الاثنين، يوليو 11، 2011

اطمئنان على جودة التخزين

الأمر يشبه الاطمئنان – فقط – على جودة التخزين..

يعني، لا أريد أن أستخرج ذكريات التحرير الآن وألقيها على الورق، أولاً : لأن كتابتها الآن لها معنى واحد، نوع من استعراض العضلات، لقد ذهبت إلى التحرير، لقد وقفت مع الشعب، لقد ناضلت وقاتلت وافترشت الأرض، أنا بطل أنا مناضل أنا ثائر..

وهذه بالطبع ترهات، قصة الثورة بشكل عام لا تحتمل غير "أنا" واحدة، "أنا الشعب". فقط لا غير.

إذن، ومن باب الاطمئنان فقط، على جودة التخزين.. يمكن استخراج ثلاثة صور عشوائية، وعرضها على حضراتكم، دون انتظار لاستحسان أو نقد، أو تهليل أو تكبير، أو أي شيء، فالأمر فقط – وللمرة الأخيرة – مجرد اطمئنان، على جودة التخزين.

(1)

28 – 1
بعد صلاة العصر، عند بداية كوبري قصر النيل من ناحية الأوبرا، كنا على وشك تجاوز الكوبري لولا ضربنا والبعض منا يصلي العصر.. يقال أنها لم تكن صلاة العصر أصلاً، وأن العصر في هذا الوقت لم يكن قد حان. على كل حال.. حدث هذا بعد لحظات من الضرب..

كنت أتنفس بصعوبة، وعلى وشك إلقاء نفسي في النيل، لم تكن تعنيني مسألة عبور الكوبري، كان كل ما يشغلني سؤال واحد.. هل يمكن فعلاً أن ينتهي اليوم وبعضنا أموات؟، هل يمكن فعلاً أن يقبل هذا النظام فكرة قتل فرد واحد من الشعب؟..

أنا أؤمن بأن الأرواح كلها جميلة، وأن كل ما حدث كان مجرد هزار، وأن النهاية لابد أن تكون سعيدة دون أن يموت أحد، كيف إذن سمحوا لأنفسهم بضربنا بهذه الوحشية؟.

بجواري يقف شاب يرتدي قميص أبيض، هو أيضاً غارق في تأملاته. لكنه يتابعني، يسير بجواري.. وأسمع صوت أنفاسه بوضوح.. قال، وهو يدرك أنه لا يحدث أحداً غيري : بقولك إيه؟..

كرد فعل طبيعي كان لابد أن أضيف : إيه؟..
قال : هو كوبري قصر النيل ده بيتفتح؟..

سكت، وسكت هو أيضاً.. بعد دقيقة أضاف ما معناه أن بإمكان الثوار أن يفتحوا الكوبري على الشرطة لمنعهم من ضربنا.. لكن ستبقى المشكلة، كيف سنصل للتحرير إذا فتحنا الكوبري..

أدركت إن النظام سيقتل بعضنا بالفعل، لأنه من الصعب أن يصمد أمام خيالنا.

(2)

يوم ما في بداية شهر فبراير.
بجوار مقهى ريش يوجد شارع طويل، في مقابل بار أستوريل مباشرة، لا أعرف اسم الشارع، ولن أهتم بمعرفة اسمه يوماً ما.

في المساء، بينما امتلأ الميدان بحكايات اللجان الشعبية، كان شابين يرتديان الجينز، يقفان في منتصف الشارع الفارغ تماماً. ويلعبان كرة الريشة.

راقبت بهدوء، انسيابية الريشة تنتقل من مضرب إلى الآخر وتسير في الهواء.
كنت أحمل أكياس بيضاء ثقيلة مليئة بعلب الكشري.. وكنت عائداً لتوي من المقهى بعد أن حصلت على حقي الطبيعي في أحجار التفاح..

هل يدرك الجالس في القصر، أن الشباب في التحرير يأكلون الكشري ويلعبون الريشة ويشربون التفاح؟.. وإن أدرك، فماذا هو فاعل بنا؟. أو مفعول به منا؟.

(3)

الميدان واسع، لكن أماكن النوم ضيقة.
الليل بارد، ومليون بطانية لن تجلب الدفء للذين ينامون على الرصيف.

أنا، وحمزة، ومحمد، اخترنا النوم في سيارتي التي خبأتها بعناية في جراج قريب من طلعت حرب.

نمت في مقعدي، وحمزة إلى جواري، ومحمد بالكنبة الخلفية. استسلمت للنوم بسرعة، عائد لتوي من التحرير، من خط القتال مع البلطجية، والصباح سيحمل قتالاً جديداً.

نمت.
ولم أرى في نومي أية أحلام.

في الصباح أخبرني حمزة، أن شخيري كان عالياً.. حتى أنه ظن أن طائرات النظام بدأت تقصفنا..
....

فن الحساب على المشاريب

قال صديقي، أن عصر الخسائر انتهي، فقلت أنه بدأ لتوه.

صديقي هذا شاب من شباب الإخوان، ووالده كذلك، وقد قضى والده السنوات الخمس الأخيرة في السجن، ليخرج بعد أن خرج مبارك من قصره، وأزاحه الله من على صدورنا.

لماذا بدأ عصر الخسائر إذن؟.. حتى أن صديقي قال : ما الذي يمكن أن نخسره مجدداً، لن ندخل السجون ولن نعاني من القمع، إذن فالعصر عصر مكاسب، والله أكبر ولله الحمد.

