هل يمكن أن نتخيل ممارسات دينية دون قدر من السياسة؟، يمكن أولاً أن نتوقف أمام لفظة "ممارسة دينية" ونتأملها.. في مصر مثلاً، الذين يطلبون دمج كتلة الدين مع كتلة السياسة، نسميهم الإسلاميين.. هذا حقيقي وواقعي ومنطقي. لكن، ضمن بضعة حقائق علمية وسياسية ودينية..

فالدين اسمه الإسلام، والشخص الذي ينتمي لهذا الدين اسمه "مسلم"، أنا مثلاً مكتوب عندي في البطاقة أمام خانة الديانة "مسلم"، ومعظمنا كذلك، لكن في المقابل، لم نرى بطاقة مكتوب عليها : إسلامي.. إذن، نحن نتحدث عن فئة تدين بذات دين الغالبية العظمى من الشعب، لكنها اختارت أن تتفوق عليه، وتتبع "منهج إسلامي"، وليس "منهج الإسلام"، الفارق بسيط، المنهج الأول منهج سياسي، والمنهج الثاني ديني.. ربما، أنا غير متأكد، لست خبيراً على أي حال.

بالعودة للتاريخ مثلاً، يرى البعض أن معارك أتباع دين الإسلام، حين كان وقتها دين جديد، في مكة المكرمة، ومع قريش.. كانت في الواقع معارك سياسية. قادة قريش كانوا يخافون على تجارتهم ومكانة قبيلتهم ودولتهم، هذا بالنسبة لهم أهم كثيراً من مسائل معقدة مثل : من الله؟، من نعبد؟، ما هو ديننا؟، هل محمد (ص) نبي فعلاً؟..

لعل هذا ما جعل أصحاب الدين، يلجأون لفعل سياسي محترف، وهو الهجرة، ثم تأسيس أول دولة في الإسلام، وهي المدينة المنورة.. ثم بمرور الوقت، وبعد عدد من المعارك، جاء صلح الحديبية كأول معاهدة في التاريخ.. والذي يقرأ نصوصها، يتأكد من كونها معاهدة سياسية كاملة، فيها من النصوص ما هو متعارض مع الممارسة الدينية بشكلها المجرد.

إذن، كانت لديهم قدرة على إدخال بعض السياسة للدين، وعدم الفصل. كانوا مدركين للبيئة التي يعملون بها، كانوا على معرفة بضرورات التعايش، ودرسوا بمهارة فن الممكن، وتمكنوا بمرور الوقت من فتح مكة، وانتصر الدين السياسي.

يمكن إذن أن نجلب إلى الدين بعض السياسة. الدين له جوهر، والسياسة لها آليات، بعض السياسات لا دين لها، هذا صحيح، لكن، لا يمكن تصور دين بلا سياسة.
كيف يمكن إذن أن نخشى على جوهر الدين من آليات السياسة؟..

(3)
يمكن هنا ضرب مثل آخر بعيد عن الإسلام، بل عن الديانات السماوية كلها.. البهائية مثلاً.

عندما يطالب البهائيون بحقهم الطبيعي في كتابة دينهم في خانة الديانة، هذا أمر تنقصه بعض السياسة. يمكن مثلاً أن يحدث الأمر بالتدريج، يمكن أن نطالب جميعاً بأن تكون هذه الخانة اختيارية.. بحيث يمكن حذفها لمن يريد.. هذا حق أي شخص يرى لديه مصلحه في حمل بطاقة شخصية لا توجد بها ديانته.. كما أنه لن يضر أي شخص على كوكب الأرض.

بعد ذلك، يمكن أن نطالب بأن يكون متاحاً أن نكتب خانة الديانة وبجوارها بضعة نقاط أو مساحة فارغة.. ثم نأتي في النهاية لنطالب بأن يكون بإمكان المواطن أن يكتب الديانة التي يريد.

