الاثنين، يوليو 11، 2011

عن هوس العمق

يعتقد كاتب هذه السطور، أن قصة "هوس العمق" لباتريك سوزكيند، هي واحدة من أفضل القصص القصيرة على الإطلاق.

وقد بحث الكاتب عن القصة على الإنترنت، دون جدوى، كما ذهب لأكثر من مكتبة للحصول على المجموعة القصصية التي تحمل نفس الاسم، دون أية نتيجة.

المرة الوحيدة التي قرأ فيها هذه القصة كانت في سيارة صديق اسمه أسامة العبد، وهو مخرج شاب، قام بعد ذلك بإخراج فيلم قصير عن قصة هوس العمق.

القصة مهمة، وعليها أن تنتشر في كل مكان. سنرتكب هنا خطيئة أدبية ونكتب القصة مرة جديدة، بالطبع لا وجه للمقارنة، بل لا توجد مقارنة أصلاً، لأن الهدف، هو إخباركم بأن القصة عظيمة، وأن المؤلف أعظم..
..........

كانت هناك فنانة شابة جميلة، تسكن في مدينة أوربية هادئة، وترسم لوحات بألوان الزيت. فكرت أن عليها ألا تترك لوحاتها حبيسة مرسمها، وأن الوقت قد حان لعرض اللوحات في معرض صغير بالمدينة.

لأن للفنانة عدد كبير من الأصدقاء، كانت كثافة الحضور إلى المعرض عالية، الكل يرغب في مشاهدة اللوحات الأولى للفنانة الشابة الجميلة.

بعض الصحف كتبت عن المعرض، وقد بيعت معظم اللوحات. في اليوم الأخير، زار المعرض ناقد كبير يكتب في المجلة الفنية الأولى بأوربا.

تفقد اللوحات بهدوء وتأني، تفحص لوحة لمدة ساعة كاملة، ثم التقى الفنانة بجوار لوحة أخرى وقال : أسلوبك جيد، وخطوطك مميزة، لكن ينقصك العمق.

لأنها فنانة صغيرة، موهوبة جداً، لكنها صغيرة، لم تفهم ما الذي تعينه كلمة عمق على وجه التحديد. شغلتها الكلمة باقي الليلة، ثم تجاوزت الأمر في الصباح.

بعد يومين، كتب الناقد الكبير مقالاً في المجلة، يتناول فيه معرضها، وقال أنها فنانة لها مستقبل، لكنه يعتقد أن العمق ينقصها.

مرة ثانية وجدت الفنانة نفسها في مواجهة العمق، فكرت كثيراً، ودخلت على الإنترنت تبحث عن معنى كلمة عمق، لم تفهم في الواقع أي شيء.

في المقهى الذي اعتادت أن تشرب فيه قهوتها الصباحية، سمعت همساً يدور في منضدة مجاورة، كان الرجل العجوز يخبر رفيقه – العجوز أيضاً – أن التي تجلس بجوارهم هي الفنانة الجميلة التي كتب عنها الناقد يقول أنها بحاجة إلى العمق.

عادت إلى مرسمها تحاول أن ترسم لوحات جديدة، كانت كلما بدأت في لوحة، تتوقف لتسأل نفسها : هل هذه لوحة عميقة؟، وكيف يمكن أن تصبح لوحاتي عميقة. لذلك، فإنه لمدة شهر كامل، لم تتمكن الفنانة من رسم أي شيء جديد. وظلت تفكر كل لحظة في العمق.

فكرت أيضاً أن تأخذ أجازة، وانتقلت من مدينة أوربية إلى أخرى، زارت عدد كبير من المعارض والمتاحف، ولم تكن لديها القدرة بعد على رؤية العمق في لوحات كبار الرسامين. كانت تراها لوحات جميلة وعبقرية، لكنها لا تفهم معنى أن تكون اللوحة عميقة، وأن يكون لدى الفنان عمق يظهر في فنه ولوحاته.

عندما عادت إلى مدينتها، لاحظ أصدقاؤها أنها أصبحت تسرف في الشرب ليلاً، وأنها صادقت عدد من الشبان السيئين. حاولوا أن يساعدوها على تجاوز محنتها، لكنها كانت مشغولة بأمر وحيد.. العمق.

لم يكن هناك سبب حقيقي يمنعها من قبول دعوة أحدهم لتعاطي المخدرات، بل على العكس، كان السبب الأساسي الذي دفعها للتعاطي، هو العمق، كانت على استعداد لفعل أي شيء، حتى يصبح لديها عمق.

بعد شهور، زارتها إحدى صديقاتها، طرقت الباب، وانتظرت طويلاً، وبعد أن ساورها القلق، استدعت الشرطة التي كسرت الباب، وكانت جثة الفنانة الجميلة تتوسط غرفة الرسم، بينما كانت لوحة جديدة معلقة، لولا أنها لم تكتمل بعد.

في المجلة الشهيرة، كتب الناقد الكبير، أن المدينة فقدت فنانة جميلة، كان لديها مستقبل كبير، لولا موتها المبكر.

لم يذكر الناقد في مقاله أن الفنانة كان ينقصها العمق.

هناك تعليق واحد:

يا مراكبي يقول...

لا يمكن لأي شخص في العالم أن يُرضي جميع الناس في نفس الوقت، كما ان الآراء عن الشخص الواحد ستختلف بإختلاف الظروف والمواقف

لا يجب أن نستسلم للنقد هكذا إلى تلك الدرجة المَرَضية وإلا قتلنا النقد كما حدث مع بطلة القصة

أحمد القاضي
www.ahmedelkady.com