قلت، بل لا حول ولا قوة إلا بالله، السجن ليس خسارة على الإطلاق.. دعني أشرح لك.

عندما دخل أيمن نور إلى السجن في قضية تزوير، كنا جميعاً نعلم أنها قضية سياسية وأن الرجل يعاقب فقط على ترشحه للرئاسة أمام مبارك، السؤال هو : هل خسر نور فعلاً بسجنه؟.. للوهلة الأولى يمكن أن أقول أبداً، بل العكس تماماً..

تحول سجن أيمن نور إلى رصيد ضخم له عند البسطاء الذين فهموا اللعبة ببساطة، وأكتسبت قضيته مكانة دولية، حيث تحدث عنه أوباما ورؤساء أوروبا، والأدهى أن الرجل كان يكتب في الصحافة بشكل يومي مقالاً يقال أنه كان يهربه، وكانت تلك نكتة طبعاً أن يتمكن سجين من تهريب مقاله السياسي بشكل يومي، ثم ينشر في الصحف..

إذن، السجن والقمع هنا، كان سخيفاً من ناحية، لكنه كان من ناحية أخرى يصنع رصيداً للمعارض السجين المقموع.. لاحظت هنا تغير نظرات صديقي، وارتفاع حاجبيه.. وكأنه يريد أن يعترض..

قلت : أعرف ما تريد أن تقول، ما الذي جعل أيمن نور يصل لهذه الحالة إذن؟..

عندما خرج من السجن، استقبلته وسائل الإعلام استقبال بطولي، فعلى كل حال الرجل دفع ثمن موقفه.. ويستحق قدراً من الشهرة..

أيام قليلة وبدأ عصر خسارته، وستندهش حين تعرف كيف خسر هذا المحامي كل ما كسبه في سجنه.. في خناقة زوجية يقال أنها كانت عادية جداً، طلق نور زوجته جميلة إسماعيل. لم يكن نور ذكياً كفاية ليعلم أنه بينما كان داخل محبسه، كان الشعب يغزل حكايات رومانسية جميلة عن الحب الذي يجمع زوجين عارضا الرئيس، وعن الزوجة المخلصة التي تلف بلاد العالم تروج لقضية زوجها.. ولأن أبغض الحلال عند الله الطلاق.. فقد أيمن نصف رصيده.. ولم يكن في حاجة إلا إلى حادثة بسيطة أخرى ليفقد ما تبقى..

خرج أيمن على الصحف يقول أنه تعرض لاعتداء من بلطجية بعد أن أكد نيته الترشح مجدداً للرئاسة. في اليوم التالي كشفت بعض الصحف أن الإصابة التي يقول أيمن أنها نتيجة الضرب المبرح، هي في الواقع حرق نتيجة إساءة استخدام الـ"سيشوار" خلال عملية لزرع الشعر..

فقد أيمن ما تبقى من رصيد لأنه طلق زوجته وكان ينوي أن يزرع شعره.

لم يتذكر أحد أنه قضى في السجن سنوات، حتى الذين أعطوه أصواتهم في الانتخابات، أصبح من الصعب عليهم أن يثقوا في رجل مطلق يستخدم الـسيشوار.

أخذت رشفة من قهوتي، بينما كان صديقي مشغولاً بالتقليب في موبايله، لاحظ أنني أنتهيت من الحديث، نظر لي قائلاً : أنت عايز تقول إيه؟.

أخبرته أنني أريد أن أقول أولاً أن هذه قهوة سيئة جداً، وأن إدارة هذا الكافية سخيفة ولا تحرص على راحة الزبائن.. أما بخصوص موضوع الخسائر والمكاسب.. فالأمر سهل يا صديقي لو تعلم..

فما كان كان، وما لم يكن لم يكن، أفعل أو لا تفعل وأجب عن أسئلتك بنفسك..

لم تعد هناك فرصة للتستر وراء قمع نظام أو رقابة أمنية. عصر الخسائر بدأ لأن الرجل الحر مربوط من لسانه وأفعاله. لأن الفرعون مات ورحل، ولأن الشعب أصبح أكثر وعياً.

سألته، هل يعلم الإخوان – مثلاً - ما الذي تغير في مصر؟.. هل أدرك الإخوان أن حسني مبارك لم يعد موجوداً؟. الأدهى.. هل يدرك الإخوان خسائرهم..

يقال أن أسوأ ما في الدنيا، ألا يكون لديك شيئاً تخسره.. ويقال أيضاً.. ألا يكون لديك شيئاً تكسبه.

زمان، كان الإخوان يحاربون اليسار وكان النظام يوازن بينهما في المجتمع.. كان الإخوان أقصى يمين المجتمع، وكان اليسار أقصى يساره.

بعد يمين الإخوان نبتت قوى آخرى، السلف الذي لم يعد صالحاً بالضرورة، وألف مبروك عبود الزمر خرج من السجن.. أما يساراً فقابل يا صديقي ورحب بالضيوف الجدد، ليبرالين، أقباط، بهائيين.. هؤلاء الذين لم يعد لديهم حرج في التحرك سياسياَ، بعد أن أستوعبهم الميدان، وأرفع راسك فوق.. أنت مصري.

هذا بالطبع يحدث في لحظة لم يعد هناك نظاماً من الأساس يصنع نوعاً من التوازن، هنا وجد الإخوان أنفسهم في لحظة نادرة، لحظة التطوع الإجباري على الحساب على المشاريب.