ما أذكره، أن الشعب المصري كان بحاجة لأن يعلم ما هي "البهائية" أصلاً حين أثيرت هذه المسألة، وقد شاهدت في التليفزيون بعض البرامج تشرح معنى أن تكون بهائياً، هذا يؤكد أم مظاهرة صغيرة أمام مجلس الدولة منذ سنوات، ودعوى قضائية أمام القضاء بخصوص مسألة البطاقة، كان أمراً خالياً من السياسة.

يمكن النظر أيضاً لمظاهرات الأقباط أمام ماسبيرو من ذات وجهة النظر، كان الأمر بحاجة إلى ممارسة سياسية. من وجهة نظري كمواطن يرغب في اللعب المشترك، أعتقد أن مشكلة الأقباط الأساسية في مصر أنهم دين بدون سياسة.. دينهم يدخل في السياسة فعلاً، لكن السياسة لا تدخل دينهم.. وهذا ما يجعل البسطاء ينظرون للتظاهرات باعتبارها غير مفهومة أو مبررة..

الخوف ربما، أن يفقد رجال الدين بعض قدسيتهم باستخدامهم السياسة، في المقابل، قلنا مسبقاً أن الإسلاميين في مصر ليسوا رجال دين أصلاً.. فلا يوجد دين اسمه "الإسلامي"، يوجد دين اسمه الإسلام، وغالبية الشعب يعتقد أنه ينتمي له. وبالتالي، ما الخوف إذن أن يستخدم رجال هذا التيار قدراً من فنون السياسة خلال خطبهم ومؤتمراتهم الحاشدة في إمبابة والعباسية وطفط اللبن.

أما بخصوص دخول الدين في السياسة، فالرحمة.. الرحمة فعلاً. كيف يمكن أن نطلب من الناس صراحة أن يتناسون دياناتهم.. خصوصاً في بلد مثل مصر، يحرص فيه أبناء الإسلام على الذهاب إلى صلاة الجمعة، فيما قد لا يهتمون بالذهاب إلى مظاهرة سياسية للمطالبة بالحرية مثلاً.

في المقابل، فإنه من المؤكد أن لا "دعوة في السياسة"، فالدعوة سلوك ديني واضح، يصعب معه أن نطلب من أصحاب تيارات غير دينية أن يلعبوا في ذات اللعبة. فواحدة من أهم قواعد اللعب التي تعلمتها بعد رحلة طويلة من الإحتفاظ بالكرة.. أن قوانين اللعبة يجب أن تكون واحدة، فلا أفضلية لصاحب الكرة على اللاعب الموهوب الذي تمكن من تسديدها عبر هجمة ذكية "غير مرتدة".. فأحكام الكرة سياسة.. والردة لفظ ديني من الأفضل أن يبقى خارج الملعب.

في المرات القادمة، دعونا نسأل عن دين السياسة.. وعن سياسة الدين.. وأن نتأكد جميعاً من قدرتنا.. على اللعب سوياً.

عن هوس العمق

يعتقد كاتب هذه السطور، أن قصة "هوس العمق" لباتريك سوزكيند، هي واحدة من أفضل القصص القصيرة على الإطلاق.

وقد بحث الكاتب عن القصة على الإنترنت، دون جدوى، كما ذهب لأكثر من مكتبة للحصول على المجموعة القصصية التي تحمل نفس الاسم، دون أية نتيجة.

المرة الوحيدة التي قرأ فيها هذه القصة كانت في سيارة صديق اسمه أسامة العبد، وهو مخرج شاب، قام بعد ذلك بإخراج فيلم قصير عن قصة هوس العمق.

القصة مهمة، وعليها أن تنتشر في كل مكان. سنرتكب هنا خطيئة أدبية ونكتب القصة مرة جديدة، بالطبع لا وجه للمقارنة، بل لا توجد مقارنة أصلاً، لأن الهدف، هو إخباركم بأن القصة عظيمة، وأن المؤلف أعظم..
..........

كانت هناك فنانة شابة جميلة، تسكن في مدينة أوربية هادئة، وترسم لوحات بألوان الزيت. فكرت أن عليها ألا تترك لوحاتها حبيسة مرسمها، وأن الوقت قد حان لعرض اللوحات في معرض صغير بالمدينة.

لأن للفنانة عدد كبير من الأصدقاء، كانت كثافة الحضور إلى المعرض عالية، الكل يرغب في مشاهدة اللوحات الأولى للفنانة الشابة الجميلة.

بعض الصحف كتبت عن المعرض، وقد بيعت معظم اللوحات. في اليوم الأخير، زار المعرض ناقد كبير يكتب في المجلة الفنية الأولى بأوربا.

تفقد اللوحات بهدوء وتأني، تفحص لوحة لمدة ساعة كاملة، ثم التقى الفنانة بجوار لوحة أخرى وقال : أسلوبك جيد، وخطوطك مميزة، لكن ينقصك العمق.

لأنها فنانة صغيرة، موهوبة جداً، لكنها صغيرة، لم تفهم ما الذي تعينه كلمة عمق على وجه التحديد. شغلتها الكلمة باقي الليلة، ثم تجاوزت الأمر في الصباح.

بعد يومين، كتب الناقد الكبير مقالاً في المجلة، يتناول فيه معرضها، وقال أنها فنانة لها مستقبل، لكنه يعتقد أن العمق ينقصها.

مرة ثانية وجدت الفنانة نفسها في مواجهة العمق، فكرت كثيراً، ودخلت على الإنترنت تبحث عن معنى كلمة عمق، لم تفهم في الواقع أي شيء.

في المقهى الذي اعتادت أن تشرب فيه قهوتها الصباحية، سمعت همساً يدور في منضدة مجاورة، كان الرجل العجوز يخبر رفيقه – العجوز أيضاً – أن التي تجلس بجوارهم هي الفنانة الجميلة التي كتب عنها الناقد يقول أنها بحاجة إلى العمق.

عادت إلى مرسمها تحاول أن ترسم لوحات جديدة، كانت كلما بدأت في لوحة، تتوقف لتسأل نفسها : هل هذه لوحة عميقة؟، وكيف يمكن أن تصبح لوحاتي عميقة. لذلك، فإنه لمدة شهر كامل، لم تتمكن الفنانة من رسم أي شيء جديد. وظلت تفكر كل لحظة في العمق.

فكرت أيضاً أن تأخذ أجازة، وانتقلت من مدينة أوربية إلى أخرى، زارت عدد كبير من المعارض والمتاحف، ولم تكن لديها القدرة بعد على رؤية العمق في لوحات كبار الرسامين. كانت تراها لوحات جميلة وعبقرية، لكنها لا تفهم معنى أن تكون اللوحة عميقة، وأن يكون لدى الفنان عمق يظهر في فنه ولوحاته.

عندما عادت إلى مدينتها، لاحظ أصدقاؤها أنها أصبحت تسرف في الشرب ليلاً، وأنها صادقت عدد من الشبان السيئين. حاولوا أن يساعدوها على تجاوز محنتها، لكنها كانت مشغولة بأمر وحيد.. العمق.

لم يكن هناك سبب حقيقي يمنعها من قبول دعوة أحدهم لتعاطي المخدرات، بل على العكس، كان السبب الأساسي الذي دفعها للتعاطي، هو العمق، كانت على استعداد لفعل أي شيء، حتى يصبح لديها عمق.

بعد شهور، زارتها إحدى صديقاتها، طرقت الباب، وانتظرت طويلاً، وبعد أن ساورها القلق، استدعت الشرطة التي كسرت الباب، وكانت جثة الفنانة الجميلة تتوسط غرفة الرسم، بينما كانت لوحة جديدة معلقة، لولا أنها لم تكتمل بعد.

في المجلة الشهيرة، كتب الناقد الكبير، أن المدينة فقدت فنانة جميلة، كان لديها مستقبل كبير، لولا موتها المبكر.

لم يذكر الناقد في مقاله أن الفنانة كان ينقصها العمق.