السلف يتحركون بحرية، يفتشون عن كاميليا وعبير، تحرق الكنائس، فيما يعتقد البسطاء أن هذا من فعل المتدينين الأشرار، ولأنهم ليسوا خبراء في شئون الحركات الإسلامية.. يصفون الجميع بلفظة وحيدة سهلة وبسيطة.. "الإخوان"..

يا راجل، سائق التاكسي قال لي أن "أسامة بن لادن" من الإخوان، وأن الاحتمالات قوية أن يتولى "عصام العريان" قيادة "القاعدة" بعد أن يعود "أيمن الظواهري" من أفغانستان ويرشح نفسه في انتخابات مجلس الشعب، لأن أيمن – يا عيني – تعب من السفر ويريد أن يعود ويستقر في بلده..

من الناحية المقابلة، تطوع الإخوان أيضاً للحساب على مشاريب "نعم" في الاستفتاء، أقول لك على سر، تأسست الإخوان 1928، ومن ساعتها يا مؤمن لم يفصحوا عن رأيهم في أية انتخابات رئاسة أو تعديل دستوري.. كانوا دائماً يحسمون الأمر داخلياً ويخرجون على الإعلام بذات العبارة "نترك حرية الإختيار للأفراد"، علل إذن حرصهم في مارس الماضي على الحساب على مشاريب "نعم". وحشد الناس لها بفجاجة، واستخدام الدين بشكل مثالي، والوقوف أمام تيارات ليبرالية لم تكن لتصبح بهذا العداء معهم لو أن الإخوان ميعوا موقفهم كما اعتادوا، وهذه هي السياسة..

لكنه استعراض العضلات دفعهم للحساب على المشاريب، فيخرج شيخ سلفي يسميها "غزوة الصناديق"، ويصر سائق التاكسي أنها كانت أيضاً غزوة "إخوانية".

اقتربت منه هامساً وقلت : "بذمتك، هل تعتقد أن الانتخابات البرمانية سيتم تأجيلها فعلاً؟".. قال : "طبعاً لأ".. قلت : "وهل يعلم الإخوان بأن الانتخابات لن يتم تأجيلها؟"، قال : "بالتأكيد"..

صرخت في وجهه : "لماذا تتقدمون إذن وتعلنوا أنكم لن تشاركوا في المظاهرات، وهل طلب منكم أحد أن تشاركوا أساساً.. اسكتوا، قولوا أنكم تعبتم من إرهاق الثورة وقد اخترتم اليوم نفسه للسفر إلى الساحل الشمالي في معسكر ترفيهي يضم كل أعضاء الجماعة، اسهروا يوم الخميس سهرة طويلة جداً واستيقظوا عصر الجمعة والنوم سلطان، أفعلوا أي شيء، بعد أن تدركوا أن ما تبقى في جيوبكم لم يعد يسمح بالحساب على مزيد من المشاريب".

عصر الخسائر بدأ يا صديقي، كل يوم يخسر الإخوان عدد لا بأس به من البسطاء الذين يصوتون لهم، وكل يوم يكتشف هؤلاء البسطاء أن مصر فيها رجال محترمين لا ينتمون للإخوان، ويعملون لصالح البلد، ويقررون أن أصواتهم ستذهب لهم هذه المرة.

كل يوم يرى الشعب صورة أكثر وضوحاً، أن الإخوان ليسوا جزءاً من الحركة الوطنية، بل هم جماعة تبحث عن فرصة، وتستغل الوقت، تجري هنا وهناك تنشيء في مقرات وتطبع بيانات تقارن بين موقفها النبيل، وموقف "العلمانيون" أعداء الأمة.. والشعب.. أصبح مدركاً أن العدو الوحيد له رجل اسمه مبارك يرقد الآن في المستشفى في انتظار الموت أو المحاكمة.

الخسائر بدأت، والنتيجة الأخيرة فيما يبدو هي.. خشيت أن أقول، فما تبقى في جيبي قد لا يكفي للحساب على ما طلبنا.. تصنعت الإنشغال وقت له.. "بقولك إيه.. ما تحاسب إنت".. ورحلنا.

حسبي الله ونعم الوكيل

(1)

يقول صديقي "عمر كامل"، أن أفضل ما حدث في التحرير هو أننا تمكنا أخيراً من معرفة بعضنا.

لم يكن عمر يقصد معرفتي به، لم تكن معرفتنا أصلاً بسبب التحرير. كان يقصد ببساطة، أن المصريين تمكنوا من معرفة المصريين، وأن الجزر المنعزلة، باتت قادرة على الاتصال ببعضها البعض.

إذن، عندما يقول "صبحي صالح"، المحامي الإخواني الشهير، وعضو لجنة تعديل الدستور المصري، والعضو السابق بالبرلمان، أن على شباب الإخوان أن يتزوجوا فقط من الأخوات، وأن زواج الأخ من بنت محترمة ومتدينة ومن بيت طيب يعطل النصر، واصفاً الأخ المذكور بالـ"فلوطة"، وهي كلمة لا معنى مؤدب لها في الواقع.. فإن هذا يعني ببساطة أن الأخ صبحي لم يتمكن من معرفتنا.

وهذا شيء محبط، مثلاً، عندما شاهدت فيديو "عفاف شعيب" الخاص بالبيتزا والكباب والريش، سألت نفسي ذات السؤال، كيف سمحت لنفسها بقول هذه الترهات أمام كاميرا تنقل كلامها للشعب المصري، هل تجهل عفاف شعبها؟، بحيث تقول هذا دون أن تدرك أن الرد الطبيعي عليها هو الرفض والسخرية.