محاولة لشرح التكنيك

في محاولة للإجابة على سؤال الصديق الذي سأل منذ يومين عن التكنيك.. يمكن اعتبار التكنيك هو التالي، مع التأكيد على أن المعنى لا يوجد في بطن الشاعر، لأن البطن عادة ليس المكان الذي يمكن أن يضع فيه الشاعر معاني الأشياء التي توجد في أبيات قصائده.. وعليه، فإن التكنيك هو :

- عدم الإتصال بسوبر ماركت الطيب، خلال الأوقات التي يفترض أن يؤدي أتباع الدين الإسلامي صلواتهم خلالها.. وعند الإتصال في أي وقت آخر، لا توجد حاجة لطلب أي شيء من الأشياء التي يعترض عليها السادة الأفاضل الذين يظهرون على القنوات التالية بالترتيب، الناس، الحكمة، الحافظ، وغيرها من القنوات التي تبدأ عادة بحرفي الألف واللام. وللتسهيل، علينا أن نعلم أن "الطيب" لا يبيع الدخان بأنواعه المختلفة وبعض أنواع المياة الغازية التي يعني اسمها أن علينا دعم اسرائيل بكل ما نملك حتى تقتل إخواننا في غزة.

في حالة نجاح المتصل في الوصول إلى سوبر ماركت الطيب، وتصادف ذلك مع أن السلعة التي يريدها موجودة، فإن قواعد التكنيك تحتم عليه عدم التفاؤل، بأن أحدهم سيأتي فعلاً ويعطيك ما طلبت، أغلب الظن أن الطلب سيلغى من تلقاء نفسه، خلال متابعة العاملين لبرنامج شيق على التليفزيون، أو أن يحين موعد الآذان بينما طلبك على وشك الخروج من المحل..

- على الفيس بوك، يفضل ألا نتردد في قبول طلبات الصداقة المجهولة، لماذا؟، لأن وجودهم هو الحكمة الحقيقية من وجود الفيس بوك نفسه. يعتقد بعض الذين لا يؤمنون بالتكنيك أن موقع الفيس بوك هو موقع للتواصل بين الأصدقاء.. وهذه أسطورة، الواقع، أن الترجمة الحرفية لكلمتي فيس بوك، تعني كتاب الوجوه، وفي العادة، فإنك لا تطالع وجوه أصدقاءك في الكتب، عادة نرى صور أشخاص لا نعرفهم، ويدفعنا التكنيك، للتعامل معهم وكأننا نعرفهم، نعلق على ما يقولون، نضغط على زر أعجبني على صورة أو فيديو لطيف، ثم نرصد ببطء، كيف يعيش هؤلاء، كيف يسمحون لأنفسهم باعتقاد الترهات..
في حالة امتناعك عن استخدام التكنيك، ورفض الصداقات المجهولة، فإنك تعيش حياة ناقصة، دون أن تتكون لديك تلك القدرة على معرفة الأشياء المدهشة التي يفعلها سكان الكوكب.

- في الليالي الباردة، وبينما يداهمك النوم خلال مشاهدتك لفيلم عربي قديم، أو فيلم أجنبي لم تشاهده من قبل، لا تستسلم للنعاس أبداً، واصل المشاهدة بأي شكل، التكنيك يحتم عليك أن تنتصر لقيمة المعرفة، في مقابل النوم، لأنك يوماً ما، ستلوم نفسك بشدة، على أنك حتى الآن لا تعرف نهاية الفيلم الذي كان مثيراً في منتصفه، بل قد تضطرك الظروف، لتحميله مرة أخرى من الإنترنت، ومشاهدته مرة جديدة، حتى يستريح ضميرك، وتموت وأنت مطمئن أنك تعلم نهايات الأفلام المجهولة، التي شاهدتها في الليالي الباردة بينما يداهمك النوم.

- عند الاستيقاظ، يفضل أن تسأل نفسك، ما الشيء الضروري حقاً الذي يجعلني أغادر الفراش؟، التكنيك يحتم عليك أن تجد في يومك ما يستحق، فإن لم تجد، أكمل نومك في هدوء، لا أنت ستكسب شيء من يوم لا داعي له، ولا البشرية على استعداد لاحتمالك وأنت لا تعلم سبب واحد يدفعها لفعل ذلك. انظر حولك، الشارع مزدحم، ووسائل المواصلات لا تأتي أبداً.. تخيل شكل الشارع بنصف عدد المواطنين، وتخيل مدى سعادة النصف الآخر وهم يمارسون أحد أفضل الأفعال البشرية.. النوم.

- حين تبدأ في تصوير فيلمك القادم، فيلمك الذي تؤمن به، فيلمك الذي انتظرته طويلاً، فكر في مشاهد تعبر عنك، اقترح على المنتج المشهد التالي : البطل يقف على سطح عالي، يمسك بالكاميرا، ينظر إلى العدسة في آسى، ثم يلقيها بقوة في الهواء، لتطير حتى تسقط على الأرض وتتناثر إلى قطع صغيرة، أخبر المنتج أنك تؤمن بالفن، وأن الفن هو التكنيك، وأن التكنيك هو أن تستخرج الشريط من الكاميرا المهشمة، وتستخدمه في فيلمك، وتجعل المشاهد يرى وجهة نظر شيء يسقط من أعلى، ويستسلم للريح، التكنيك نفسه، يملي عليك أن تتوقع من المنتج أي شيء، في الجلسة التي ستخبره فيها بنواياك.

عموماً، الأمثلة لا تنتهي، وسنكون غير منصفين إن افترضنا قدرتنا على شرح التكنيك في جلسة واحدة، يمكنك أنت أيضاً الحديث عن تكنيك الخاص، ويمكن أن نلتقي في وقت قريب لاستكمال الشرح..

عن التنين

في الفترة ما بين العودة من المدرسة، والذهاب إلى النوم، يستطيع بهاء أن يقضي بعض الوقت مع ابن خالته، عمر.
بيت بهاء على بعد بيتين من بيت عمر، وعمر بهاء على بعد عام واحد من عمر عمر. أي أن عمر أكبر من بهاء بعدة أشهر. وهما جيران، فضلاً عن كونهما أقارب.

خلال لعبهما المشترك، تحدث بعض الخلافات الصغيرة، هذا غير مهم، كل الأطفال في حالة شجار دائم ما لم تكن التكلفة عالية.
في الليالي الصافية، يتمكن بهاء وعمر من إجراء بعض المحادثات الفكرية المعقدة..
نقلت لنا أم بهاء هذه المناظرة، وقالت في نهايتها.. لا حول ولا قوة إلا بالله..

قال عمر أنه يصلي، لأنه يريد من الله أن يحبه.
وقال بهاء أنه يصلي أيضاً، لكنه مقتنع أن الله غير موجود أساساً.
اعترض عمر، وقال : ربنا موجود.. ربنا كبير، أكبر من أي شيء وكل شيء.
قال بهاء، بل أنه غير موجود، حتى أن التنين أكبر من ربنا.

اعترض عمر.. واعتبر بهاء يقول كلاماً والسلام. لكن بهاء أصر على موقفه، حتى أنه قال : يا ربنا.. يا ربنا..، ثم نادى بصوت أعلى.. فلما لم يستمع لأي شيء، ولا حتى صدى صوته قال لـ عمر.. أرأيت، إن كان موجوداً لتمكن من الرد علينا.. التنين موجود لكنه في الغابة مع التماسيح والأسود.

بشكل أو بآخر، وصلت هذه المناظرة إلى والد بهاء، الذي رأى من الحكمة أن يتدخل لتصحيح أفكار الطفل عن الله.
قال : بهاء، ربنا موجود.. بل أن التنين غير موجود.. إنه كائن أسطوري..
قال بهاء : طبعاً لا.. التنين في الغابة وأنا أراه في التليفزيون.. لكني لم أرى الله في أي مكان.

عندما استمعت للحكاية السابقة من والد بهاء، فكرت قليلاً، ثم أدركت أن صديقي دون أن يدري، قتل عند طفله اليقين بالحقيقة الوحيدة التي يعرفها حالياً.. وهي التنين.