طيب، إذا كانت عفاف فنانة ليست ذات علاقة بالسياسة، وبالتالي فإنه ليس من الواجب عليها أن تراعي الذوق والذكاء فيما تقول، ماذا عن صبحي؟.

الأستاذ صبحي الذي جلس في البرلمان المصري، ودخل المحاكم المصرية، ويعيش في الأسكندرية ويعدل الدستور المصري، كما أنه من الإخوان المسلمين فرع مصر، كل هذا ولا يدرك أن ما قاله يمكن توجيهه للشعب السعودي الشقيق مثلاً.. حتى أنه لو قاله في السعودية فلن يسلم من البعض يعتبرونه عنصرياً.

ما قاله "صبحي صالح"، هو مزيج نادر بين ثلاثة مكونات بغيضة، أولها العنصرية، وثانيها التطرف، وثالثها التعصب. وقبل أي شيء، يغلفها جهل بطبيعة الشعب الذي ينتمي له المحامي الشاطر.. لذا، كان لابد من مكالمة.

في المساء، فكرت أن علي أن أكسب ثواباً بطريقة أو بأخرى، بحثت عن رقم تليفون الأستاذ صبحي صالح، وكتبت على الفيس بوك أخبر أصدقائي عن نيتي مكالمته في الصباح وإخباره فقط أن "حسبي الله ونعم الوكيل". وفتحت مناقشة كانت نتيجتها 159 تعليق، و16 استحسان، معركة كلامية طويلة حول ما إذا كان يجب أن أتصل به أم لا، في النهاية كان الشعار الذي يملأ التعليقات هو : "الشعب يريد رقم صبحي صالح".

في الصباح، دخلت غرفتي وأحسنت إغلاقها، ثم طلبت الرقم وانتظرت، كانت توقعاتي كلها أنه لن يرد، أو على الأقل سيرد سكرتيره. لكنه رد بنفسه.

قلت، اسمي براء، أعمل مخرجاً للأفلام الوثائقية، مواطن مصري، ليست لدي مشكلة كبيرة مع الإخوان.. قال : تمام.

قلت، أتصل بك لقول جملة قصيرة، أرجو أن يتسع صدرك لها : حسبي الله ونعم الوكيل.. قال : في من؟، قلت : فيك.. ثم كررت الحسبنة ثلاثة مرات.. وكنت أرتعش.

(2)

لم أكن حتى هذه اللحظة واثقاً من جدوى ما أفعل. مالي أنا وصبحي وما يقول، هو حر، وأنا حر، هو يأمر الإخوان بالزوجات من الأخوات، ولا أنا من الإخوان لا من الأخوات، إذن فليتزوج الأخ أخته وأريح أنا دماغي..

ما دفعني للمكالمة فقط هو إخبار صبحي أنني موجود. أعيش في ذات العالم وأتنفس هواء نفس الكوكب، وأحمل جنسية كالتي يحملها. وأن هذه أسباب كافية تدفعني للإتصال به وإخباره أن حسبي ربي.

فكرت، أن المحامي المحترم، لا يعلم بوجودي، وهذه حقيقة، لو كان يعلم، لامتنع عن قول ما قيل. وأن دوري فقط ينحصر في إخباره أن البلد واسعة، فيها هو وإخوانه، وفيها أنا وأصدقائي، وفيها أناس آخرون.

كيف يسمح لنفسه إذن بقول ما يوصف بالعنصرية والتطرف والتعصب؟

قال : الإعلام يحرف كلامي. قلت : كلامك الأخير كان فيديو تتحدث فيه بصوت وصورة. كما أنني عرفته من الفيس بوك وليس من جريدة ليبرالية ذات خلاف معك مثل المصري اليوم أو غيرها.

قال : لكنهم..، قاطعته : إذا كان الإعلام يحرف كلامك بالشكل الذي ينسب لك عشرة تصريحات كلها خاطئة، فالأولى أن تلتزم الصمت، ثم أنك محامي تعلم، أن الدخان دون نار أسطورة..

قال : كنت أهزر..، أخبرته أنه ليس من حقه أن يهزر للأسف، وهو عضو في لجنة تعديل الدستور، ثم سألته : هل ستمنعون في الدستور زواج الإخوة من غير الأخوات؟.. وهل يعتمد الإخوان تفسيرك للآية الكريمة " أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ", حيث وصفت غير الأخوات بالأدنى والأخوات بالخير؟.

ثم أنك تقول، إن على الأخ أن ينصر الله على المجتمع، لكن، هل المجتمع في حرب مع الله؟، ولماذا تأكدون دائماً أن هذا مجتمع لديه مشاكل مع الله، ثم إذا كانت هذه حقيقة، هل يمكن أن تكتفي بدورك كمحامي، وتدع الله يقرر ما يشاء بخصوص المجتمع؟..

سكت لحظة، والتقطت أنفاسي، قلت : أنا آسف، سامحني، سني صغير وأن رجل محترم.. لكن حرام عليكم.. أتمنى أن يكون لي أصدقاء من الإسلاميين، لكني أصبحت أخاف منهم، أفكاركم مخيفة، وأسلوبكم عنيف..

حكيت له أن جدي كان إخوانياً كبيراً اسمه "جابر رزق"، قال أنه يعرفه، وأضاف "الله يرحمه"، أخبرته أن لا جدي ولا رفاقه من رعيل الإخوان الأول قالوا مثل ما يقول في مؤتمرات النصر في الإسكندرية وأمبابة. وأن الدعوة إلى الله، هي كما كتب رجل إسكندراني عظيم اسمه "عباس السيسي" ذات يوم "دعوة حب". وللأسف فما قاله لا يعرف الحب، أكثر مما يعرف الكراهية.