هل كان عليه ألا يناقش معه قضية التنين، وأن يقنعه فقط بأن الله موجود بالفعل، وأنه هو خالق التنين.. ثم يتركه يكتشف هو وحده.. أن التنين كائن خرافي غير موجود.. وحتى إن لم يكتشف.. ما الذي يضير أن يكبر ويعيش حياته معتقداً في وجود التنانين.. المهم.. أن يكبر وهو يعتقد في وجود الله.

التنين يخص بهاء، والله يخصنا جميعاً.. هذه دعوة لأن نتحدث بعد ذلك عن الله، ونترك التنانين التي تخصنا خارج الموضوع.

مجلس الإدارة

قررت مع بعض الأصدقاء أن نبدأ مشروعاً استثمارياً كبيراً. فكرنا في المجال الذي يستوعب أفكارنا وأحلامنا، ويناسب الأموال التي يمكننا جمعها.. واستقر بنا الحال على افتتاح شبكة للاتصالات، تستفيد من الحرية التي في البلاد، وتحصل على رخصة مجانية من الحكومة. وتنافس شركات المحمول الثلاثة. وقد كان.

كنا نبحث عن التميز، فقدمنا أرخص الخطوط وابتكرنا خدمات جديدة ومفيدة وجيدة. وأصبحنا في أقل من عام شبكة قوية بها ملايين المشتركين، الحمد لله.

حدث هذا بفضل الإدارة الحكيمة، وحرصنا على الابتكار، واجتماعنا شبه الدائم كمجلس للإدارة حتى نحسم كل الأمور بأسرع شكل.. كان بيننا عهد، أن تكون شبكتنا نافعة، تحافظ على الناس، وأن يرضى عنها الله، وأن تساهم في بناء المجتمع.

كنا مختلفين، أحدنا يحب الموسيقى، والآخر يفضل أن يقضى وقته في قراءة القرآن. أحدنا بدين جداً، وكانت شريكتنا الوحيدة رشيقة للغاية تأكل طعاماً صحياً وتشرب الشاي بدون سكر.

هذه الاختلافات المهمة، لم تمنعنا من التفاهم حول أمور شركتنا وخططنا لنصبح في سنوات أكبر شبكة للاتصالات في العالم العربي.

لكن، سرعان ما ظهرت بعض المشكلات غير المعتادة، والتي كانت دائماً تبدأ مثلما تنتهي.. دون تقدم.

لاحظ شريكنا الملتزم مثلاً، أن الخطوط التي نبيعها قد تستخدم في ممارسات إباحية في المساء، بعد أن ينام الآباء والأمهات، وتعبث الفتيات مع الفتيان، وقدم مقترحاً بعدم السماح لأي فتاة بالحصول على خط إلا بعد أن تكون متزوجة، أو مكتوب كتابها على أسوأ الأحوال.. أخلاق المشتركين في الشبكة جزء من أخلاق الشبكة نفسها.. وأخلاق الشبكة جزء من أخلاق مجلس الإدارة، ونحن لا نسمح بالعبث بأي حال.. استغفر الله.

ولاحظت شريكتنا الرشيقة، أن المكالمات الطويلة تؤثر على الصحة، كما أن الاستمرار في الحديث حتى وقت متأخر يمنع المتصلين من الاستيقاظ مبكراً. فقدمت مقترحاً بإغلاق الشبكة عند التاسعة مسائاً، وقطع أي مكالمة تكون أطوال من خمس دقائق، وعلى المتصل الذي يريد مكالمة أطول، أن يرسل إلينا بطلب يوضح فيه الأسباب التي يحتاج لأجلها أن يتحدث لوقت طويل، وحتى إن وافقنا، تكون الدقائق الإضافية أغلى من الدقائق العادية.. لم تكن صحة المشتركين محل تفاوض أو نقاش عند مجلسنا بأي حال..

لاحظ صديقنا المهتم بالموسيقى، أن بعض الأشخاص يضعون أغنيات شعبية كنغمات لهواتفهم، وقد صدمته هذه الحقيقة لفترة، وقدم مقترحاً يمنع أي شخص من وضع أغنية غير جميلة على هاتفه، وأن اختيار النغمات سيتم من خلال قائمة بالنغمات المعتمدة من مجلس الإدارة، وذلك حفاظاً على الذوق العام، ومنعاً للتلوث السمعي.. كيف يمكن أن يتقدم مجتمعنا ونحن نستمع لموسيقى سيئة.. هذه مسؤلية كبيرة، ومجلس الإدارة لا يسمح بأي تنازل قد يعطل عجلة الإنتاج.

لاحظ صديقنا المهتم بأمور الإنترنت، أن كاميرات الهواتف تستخدم في تصوير بعض الأشياء المخلة، ويتم رفعها على الإنترنت. فقدم مقترحاً بنزع الكاميرات من الهواتف، أو منع رفع الفيديوهات إلا من خلال موقعنا على الإنترنت ويقوم قسم كامل بمراجعة فنية وشرعية وأخلاقية للفيديو قبل السماح برفعه.. المصيبة أن هذه الفيديوهات تشوه صورة المسلمين أمام الغرب، كيف يمكن أن تكون شبكتنا جزءاً من ذلك؟؟..

أما أنا، فكانت تشغلني مسألة البلوتوث، كنت أراها وسيلة لمعاكسة الفتيات الساذجات وإقامة العلاقات غير الشرعية، فقدمت مقترحاً بنزع البلوتوث من الهواتف.. يجب أن نحاصر الفتنة ونحافظ على أخلاق بناتنا.. هذا أمر مفروغ منه بالتأكيد.

زوجتي كانت مهتمة بالأمن والأمان، لاحظت أن المجرمين يستخدمون الهواتف للإتفاق على أعمالهم الشريرة، فقدمت مقترحاً من خلالي بإنشاء قسم خاص لمراقبة المشتركين في شبكتنا بحيث نمنع الجرائم قبل أن تحدث ونحافظ على أمن البلاد.. فالعين الساهرة على أمن البلاد، عين لا تدخل النار..

أما صديقة زوجتي، فقد اكتشفت أن زوجها يخونها من خلال بضعة رسائل نصية على هاتفه، فاقترحت أن يكون لدينا قسماً خاصاً يقرأ الرسائل بعناية قبل أن ترسل من هاتف إلى آخر، حتى نتمكن من محاصرة الخيانة الزوجية والقضاء عليها.. فاستقرار الأسرة أول خطوة لاستقرار المجتمع بالكامل، والأطفال هم الضحية للتفكك الأسري، وأبغض الحلال عند الله الطلاق، كما هو معروف.

كنا فخورين بأنفسنا كمجلس إدارة يهتم بأمور المجتمع ويحافظ على الشبكة والمشتركين بها. كان يملأونا الإيمان بأن ما نفعله مفيد وضروري ومهم ويلبي احتياجات الجمهور.. كنا أقوياء، ننجح في اقناع المشتركين بأن كل هذه الإجراءات مهمة ومفيدة.

لم تكن أخلاقنا تسمح لنا بأي حال أن تستخدم شبكتنا في أي أمر غير إيجابي، أو أي فعل يغضب الله، أو يضر بصحة المشتركين، كانت مسؤلية كبيرة، وكنا نتحمل المسؤلية على الوجه الأمثل..

ذات يوم، دخل علينا عامل من البوفية، وكان يقدم لنا الشاي والقهوة والنسكافية. كنا نناقش مقترحاً بإغلاق الشبكة تماماً خلال أوقات الصلاة حتى لا تكون شبكتنا سبباً في عدم صلاة أحد المشتركين عند قيامه باتصال في ذات الوقت.. وبالتالي تكون الشبكة، ومن بعدها مجلس الإدارة، مذنبة أمام الله كونها قدمت خدمة قد تساعد أحدهم على أمر غير جيد..

قال، من أنتم؟..ضحكنا جميعاً، حيث افترضنا أنه يلقي نكتة غير جيدة.. واستمر اجتماعنا فيما خرج هو لجلب المزيد من المشروبات..