(3)

ما أدهشني، أن الرجل تأثر فيما يبدو بكلامي الأخير، فقال : "أنا آسف". قلت له أني لست في حاجة إلى إعتذار، حيث أحاول مؤخراً أن أكتفي بالتأكد من أن النوايا طيبة. لكن البلد تحتاج إلى اعتذار منه ومن كل من قال كلمة فيها رائحة الفتنة والكراهية والعنصرية والتعصب والزهو السياسي المقيت.

أنهينا المكالمة على وعد بلقاء لم يتحدد له موعد. حتى نكمل نقاشنا..

فكرت أن أخبره قبل الإغلاق بجملة "عمر كامل"، أننا أصبحنا أخيراً نعرف بعضنا.. لكن، هل يعرف عمر نفسه الأستاذ صبحي؟..

هنا يمكن أن نلمس عمق المأساة. ذات المكالمة التي استحقها "صبحي صالح"، يستحقها أيضاً هؤلاء المثقفين على الفيس بوك، الذين لا يدركون أن هناك عالم موازي، يحمل أفكاراً مغايرة.

الإخوان جزيرة، لا يعرفون أحداً خارجها، والمثقفين كذلك، الفيس بوك جزيرة كبيرة، كل واحد له من الأصدقاء ألف، وهم في الغالب على شكله وأفكاره، قد لا تسمح له الفرصة باختلاف حقيقي.. لأنه في الحقيقة، لا أحد مختلف معه.

ما يقال داخل الكنائس يبقى داخلها، وما يقال في المساجد كذلك، كيف نزعم أننا إيد واحدة، إذا كنا لا نعرف بعضنا، كيف نعتقد أننا أحرار في كلامنا، إذا كنا لا نعرف كيف يؤثر على الآخر.

هذه الجزر يجب أن تتصل. جزيرة الإسلاميين وجزيرة المثقفين، جزيرة السلف وجزيرة الأقباط، جزيرة المجلس العسكري وجزيرة "تويتر".. كلنا، واجب علينا، أن نتصل، حتى وإن كان اتصالنا يبدأ بـ"حسبي الله ونعم الوكيل".

كيف يحكي مطاوع حكاية النوم؟

في المساءات التي يخاصم النوم فيها منزل الأسرة، يجلس مطاوع وبالقرب منه طفلته الصغيرة، تحرك رأسها في تواتر غير ممل، ناقلة عيونها بين قناة "براعم" في التلفزيون، وبين وجه مطاوع المثبت تجاه شاشة جهازه الإليكتروني، يكتب شيئًا ما.

على شاشة "براعم"، يوجد جرافيك جذاب بخلفية موسيقية هادئة، عبارة عن قمر له عيون، ينام ويشخر بصحبة عدد من الطيور، الموسيقى مصممة بحيث يعتادها الأطفال وينامون، أول برنامج جديد سيكون في الصباح، والأطفال ينامون مبكرًا، وهي معلومة قرأها مطاوع على دعوات أفراح الـ"هاي كلاس" التي جاءته مرة أو مرتين في حياته، لكنه لم يرها تتحقق أمام عينه، فالطفلة لا تنام مبكرًا، بل ربما هي لا تنام أصلًا.

والحقيقة، أن مطاوع يشكر الله ومستشفى الولادة والسيد الرئيس على ابنته، فهي - وإن كانت مصابة بأرق دائم - إلا أنها غير مزعجة، تبكي وقتما يكون للبكاء ضرورة، وتضحك وقتما ترى الضحك يملأ المكان.

لماذا لا ينام مطاوع إذن ويتركها وحدها مع شاشة براعم؟ الحقيقة أن هذا ممكن، لكن مطاوع سيترك معها ثلاجة يمكن فتحها بسهولة، وباب للحمام يمكن دفعه بحيث تبدأ فقرة "الكريزي ووتر"، وبشكل عام، فالأطفال وإن كانوا لا ينامون مبكرًا، فإنهم لا يتركون وحدهم في ساعة متأخرة كهذه.

هنا، يكتشف مطاوع أن عليه أن يمارس دوره كأب، وأن يبدأ في الحكي، الحكايات تسحب النوم إلى عيون الطفلة، وتحبب النعاس إلى قلبها، وتقنعها بفكرة أن إغلاق عيونها والانطلاق في الأحلام أمر مقبول وجائز وغير مؤلم على الإطلاق.

الخطوة التالية، أن يختار مطاوع حكاية تصلح للنوم، في مرات سابقة، حكى مطاوع - بسلامة نية - عن الأمور العادية التلقائية التي تحدث في العالم، بعد ساعة، كانت الطفلة تستيقظ فزعة، ومنطلقة في الصراخ، ثم تقول بين دمعة وأخرى "حكاية نوتي".. ونوتي في لغة الطفلة تعني شيئًا سيئًا غير جيد يفضَّل ألا يحدث مجددًا.

يتخذ مطاوع وضعية الحكي، يضم الطفلة ويريحها على جسده، كم تمنى أن يرزقه الله بطفل أو طفلة ينام على جسده، الطفلة على جسده الآن لكنها لا تنام، النوم في حاجة إلى حكاية، والحكاية في حاجة إلى خيال، ما أوسع خيالك يا مطاوع، أطلق لنفسك العنان، واحكِ يا فتى، هذه طفلتك التي تمنيتها من الله في حديثك الأخير معه، هذه هي، عامان ونصف من البراءة في حجرك، قل ما لديك، أخبرها، لون لها العالم، اخترع الشخصيات، اخلق الحكايات والأحداث.. مطاوع.. افعل ما يجب أن تفعله، كي تفعل الطفلة هي الأخرى ما يجب عليها أن تفعل، وتنام.

كان يا ما كان، يا سعد يا إكرام..
من هو سعد؟ ومن هي إكرام؟.. ماذا فعل سعد في حياته ليصبح اسمه حاضرًا في قصص كل أطفال العالم، وإكرام، اسمها سخيف، والتاريخ وإن كان يذكر سعد زغلول وسعد الصغير وسعد الدين إبراهيم، فإنه لا يذكر ولا إكرام واحده..

ما يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام..
زيد النبي صلاة، ثم مرة أخرى، على الأطفال أن يصبحوا متديِّنين، عليهم أن يعرفوا الأنبياء ويصلوا عليهم، لكن هل يمكن أن يحلى كلام به بعض الإباحية، وقد بدأ بالصلاة على النبي الكريم؟ ولماذا يا مطاوع تحكي للطفلة حكاية إباحية، اصنع قصة تليق بطفلة، اترك معتقداتك جانبًا وأخبرها بأي شيء كي تنام وتتفرغ أنت لعالمك الإباحي الحقيقي..
أوك، و"أوك" هذه تعني "حسنًا" في ترجمة الأفلام، تمام كما تعني "FUCK" "تبًّا".. سامح الله "أنيس عبيد" الذي ترجم الأفلام الإنجليزية لنا في الصغر، فأضاع لنا العربي والإنجليزي، وتركنا هكذا، نتأرجح بين الرذيلة والفضيلة..
طاوِعني يا مطاوع واترك أنيس عبيد في حاله، وركز في حالك، بص في ورقتك يا رفيق، انظر إلى طفلتك، هي في حاجة لحكاية حقيقية، تجلب لها النوم وتنتهي السهرة..

أوك.. كان في بنت اسمها إيه.. عن من يحكي مطاوع، الفتيات اللاتي يعرفهن أسوأ من أن يتم إدراج اسم واحدة منهن في قصة للطفلة البريئة.. عمَّن يحكي إذن؟

عندما فكر مطاوع، بعمق لا يلائم تفاهة المسألة، قرر أن كل الحكايات غير صالحة، لا الحكي عن البنات، ولا الولاد، لا الحكي عن أحد.. فكر مرة أخرى، ثم أعاد التفكير، مرر يده على شعر الطفلة، ونظر في عيونها بدفء - أو هكذا ظن - ثم بدأ الحكي..

"كان في طفلة اسمها مليكة، كانت عايشة مع بابا وماما، بابا كل يوم كان بيحكي حكاية جديدة.. مرة عن القطة، مرة عن الأسد، مرة عن الحمار.. لكن النهاردة، بابا يحكي عن مليكة، البنت الجميلة، قبل نومها، بتتفرج على براعم، وتشوف القمر نايم، وتقعد مع بابا، يحكي حكاية، وتنام، وتصحى الصبح، تتفرج على براعم تاني، لما القمر يكون صحي"..

يعتقد مطاوع أن حكايته كانت واقعية جدًّا، فلا هو كذب، ولا هو أخبر الطفلة بأمور ينبغي ألا تعرفها في سن كهذه.. يكاد مطاوع ألا يصون السر، فيخبر طفلته بالحقيقة، يحكي لها عن العالم، عن الحب، عن الله، عن السيد الرئيس، عن مايكل جاكسون، عن الأشياء التي يجب أن يحكي عنها.

يكاد مطاوع أن يخبرها عن نفسه، أن يحكي الحكاية من البداية، عن الطفل الذي لم تُحْكَ له الحكايات صغيرًا، فقرر أن يؤلفها كبيرًا، وانتهى به الحال، جالسًا أمام جهازه الإليكتروني، يحكي القصص للناس، لكنه عاجز عن ابتكار قصة تلائم صغيرته.

يكاد مطاوع أن يفعل، لولا أن الطفلة ترضى بنصيبها وتقرر أن تنام.. يعلن مطاوع أن "توتة توتة.. خلصت الحدوتة"، ثم يطرح سؤاله التقليدي: "حلوة ولا ملتوتة".. ترد الطفلة في حماس: "حلوة".. يقبلها ويسحبها للسرير، يفكر في الطريق أن يسألها إن كانت تنافقه أم أن القصة جيدة فعلًا.. سيكون مزعجًا أن تتعلم الطفلة الصغيرة النفاق في وقت مبكر كهذا.. العالم سيعلمها النفاق لكن بعد قليل.. يفكر أن يحرجها بسؤال صريح عن معنى كلمة "ملتوتة" التي لا تختارها أبدًا.. قبل أن يصل إلى باب غرفة النوم تكون الطفلة قد استسلمت للنعاس.. يتركها مطاوع في سريرها ويعود للنقر على جهازه، عليه أن يكتب قصة جديدة للبشر.. قصة ليست حلوة.. قصة ملتوتة..

استفتاء

سأرحل في الصباح.




بينما يستعد أبناء بلدي لقول كلمتهم بخصوص تعديل دستوري مهم بعد أن قاموا – وكنت معهم – بثورة عظيمة، ستكون الطائرة تحلق في السماء وأنا داخلها.




لن أتمكن من التعبير عن رأيي في التعديل الدستوري، هذا شيء سخيف ولطيف، فمن ناحية ستكون هذه هي المرة الأولى التي يمكن أن أشارك بها في انتخابات حقيقية، ومن ناحية أخرى، لا أملك وجهة نظر محددة للإدلاء بها في صندوق الإقتراع، لا أنا موافق على التعديل الدستوري، ولا أنا معترض.




إذن، هل يمكن أن نقرأ من المشهد السابق شيئاً ما؟.. بالتأكيد..




هكذا هي العادة، أكون في المكان الخاطئ، أعجز عن اتخاذ قرار، وأرحل في الوقت غير المناسب.




الآن، وبينما أجلس أمام التلفاز أشاهد أفلاماً أمريكية لطيفة، وأتناول تفاحة حمراء – أمريكية هي الأخرى – وترقد بجانبي حقيبة سفري التي لم أحزمها بعد، أفكر بعمق في رغبتي الحقيقية أن أسافر هذه المرة دون عودة.




في الداخل تنام طفلتي، أخبرتها أني مسافر في رحلة عمل، اعترضت قليلاً، حتى سألتها عن نوع اللعبة التي تريدها هذه المرة، قبلتني قبلة طويلة، وقالت : "عروسة".. ثم دخلت لتنام.




بإمكان طفلتي أن تلحق بي، وأن تبدأ حياتي الجديدة هناك. هذا بالطبع لن يحدث، لأن علي العودة مرة أخرى بعد أسبوع. لكن.. قليل من الأمنيات لن يضير.




بشكل عام، صرت أفضل أن الأنظر إلى الأمور وهي خلفي. لا داعي هنا لكلمة "صرت"، لأنني لم أصبح كذلك مؤخراً. هذه هي عادتي التي لم أعرف سواها في سنوات عمري السابقة.




ليس لأني لا أجيد المواجهة. فأثناء عملي، أراني قادراً على المواجهة بشكل كبير. مواجهة المشاكل، مواجهة الزملاء، مواجهة العملاء.. لكن يبقى الشخص الوحيد الذي أصمت أمامه هو أنا.




لذا، كانت عادتي أن أنتظر قليلاً حتى تمر الأشياء، ثم أنظر إليها وهي خلفي. فلا أراها رؤية سليمة، بحيث أقيمها تقييماً زائفاً، وأمضي وداخلي رضا عن حالي وقراري واختياري.




عندما بدأت العمل، (قبل عشر سنوات كاملة)، تلقيت بعض الدروس عن "التفكير خارج الصندوق". أعتقد أنني فكرت خارج الصندوق بالفعل طوال السنوات السابقة، بمرور الوقت، يمكن أن أقول أن صندوقي لم يعد يلعب دوراً ضرورياً في حياتي، تركته جانباً. الآن، أكتشف أني أفكر في الهواء الطلق، بدون صندوق حتى.. وتاهت صناديقي في الأماكن التي تركتها فيها.


الآن، أعتقد أن قليلاً من التفكير في أمر الصندوق نفسه كان ضرورياً. ربما لتجنب لحظات الحيرة، أو للإبقاء على الصداقات التي انتهت فجأة، أو لأية أسباب أخرى.




أنا أساساً لا أملك الشجاعة الكافية لأصبح بوهيمياً كاملاً. كيف فقدت صندوقي إذن؟




ما الذي يعطيني هذه القدرة على السير في طرق مجهولة فجأة ودون أدنى تفكير. لقد تركت عملي السابق وأنا أتناول شطيرة في سيارتي بصحبة شخص كنت أظنه صديقي. ثم بدأت عملي الحالي وأنا أشرب مشروباً ساخناً في سيلانترو، بصحبة شخص أصبح فيما بعد صديقي، لا الشطيرة كانت سيئة بحيث تجعلني أترك عملي، ولا المشروب كان جميلاً بحيث يمنحني حماساً للمغامرة والعمل في مكان لم يتم تأسيسه بعد.




كيف اتخذت قراري إذن في المرتين؟ وإذا كنت أعلم عن ذاتي هذا التهور، ما سر الرغبة القوية داخلي في أن أرحل الآن دون عودة؟....




( : )



الخوف، من أن تفوت حياتي وقد فوت على نفسي فرصة مشاهدة عدد أكبر من الصور والأفلام وقراءة حجم أكبر من الكتب، وزيارة أماكن أبعد من التي ذهبت إليها.




القلق، حيال حياتي السابقة وقراراتي التي لم أفكر بها أصلاً، حتى أنه لا توجد ضمانة وحيدة أنني سأفكر – قليلاً – بخصوص أية أمور قادمة في المستقبل.




الرغبة، في النسيان، والتناسي، والإختفاء فجأة في وقت غير مناسب، ومتابعة الأمور من بعيد. أو حتى عدم متابعتها، لن يفرق شيء.




الحب، البحث عن مكان أحبه حقاً، ويمكن ألا أتنازل عنه. في الصباح شعرت بالضيق لأني سأنتقل من سكني الحالي الذي أظن أني أحبه إلى سكن جديد في منطقة سكنية أخرى، وفي المساء أخبرتني زوجتي أننا لسنا في حاجة ضرورية للإنتقال. استرحت قليلاً. لكني لم أرفض في البداية فكرة الانتقال من المكان الذي أحبه، هذا يعني أني لا أحبه أصلاً.. هل يمكن إذن أن أعيش في مكان آخر لا أتنازل عنه بذات السهولة؟




الخيال : الأرض الواحدة تلد خيالاً واحداً. والمنزل الواحد يلد ذات الحكايات.. أي سخافة تلك التي تجبرك على عدم مراوحة مكانك في الأرض.. والثبات.




الحكمة : قديماً قال العرب، أن الحجر المتحرك لا ينبت عليه عشب. وبمرور الوقت، نكتشف جميعاً، أن نمو العشب ليس بالضرورة أمراً إيجابياً.. للصحراء، وللأحجار الجافة، شكل جميل دون شك.




الأسطورة، رأيت في المنام أن أرض مولدي ليست أرض مماتي، وأخبرتني أمي بهذا ذات مساء. فكأني أفتش عنها.

الأربعاء، مايو 11، 2011

عن سمعان الكلام

تظن ماما أن علينا أن نسمع الكلام، وهي محقة.

يعني، عدد الذين سمعوا الكلام ولم يصابوا بضرر، أكبر من عدد الذين لم يسمعوا الكلام فواجهتهم بعض المطبات السخيفة.
وبحسبة منطقية، فإن كلام "ماما" يبدو معقولاً، بشكل عام أنا أصدق أمي في ظنونها.. أو أجبر نفسي على التصديق.

ذات مرة، ذهب "عبادة" لشراء "الفينو" من سوبر ماركت وحيد في قريتنا كان اسمه "ماني"، وأنا لا أعرف سر التسمية، كان "ماني" بجوار محل بقالة اسمه "أم مريم"، وهي سيدة مسيحية فاضلة كانت تبيع اللانشون والبيض والجبن، والأشياء التي كانت أمي ترسلنا لشراءها في المساء.

يحكون عن "أم مريم" أنها واجهت بعض السخافات بسبب ديانتها، تقول النكتة أن أحدهم ذهب إلى المحل يسألها : "عندك عيش؟"، فردت بتلقاءية أعرفها جيداً : "في كايزر"، فرد السائل بحدة : "حتى العيش نصرتوه"، وكان أهل قريتنا يتعاملون مع كل ما هو منطوق بغير العربية باعتباره منتج نصراني يستحق المواجهة.

وقد قضيت طفولتي أحلم بمقابلة "مريم"، كان اسمها يوحي بأنها مختلفة، يكفي أنها الفتاة المسيحية الوحيدة التي علمت بوجودها خلال طفولتي، وأقول علمت بوجودها لأني لم أراها ولو مرة واحدة، كانت "أم مريم" رغم كل شيء، سيدة قروية ترفض أن يلعب الصبية مع بنتها، وكنت أنا أيضاً – وبرغم كل شيء – أمتنع عن اللعب في الشوارع مع أولاد وبنات القرية.

ذهب "عبادة" لشراء "الفينو" من عند "ماني"، وقد تأخر قليلاً.. إذا قابلت "عبادة" ذات يوم فستعرف عنه عادة التأخر قليلاً أو كثيراً بحسب ما يحدد هو المدة التي يرغب في تركك تنتظره بها. هذه عادة أخي التي لم يرثها مني، أفضل من ناحيتي الإلتزام بالمواعيد وترك القلق يقتلني بهدوء.

ثم لما تأخر "عبادة"، قالت أمي أنها تظن أن ابنها الأوسط ليس بخير، وأن عليها أن تدفع ببكرها إلى الشارع المظلم، للبحث عن الفتى الذي تأخر، وكان ترتيبي الأول، وكان لقبي "البكري"، وكانت أمي تفضل أن تناديني وهي غاضبة بلقب موزون على اسمي، ولأن مجلس العائلة اتفق على تسمتي "براء"، اختارت أمي أن تحول بيني وبين المصائب التي أكون على وشك ارتكابها بصرخة تحمل اسم "خراء".

هذا لا ينفي أن "عبادة" كان "هبابة"، والحقيقة أن عادة تحويل الأسماء الأصلية إلى شتائم على ذات وزنها لم تكن "ماما" تمارسها وحدها، زملاء الفصل كانت لديهم شتائم معروفة تلاءم أسمائهم.

نزلت، وقلبي تملأه الثقة من أن "عبادة" ليس بخير فعلاً، "ماما" قالت ذلك، وليس لـ"ماما" أية مصلحة في قول ما هو ليس حقيقياً.
في محل مجاور لـ"ماني"، رأيت "عبادة" يشاهد من هم أكبر سناً منه ومني يلعبون "البيلياردو"، كانت هذه هي المرة الأولى التي نشاهد فيها اللعبة، سرقنا الوقت في الفرجة، وظنت "ماما" أني أيضاً لست بخير، لكن أخانا الذي هو أصغر لم يكن في سن تسمح له بالنزول للبحث عن أخويه، ولأني فهمت بمرور الوقت فلسفة أخي الخاصة – واسمه حمزة – فإني أعتقد أنه لو كان في مقدوره أن يعبر عن وجهة نظره لـ"ماما" التي تشعر بالقلق لقال لها "في داهية"، ودخل يشاهد حلقة "هرقليز" الجديدة على القناة الثانية.

على كل حال، لم يستمر الوضع كثيراً، مشينا أنا و"عبادة" في طريق العودة للمنزل نحاول تفسير ما رأيناه في صالة البيلياردو، وكانت وجهة نظرنا أن قريتنا تنهار على يد تحالف رأس المال الذي يجمع "ماني" الذي سمح للشباب باللعب، و"أم مريم" التي تبيع الـ"كايزر"، وأمي التي لا تفعل ما هو أكثر من القلق، والاعتقاد بأن علينا أن نسمع الكلام..